صديق الزيلعي
يلاحظ القارئ ان العنوان تبدل من دعوة للحوار حول قضايا اليسار السوداني الى اليسار الماركسي فقط. السبب ان عدد من الأصدقاء والزملاء الذين علقوا وانتقدوا ذلك العنوان، وحجتهم ان اليسار أطياف واسعة. رغم ان هدفي الأساسي كان توسيع النقاش ليشمل قوى واسعة، تنتمي لليسار فكرا، ولكنها لا تنتمي للحزب الشيوعي. التغيير شكلي لان النقاش سيستمر في طرح القضايا العامة، وتتواصل الدعوة لأصحاب الآراء الأخرى الناقدة، من شيوعيين وماركسيين وديمقراطيين، للمشاركة في الحوار. وقد تم توجيه الدعوة للأستاذ عصام على الذي كتب مقالا موضوعيا في الدفاع عن المركزية الديمقراطية، للمشاركة في لقاء بالزووم، وتشجيع مشاركة الآخرين في الحوار.
كان المقال الأول عن العلاقة الوثيقة، بين الحزب الشيوعي السوداني والحزب الشيوعي السوفيتي، وبالماركسية اللينينية كمرجعية فكرية. وذكرت ان انهيار التجربة السوفيتية لها آثار وانعكاسات سالبة على مسيرة اليسار السوداني، خاصة الماركسي. وكان المقال الثاني عن المركزية الديمقراطية، كيف ظهرت وما هي آلياتها ودورها في الشكيل التنظيمي وتطوره. أما المقال الثالث فقدم عرضا تاريخيا لتجارب الحزب الشيوعي في التحالفات. ولأهمية قضية التحالفات، فسأكرس عدة مقالا ت للحوار مع الآراء والحجج التي تقدم، كتبرير لعدم المشاركة في العمل الجبهوي، في هذه الفترة الحرجة من تاريخ شعبنا.
القضية الأولى التي سأتعرض لها، هي الحجة التي تقدم كسبب في عدم التحالف أو التنسيق، بأي شكل من اشكال التنسيق أو العمل الجبهوي، هي: فشل تجربة التحالف السابقة في الحرية والتغيير. سأجاوب، أولا، على هذه القضية، وستعقبها بقية القضايا.
خلا تاريخ السودان السياسي، حدثت مجموعة من المواقف، من اطراف سياسية مختلفة، ولم يؤثر ذلك في تعامل بقية القوى، مع الطرف الذي اتخذ ذلك الموقف المحدد، وسأذكر بعض الأمثلة فقط، لتوضيح رؤيتي:
• احداث مارس الشهيرة، بعد الاستقلال، وزيارة اللواء محمد نجيب، وقيادة حزب الأمة لأحداث العنف المؤسفة. ذلك الموقف لم يجعل بقية اطراف العملية السياسية، من التعاون، مستقبلا، مع حزب الأمة، داخل وخارج الحكومة.
• سلم عبد الله خليل السلطة السياسية للعسكر بقيادة الفريق عبود. ولكن ذلك لم يمنع تكوين جبهة الأحزاب، بمشاركة حزب الأمة، بل بقيادة السيد الصديق المهدي.
• قاد حزب الأمة بالتعاون مع الحزب الاتحادي الديمقراطي حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية. وتفجرت حملة شعواء ضد الحزب الشيوعي والفكر الماركسي. رغم كل ذلك العداء الشديد، تحالف الحزب الشيوعي مع حزبي الأمة والاتحادي في تكوين التجمع الوطني في انتفاضة مارس أبريل المجيدة.
• دعم الحزب الشيوعي انقلابي مايو 1969 ويوليو 1971، رغم اختلاف الآراء حول هل خطط للانقلابين أم دعمهما بعد حدوثهما، لكن النقطة الأساسية التي أود التركيز عليها، هي، رغم القمع الذي تم للحزبين التقليدين، ومنعهما من العمل السياسي، الا انهما تحالفا مع الحزب الشيوعي في الانتفاضة ضد حكم نميري.
• لم يشارك الحزب الشيوعي في ضرب الجزيرة أبا أو ود نوباوي سنة 1970، الا انه يتحمل جزء من المسئولية كحليف للنظام آنذاك. ولم يمنع ذلك الأحزاب من التحالف، مستقبل، مع الحزب الشيوعي.
• قامت حكومة الصادق المهدي، خلال الديمقراطية الثالثة، برفع أسعار السكر، مما ادي لانتفاضة قوية شملت اضراب عام ومظاهرات، أرغمت الحكومة على التراجع. وكان رأي بعض النقابيين الاستمرار في الاضراب حتى اسقاط الحكومة. وكان رد محمد إبراهيم نقد قويا وحاسما، برفض ذلك الموقف اليساري، وأوضح لهم بعبارات واضحة بان اسقاط الحكومة هو تسليم السلطة للعسكر.
• أي أخطاء ترتكب من أي طرف من أطراف العملية السياسية، ليست نهاية التاريخ، وتتعلم القوى السياسية من اخطائها، الجماعية أو الفردية. أهم مبدأ هو التعلم من تلك الدروس، وعدم تكرارها.
لا أجد أفضل من خاتمة، لهذا المقال، ما ورد، في دورة اللجنة للحزب الشيوعي السوداني، التي انعقدت، بعد أيام، من انتصار انتفاضة مارس أبريل المجيدة. وتحمل هذه الكلمات دروسا مهمة، في فهمنا، لقضايا التحالفات ومشاكلها، ومواقف أطرافها.
جاء في دورة اللجنة المركزية، أبريل 1985، حول تقييم الانتفاضة ما يلي:
” المصاعب والمشاكل التي أحاطت باستكمال وحدة المعارضة قبل الانتفاضة، تواجهنا في اشكال جديدة في قصور فعالية التجمع في التعبير عن تطلعات الجماهير. وهي مصاعب ومشاكل ناتجة عن تعدد وتباين مصالح الأحزاب والطبقات والفئات التي تخدم مصالحها. وبالتالي تباين حماس هذا الحزب أو ذاك لهذه القضية أو تلك من قضايا الساعة. وتباين الأهداف والتصورات للمستقبل، وللديمقراطية، وللتطور الاقتصادي، والاجتماعي. لم نخدع أنفسنا، لا قبل الانتفاضة ولا بعدها، حول حجم تلك المصاعب والمشاكل المحيطة بالعمل في الجبهات الواسعة. ولهذا لم ينقطع نشاطنا لحظة واحدة لتكوينها، ثم الدفاع عن بقائها وتماسكها وفعاليتها بعد ان تكونت. وهذا يمثل أحد الضمانات الفكرية والسياسية التي تحمي كادرنا وأعضاء حزبنا من انحرافات مثقفي البرجوازية الصغيرة، مثل ضيق الصدر والزهج من تعقيدات عمل الجبهات الواسعة واليأس عند اول عقبة وأزمة والهروب من المصاعب بالدعوة للعمل المنفرد أو الحلقي الضيق.”
هناك حجج أخري سأناقشها تباعا، في المقالات القادمة.
siddigelzailaee@gmail.com
