دلالات دخول حرب السودان الكونغرس الأمريكي …… ومفهوم “التدويل التشريعي”
khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
منذ أن انطلقت الحرب السودانية في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣، لم يكن الخراب مجرد نتيجة جانبية لصراعٍ على السلطة؛ بل كان بداية انهيارٍ تدريجي لفكرة الدولة نفسها. فالحروب التقليدية، مهما كانت قاسية، تظل في حدود الجغرافيا العسكرية؛ أما حين تبدأ الدولة في التآكل من الداخل، ويتحوّل المجتمع إلى خرائط خوف ونزوح وجوع وكراهية، فإن الأمر يغادر تعريف “الحرب” إلى تعريف آخر أكثر رعبًا؛ الانهيار التاريخي. لقد دخل السودان هذه المرحلة مبككرًا، لكن كثيرين لم يريدوا الاعتراف بذلك. كانت المدن تسقط نفسيًا قبل أن تسقط عسكريًا؛ وكانت اللغة العامة نفسها تتشظى تحت ضغط التعبئة والتحريض والتخوين. تحوّل الإعلام إلى سلاح، وتحولت السياسة إلى غريزة بقاء، وتحولت حياة ملايين البشر إلى مجرد أرقام في نشرات الأمم المتحدة. وبينما كانت النخب تتصارع حول “من انتصر ومن انهزم”، كانت الدولة السودانية نفسها تنزف ببطء شديد، كجسدٍ فقد القدرة على وقف نزيفه الداخلي. خلال هذه السنوات، لم تعد القضية السودانية مجرد شأن داخلي. فمع اتساع رقعة الحرب، وانهيار الاقتصاد، وتعطل المؤسسات، وانفجار موجات النزوح واللجوء، بدأت الخرائط الإقليمية والدولية تنظر إلى السودان باعتباره قنبلة جيوسياسية مفتوحة في قلب أفريقيا والبحر الأحمر. ولم يكن ذلك بسبب العاطفة الإنسانية وحدها؛ فالدول الكبرى لا تتحرك بدافع الرحمة فقط، بل تتحرك حين تشعر أن الفوضى بدأت تقترب من مصالحها الاستراتيجية. السودان يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؛ يقع بين القرن الأفريقي والساحل والصحراء؛ يجاور ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا ومصر؛ ويتقاطع داخله النفوذ الأمريكي والروسي والإيراني والخليجي والأفريقي. ولذلك، فإن انهياره الكامل لم يعد يُقرأ كأزمة سودانية، بل كتهديد إقليمي ودولي واسع النطاق.ومع مرور الوقت، بدأت واشنطن تغيّر لغتها تجاه الحرب.
في البداية، كان الخطاب الأمريكي أقرب إلى لغة “الدعوة إلى وقف إطلاق النار” و”القلق الإنساني”. ثم بدأت العقوبات الفردية. ثم جاءت التقارير المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الواسعة والمجاعة والانهيار الإنساني. ثم تصاعد الحديث داخل مراكز التفكير الأمريكية عن خطر تحوّل السودان إلى مساحة فراغ أمني مفتوح، يمكن أن تتسلل عبره الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير الشرعية والتنافس الدولي الحاد. ثم جاءت لحظة أكثر خطورة؛ انتقال الملف من الإدارات التنفيذية والدبلوماسية إلى المؤسسة التشريعية الأمريكية نفسها. وهنا تحديدًا تبدأ القصة الحقيقية. لأن الكونغرس الأمريكي لا يتحرك عادةً بهذه القوة إلا عندما تشعر النخبة الأمريكية بأن الأزمة لم تعد حادثًا عابرًا، بل ملفًا استراتيجيًا طويل الأمد يحتاج إلى “إطار قانوني دائم”. وهذا ما يجعل مشروع قانون السودان الأخير داخل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي تطورًا بالغ الدلالة، لا مجرد خبر سياسي عابر. فالمشروع، الذي حظي بدعم واسع داخل اللجنة، لا يتعامل مع السودان كملف إنساني فقط، بل كقضية أمن قومي، واستقرار إقليمي، ومحاسبة دولية، وإعادة صياغة للعلاقة الأمريكية مع أطراف الحرب وشبكات الدعم الإقليمية المرتبطة بها.
وهنا يجب التوقف طويلًا. فالفرق كبير بين أن تصدر وزارة الخارجية بيان إدانة، وبين أن يبدأ الكونغرس في بناء قانون شامل يتعلق بالسودان. البيانات الدبلوماسية يمكن أن تتبدل بتبدل الإدارات والمصالح والظروف؛ أما القوانين، فهي جزء من البنية المؤسسية الأمريكية نفسها، وتتحول لاحقًا إلى أدوات ضغط طويلة الأجل، مالية وسياسية واستخباراتية واقتصادية.
ومن يقرأ المزاج السياسي الأمريكي خلال الشهور الأخيرة، يدرك أن السودان بدأ يدخل تدريجيًا إلى المنطقة التي دخلتها دول أخرى قبل سنوات؛ المنطقة التي يُعاد فيها تعريف الأزمة من “نزاع داخلي” إلى “تهديد للاستقرار للاستقرار الدولي”. فلقد تراكمت أمام واشنطن مشاهد يصعب تجاهلها؛ مدن مدمرة؛ ملايين النازحين؛ تقارير المجاعة؛ اتهامات جرائم الحرب؛ الانهيار الصحي؛ استهداف البنية التحتية؛ تصاعد خطاب الكراهية؛ وتحوّل السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح. كل ذلك خلق قناعة متزايدة داخل المؤسسة الأمريكية بأن سياسة “الإدارة بالأزمات” لم تعد كافية. ومن هنا يمكن فهم مشروع القانون الجديد؛ إنه ليس مجرد محاولة لوقف الحرب؛ بل محاولة لإعادة هندسة البيئة السياسية المحيطة بها. فالمشروع يتحدث عن العقوبات، وعن مراقبة تدفقات السلاح، وعن مساءلة الأطراف المتورطة، وعن تعزيز دور المبعوث الأمريكي، وعن بناء استراتيجية أمريكية شاملة تجاه السودان، وعن مراقبة الشبكات الإقليمية التي تغذي الصراع. وهذه ليست لغة “وسيط محايد” فقط؛ بل لغة دولة عظمى بدأت تنظر إلى الحرب باعتبارها ملفًا استراتيجيًا متشابكًا مع أمن البحر الأحمر، والتنافس الدولي في أفريقيا، وموجات الهجرة، والاستقرار الإقليمي.
هذا التحول وحده كافٍ لفهم خطورة اللحظة. الأخطر من ذلك، أن السودان لم يعد يُناقش داخل بعض الدوائر الغربية بوصفه دولة تمر بحرب مؤقتة، بل بوصفه نموذجًا لاحتمال انهيار طويل الأمد، شبيه بما حدث في دول أخرى تحولت لاحقًا إلى ساحات تدخلات دولية وعقوبات معقدة وعزلة ممتدة. وهنا تكمن المأساة الكبرى. فالسودانيون، المنهكون أصلًا بالحرب والفقر والنزوح والانقسام، قد لا يدركون أن العالم بدأ يتعامل مع بلادهم باعتبارها “ملف أزمة مزمنة”، لا دولة قابلة للاستقرار السريع. وهذه النقطة تحديدًا يجب أن تُقرأ بعقل بارد، لا بعاطفة أو شعارات. أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس فقط الحرب؛ بل أن يفقد العالم ثقته في إمكانية خروجه السريع من الحرب. وهذا ما يبدو أن السودان يقترب منه الآن. إن تصويت لجنة الشؤون الخارجية بهذا الزخم لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ذاهبة غدًا إلى تدخل مباشر؛ لكنه يعني أن واشنطن بدأت تجهز نفسها لمرحلة أطول وأكثر صرامة في التعامل مع الملف السوداني. وهذا قد يقود إلى سلسلة طويلة من التطورات عقوبات أوسع؛ حصار مالي غير معلن؛ تجفيف شبكات التمويل؛ ملاحقات قانونية؛ تصنيفات إرهابية اخرى محتملة؛ ضغوط على الحلفاء الإقليميين؛ ومراقبة استخباراتية أعمق لكل ما يتعلق بالحرب السودانية.
وفي عالم اليوم، قد تكون هذه الأدوات أخطر من الجيوش نفسها. لقد دخل السودان، للأسف، مرحلة أصبحت فيها الحرب تُدار ليس فقط بالبندقية، بل بالقانون الدولي، والعقوبات، والاقتصاد، والإعلام، واللوبيات، ومراكز التفكير، والمؤسسات التشريعية العالمية. وحين تصل دولة إلى هذه المرحلة، فإن السؤال لم يعد فقط؛ من ينتصر عسكريًا؟ بل؛ ماذا سيتبقى من الدولة نفسها بعد كل هذا الخراب؟ ذلك أن الأمم لا تنهار فجأة؛ بل تنهار حين يتحول النزيف إلى وضع طبيعي، وحين يصبح الموت خبرًا يوميًا، وحين تعجز السياسة عن إنتاج أفق، وحين يبدأ العالم في كتابة القوانين الخاصة بك أكثر مما تكتب أنت مصيرك بنفسك. وهذا، بكل أسف، هو المكان الذي يقف عنده السودان البوم.
والتاريخ يقول إن مثل هذه القوانين لا تأتي منفصلة؛ بل تفتح الباب تدريجيًا أمام منظومة كاملة من الإجراءات المتراكمة. تبدأ بالعقوبات الفردية، ثم تتوسع إلى الشبكات المالية، ثم إلى المؤسسات والشركات والواجهات الاقتصادية، ثم إلى ملاحقة الوسطاء الإقليميين، ثم إلى تضييق الحركة الدبلوماسية، ثم إلى إعادة تصنيف القوى الفاعلة داخل النزاع وفق مقاربات الإرهاب وجرائم الحرب والتهديد الإقليمي. وهنا تحديدًا تبدأ المرحلة الأخطر على السودان. لأن البلاد المنهكة أصلًا بالحرب والانهيار الاقتصادي قد تجد نفسها قريبًا أمام حصار سياسي ومالي غير معلن، حتى لو لم يُستخدم هذا التعبير رسميًا. فالبنوك الدولية بطبيعتها تخاف من البيئات المعرضة للعقوبات؛ والشركات تهرب من الدول عالية المخاطر؛ والمؤسسات الاستثمارية لا تنتظر صدور القرار النهائي حتى تنسحب، بل تبدأ بالابتعاد بمجرد ظهور مؤشرات التشدد داخل الكونغرس الأمريكي.
ومع الوقت، قد تتحول الحرب السودانية إلى ملف مشابه لملفات أخرى في العالم، حيث تصبح الدولة نفسها محاطة بشبكات من القيود الاقتصادية والرقابية والأمنية، حتى دون إعلان حصار رسمي. الأخطر من ذلك أن هذه التطورات قد تدفع المجتمع الدولي لاحقًا إلى توسيع مفهوم “المسؤولية عن الحرب” ليشمل ليس فقط من يحمل السلاح، بل أيضًا من يمول، ومن يحرّض، ومن يسهّل، ومن يغطي إعلاميًا، ومن يعرقل جهود التسوية. وهذه نقطة شديدة الحساسية، لأن كثيرًا من الفاعلين الذين اعتادوا التعامل مع الحرب كصراع داخلي قد يكتشفون لاحقًا أن العالم يعيد تعريف أدوارهم بطريقة مختلفة تمامًا.
ثم هناك بُعد آخر أكثر عمقًا وخطورة؛ وهو أن السودان قد يتحول تدريجيًا من “أولوية سياسية” إلى “قضية إدارة أزمة مزمنة”. وعندما تصل الدول إلى هذه المرحلة، يصبح العالم أقل اهتمامًا بحل جذور المشكلة، وأكثر اهتمامًا بمنع تمدد آثارها فقط؛ منع تدفق اللاجئين، حماية الملاحة، منع الإرهاب، احتواء المجاعة، مراقبة الحدود، وإدارة الفوضى بأقل الخسائر الممكنة. وهذا تحول كارثي لأي دولة. لأن الأمم التي تُدار كملفات أمنية وإنسانية فقط، تفقد مع الوقت موقعها الطبيعي كدول كاملة السيادة والفاعلية.
وفي المقابل، فإن كل ذلك قد يفتح أيضًا الباب أمام واقع سياسي جديد داخل السودان نفسه. فتصاعد الضغوط الدولية قد يدفع بعض القوى إلى إعادة حساباتها، وقد يسرّع من تفكك التحالفات العسكرية والسياسية الهشة، وقد يخلق مساحات جديدة للقوى المدنية، أو على العكس قد يدفع بعض الأطراف إلى مزيد من التشدد والتصعيد والشعور بالمحاصرة. لكن المؤكد أن السودان بعد هذه الخطوة لن يكون كما قبلها.
فيما لا شك فيه، بهذه الخطوة، ان الحرب السودانية قد دخلت الآن مرحلة “التدويل التشريعي”، وهذه مرحلة تختلف تمامًا عن الوساطات التقليدية أو المؤتمرات الدبلوماسية. فالقوانين الأمريكية، حين تبدأ، لا تتحرك بمنطق اللحظة، بل بمنطق التراكم طويل الأمد. وقد تستغرق سنوات، لكنها تترك آثارًا عميقة على الاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية وحتى على صورة الدولة نفسها في النظام الدولي. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط؛ هل سيتقدم هذا المشروع أم لا؟ بل أصبح السؤال الأعمق والأكثر إيلامًا؛ كيف وصل السودان أصلًا إلى اللحظة التي يناقش فيها العالم مستقبله داخل قاعات العقوبات والمحاسبة والانهيار، بينما يواصل أبناؤه التقاتل فوق أنقاض وطنٍ كان يمكن أن يكون واحدًا من أعظم بلدان أفريقيا والعالم العربي ذلك هو جوهر المأساة السودانية الحقيقية.
khirawi@hotmail.com
