الديمقراطية التوافقية ودور وطني ديمقراطي للجيش
د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
تمهيد:هناك العديد من المواقف من دور الجيش في الحياة السياسية:
أولا: موقف إطلاق دور الجيش وإلغاء الديمقراطية:مضمون هذا الموقف إطلاق دور الجيش في الحياة السياسية، وهو ما يؤدي – فعليًا وبصرف النظر عن الشعارات التي ترفعها الأنظمة السياسية “العسكرية” التي تتبنى هذا الموقف – إلى إلغاء الديمقراطية. ويستند معرفيًا إلى موقف القبول المطلق لهذا الدور.
نقد الموقف:
- هذا الموقف يتعارض مع الديمقراطية.
- وهو موقف يستند إلى تصور خاطئ مضمونه أن مشكلة التطور الاجتماعي هي مشكلة تتعلق بالتخلف الاقتصادي فقط، وبالتالي فإن حلها يكون بالتنمية الاقتصادية فقط، في حين أن الحل الصحيح لهذه المشكلة يقوم على اعتبار أن مشكلة التطور الاجتماعي لا تتعلق بالتخلف الاقتصادي فقط، بل بالتخلف السياسي “الديمقراطي” أيضًا. وبالتالي فإن حلها يكون بتحرير الإنسان من القهر الاقتصادي والسياسي معًا، بالتنمية الاقتصادية والديمقراطية السياسية.
- كما أن تبني أي نظام سياسي لهذا الموقف يؤدي إلى تضخم فئة – أو شريحة – اجتماعية ضارة يمكن أن نطلق عليها اسم فئة دعاة “الدولة داخل الدولة”. وتضم هذه الفئة بعض قيادات المؤسسات الحكومية، خاصة المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية والشرطية، الذين تم تعيينهم أو ترقيتهم طبقًا لمعيار الولاء لا الكفاءة. وهؤلاء يوهمون بعض أركان النظام السياسي بأن الحفاظ عليه واستمراره مرهون بتحويل مؤسساتهم إلى دولة داخل الدولة أو فوقها، في حين أن ممارساتهم السالبة هي في الواقع أحد الأسباب التي قد تعجل بنهاية هذا النظام. وهم بذلك يهدفون إلى الحصول على امتيازات ضخمة لا يحصل عليها باقي المنتسبين إلى هذه المؤسسات، خاصة من هم في المراتب الدنيا من هيكلها الوظيفي.
لذلك يجب تطهير – وليس حل – هذه المؤسسات من هذه الشريحة الضارة بهذه المؤسسات ذاتها وبمجتمعها، وإرجاعها إلى طبيعتها كجزء فاعل من الدولة مع غيرها من مؤسساتها. - كما أن موقف القبول المطلق – الذي يستند إليه هذا الموقف معرفيًا – هو من خصائص التفكير الأسطوري.
ثانيا: موقف إلغاء دور الجيش وتكريس الفوضى:مضمون هذا الموقف إلغاء دور الجيش في الحياة السياسية، ويستند إلى الصيغة الليبرالية للديمقراطية في مستواها النظري، اتساقًا مع سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية في هذه الصيغة.
نقد الموقف:
- الصيغة الليبرالية للديمقراطية ليست الصيغة الوحيدة لها.
- كما أن التجارب الديمقراطية في المجتمعات الغربية الليبرالية ذاتها تجاوزت هذه الصيغة إلى صيغة أخرى هي الديمقراطية التوافقية، وهي صيغة تسمح للأقليات الثابتة – كالأقليات الدينية والعرقية والنساء – بدور سياسي فاعل لم يكن ممكنًا في ظل الصيغة الليبرالية التقليدية.
- كما أن الأنظمة السياسية الديمقراطية في هذه المجتمعات الغربية الليبرالية تسمح – على المستوى العملي – بدور فاعل للمؤسسات العسكرية كالجيوش وأجهزة المخابرات، سواء كان دورًا معلنًا كما في سياستها الخارجية تجاه الدول النامية (مثل القواعد العسكرية الخارجية والتدخلات العسكرية والعمليات الاستخباراتية العلنية أو السرية)، أو دورًا سريًا في سياستها الداخلية، كالتدخلات الاستخباراتية في بعض الشؤون الداخلية.
- كما أن هذه الأنظمة الديمقراطية الغربية نفسها دعمت – ولا تزال تدعم – أنظمة سياسية عسكرية استبدادية في الدول النامية، وقفت ولا تزال تقف ضد الإرادة الشعبية لشعوب هذه الدول وسعيها لتحقيق الديمقراطية، حفاظًا على مصالحها.
- كما أن أنصار هذا الموقف لا يترددون في الالتجاء إلى الجيش أو التحالف مع الأنظمة السياسية العسكرية في مواجهة خصومهم الأيديولوجيين أو السياسيين.
- وكثير من أنصار هذا الموقف يتبنون دعوات مشبوهة لحل – وليس إصلاح – المؤسسات الأمنية، متجاهلين حقيقة أن وجودها ضروري لحماية المجتمعات من العدوان الخارجي والداخلي، وأنه لا يخلو أي مجتمع منها، بما في ذلك أرقى المجتمعات الديمقراطية.
- كما أن هذا الموقف يتجاهل اختلاف واقع المجتمعات النامية عن المجتمعات الغربية، إذ تعاني هذه المجتمعات من مشكلة التخلف السياسي “الديمقراطي”، التي مضمونها ضعف أو انعدام التقاليد الديمقراطية نتيجة لأسباب متعددة، فضلاً عن معوقات أخرى للديمقراطية مثل شيوع الأمية، والمربع المخرب: الفقر والجهل والمرض والبطالة.
- كما يتجاهل حقيقة أن الصيغة الليبرالية للديمقراطية، وإن كانت تحرر الشعب – نظريًا – من استبداد الحاكمين، فإنها لا تضمن فعليًا عدم استبداد الرأسماليين به، لأن النظام الرأسمالي هو النظام الليبرالي في الاقتصاد (د. عصمت سيف الدولة، النظرية، ج2، ص 197–198).
- وقد يؤدي هذا الموقف إلى الفوضى نتيجة لأسباب عديدة، منها ضعف مؤسسات الدولة، وشيوع القبلية والطائفية، وتدني الوعي السياسي، وضعف مؤسسات المجتمع المدني.
- كما أن موقف الرفض المطلق – الذي يستند إليه هذا الموقف معرفيًا – هو أيضًا من خصائص التفكير الأسطوري، رغم ادعاء أنصاره العقلانية والاستنارة.
ثالثا: موقف التوافق: “الديمقراطية التوافقية ودور وطني ديمقراطي للجيش”
- يرفض هذا الموقف موقفي الإطلاق والإلغاء، والأساس المعرفي الذي يستندان إليه (القبول أو الرفض المطلقين)، ويرى ضرورة تجاوزهما إلى موقف التوافق.
- ويستند هذا الموقف سياسيًا إلى صيغة واقعية عملية للديمقراطية هي الديمقراطية التوافقية – التي أقرتها أرقى المجتمعات الديمقراطية كما أشرنا سابقًا – كما يستند معرفيًا إلى الموقف التقويمي النقدي، الذي مضمونه القبول أو الرفض المقيدان (المشروطان)، وهو الموقف المعرفي الذي يتسق مع التفكير العقلاني.
- ويرى هذا الموقف أن المشكلة لا تتصل بوجود هذا الدور بقدر ما تتصل بحدوده.
- فدور الجيش في الحياة السياسية قد يتعارض مع الديمقراطية أو يتوافق معها؛ فهو يتعارض معها إذا أدى إلى إلغائها، كما في موقف الإطلاق.
- كما يمكن أن يتفق هذا الدور مع الديمقراطية من خلال الجمع بين معياري الأغلبية والتوافق، وذلك بالالتزام بصيغة الديمقراطية التوافقية، عبر التوافق على صيغة للحكم تجمع بين حكم الأغلبية وإقرار دور فاعل لكافة مكونات المجتمع: الاجتماعية (ومن ضمنها المرأة والشباب وذوو الاحتياجات الخاصة)، والدينية (الأقليات الدينية)، والعرقية (الأقليات العرقية)، والتقليدية (كالقبائل والطوائف والطرق الصوفية)، والوظيفية (ومن ضمنها الجيش)، مع حفظ حقوق هذه المكونات على المستوى الدستوري.
- ويشترط لنجاح الديمقراطية التوافقية أن تعبر عن الإرادة الشعبية دون تزييف، وأن يتم اختيار هذه المكونات بصورة ديمقراطية…
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم