أقرب إلى القلب:
jamalim@yahoo.com
( 1 )
إذا أدانت رابطة السفراء وشجبتْ، ذلك العدوان الذي وقع على هجليج، كان عليها أن تكمل مقالها بإسداء النصح لا التزام الصمت والاكتفاء برفع التهنئات، فيما يجري في الساحة السياسية، كلام يُحي العصبيات ويُعلي من دويّ الرصاص وقعقعة السيوف والخناجر. نسمع أصوات المجاهدين تهدر ولا تثريب، ولكن لا نسمع للدبلوماسية إلا همهمة ً خجولة ، لكأنّ السَّاعة هيَ للحرب ولطبولها، وعلى الدبلوماسية أن تنزوي بعيدا. العاقل يعرف أن القتال وإن كتب عليكم فهو كره لكم، وإنه لتكتيك ينظر إليه كـ”تفاوض دموي” إن جاز القول، ويمهّد حتماً إلى تحقيق السلام وزرع الطمأنينة. لا يسع المرؤ أن يلغي لغة الحوار ولغة التفاوض، إلا إنْ أسرَهُ الحمق فيكفّ أذنيه عن السّمع، أو إن استاثره الجهلُ فأعمتْ عينيه حقائقُ الحياة. لا يمكن أن يكون الموت مطلباً بل الحياة هي أول مطلب، وهي دار اختبار لا دار بقاء، يُسأل بعدها المرء عن عمره فيما أفناه، وعلمه فيما فعل به، وماله فيما أنفقه ، وجسمه فيما أبلاه، كما جاء في الحديث الشريف. هذه الأمور البديهية ، يستحضرها العاقل ، لا الغافل.
تردّدتُ وأنا أقرأ تهنئة من رابطة سفراء السودان في الصحف، للنصر الذي أحرز في هجليج ، إذ خطر لي أنّ المطلوب من رابطة سفراء السودان، بل ومن غيرها من مراكز البحث والدراسات السياسية، ما هو أكثر من تلك التهنئة وذلك الشجب. أعلم وأنا عضو فيها، أنّ الرابطة – وهيَ تستبطن الدبلوماسية في كل نشاطاتها وأعمالها وحراكها- تسترشد بأهدافها الأساسية، وتستخرج من أضابيرها المثقلة بتجارب ثرية عبر مسيرتها الطويلة. إنّ مسيرة السفراء فيها، منذ استقلال البلاد عام 1956، لقادرة على صياغة البدائل بالحكمة المرتجاة وبالفطنة المعهودة. كنت أتابع من موقعي في سفارة السودان في لندن في تلك السنوات التي أُعدّ فيها التآمر على العراق وقبل الإجهاز عليه، وكيف شدّ حبل تهمة امتلاك أسلحة الدمار الشامل على عنق نظام العراق، فرأيت رابطة السفراء البريطانيين المتقاعدين ينخرطون في حملة نظمّوها عبر المواقع الالكترونية، فضحاً للمؤامرة وحاصروا عبرها رئيس الوزراء توني بلير حصاراً محكما، غير أنّهُ انجرّ وراء بوش الإبن بلا هوادة.
حريٌّ بالرابطة أن تقرأ ما لا يبين جلياً بينَ السطور، وأن ترى بعينِ زرقاء اليمامة ما استخفى وراء الأكمة، ولها أن تستلهم تبعاً لذلك، حقائق المهنة الدبلوماسية، وطبيعة دورها في مثل هذه الظروف الدقيقة، فتقدم العقل على العاطفة، وتُحيي شعيرة التفاوض في أحلك ساعات القتال، وتمسك بشعرة معاوية فلا تنقطع في تمرين الشدّ والجذب، خياراً يأتي قبل كل الخيارات الأخرى، وبديلاً يسبق كل البدائل الأخرى. أعجبني مقال للدكتور غازي العتباني، عن الحرب ومقوماتها، فسمعته وهو ينظر في أمر هجليج، يُحدّث عن مرجع أصيل في أسس الحرب هو كتاب “فن الحرب” للفيلسوف الصيني سون تزو. ما أكثر حاجتنا لسياسيين يُعملون الفكر ويراجعون التاريخ، ثم يدلفون لاقتراح الخيارات والبدائل والسيناريوهات. أوكلتْ للعتباني مهمة صياغة استراتيجية التعامل مع دولة الجنوب، وذلك تكليف قد لا يعكف عليه بحذق العارف ، إلا هوَ .
( 2 )
نرفع شعارات العقيدة فوق الأسِنّة، ولكنّ الرماح والسيوف لا تقطع إلا برجحان عقل عميق ، وإعمال بصر ثاقب، وَتحلٍّ بحكمةٍ لازمة. يفوت علينا ونحن في غِمار الملمات، أن نتذكر كيف أجاز الرسول صلوات الله عليه، لمن دخل بيت أبي سفيان أن يجد الأمن والطمأنينة والسلام ، فيما الحرب دائرة الرّحى وفي أحلك ساعاتها مع كفار قريش. ما أوقع هذه الدروس التي تعلمناها في يفاعتنا في مراحل التعليم الأولى، وهي الأجدر بالإعتماد والأحقّ بالاستهداء، إن توخّينا سبلاً تعيننا على صياغة معايير المواطنة، وصون علاقات الأخوّة فيما بيننا، ونحن قوم توطنّا على تنوّع ثقافاتنا وسحناتنا وعقائدنا ولغاتنا ولهجاتنا، ليسَ على مستوى الولاية الكبيرة، أو المعتمدية المتوسطة، أو القرية الصغرى ، بل حتى على مستوى الأسرة في شكلها الجنيني. نحن مجتمع تعددي وعلينا استبصار الايجابي في كل وقائع تاريخنا البعيد والقريب. الذي أنجزه دينق ماجوك سلطان “أبيي”، وهو يذرع الطريق بجلبابه الفضفاض، معتمراً عمامة بيضاء فوق هامته العالية، قاصداً مجلس بابو نمر كبير قبيلة المسيرية، لن يذهب هباءا تذروه رياح التآمر أو الخنوع لانخداعٍ يتولاه قومٌ تسللوا بيننا بأجندات دخيلة. مِن صُلْبِ السّلطان دينق ماجوك، أبناء مسيحيون وآخرون مسلمون. السفير والوزير والأكاديمي المفكرالدكتور فرانسيس دينق أحد هؤلاء.
( 3 )
لعله من باب إسداء النّصح، بروح المسئولية لا بروح الإستعلاء، أن تسعى الدبلوماسية لتذكير من يملكون إصدار القرار السياسي، بأنّ من الضروري وفي هذا الظرف الصعب، أن نعمل على تفعيل وتنشيط مؤسسات الدولة المعنية بجوانب الأزمة، بعد أن انجلت عجاجة المعارك. ولعلّ جهاز دبلوماسية الدولة هو أوّل هذه الأجهزة التي ينتظر أن تضطلع بدورها، تعبيراً عن الرأي القانوني والسياسي، واقتراح السُّبل المُثلى للمعالجات الدبلوماسية لكافة متعلقات الأزمة وملفاتها الخلافية التي استفحلت بين الدولتين، إثر إحتلال دولة السودان الجنوبي لهجليج، واستعادة الخرطوم لها . لقد شكلتْ الحكومة، وبعد إندلاع القتال حول هجليج، لجنة عليا لوضع سياسة للتعامل الاستراتيجي مع دولة جنوب السودان. وبرغم أن ذلك الإجراء جاء متأخراً، وكان يتوجب الإلتفات إليه بعد ظهور نتيجة الإستفتاء في فبراير 2011، لكن لا ضير إنْ تداعت الأجهزة المعنية لاقتراح السياسات العليا للدولة، وإن كانت في الوقت بدل الضائع، وأن تعمل على تفعيل مؤسساتها، وشحذ هـمم مراكز الدراسات وخزانات التدارس، للعمل على بلورة وصياغة السيناريوهات والبدائل المتاحة، وفق استراتيجية شاملة للتعامل مع دولة السودان الجنوبي، باستصحاب مقررات سياسة السودان الخارجية وثوابتها، خاصة تلك المتعلقة بالالتزامات الواردة في مواثيق الأمم المتحدة ومواثيق المنظمات الإقليمية الأخرى التي كانت دولة السودان بشكلها القديم عضواً فيها، قبل الإستفتاء الذي أسفر عن قيام دولة مستقلة في جنوب السودان في يوليو 2011.
أرى أنّ رابطة سفراء السودان، وهي الرابطة التي تضم نفراً من السفراء المتقاعدين ممن أوتوا من الخبرات التي تراكمت عبر عمل دبلوماسي طويل، وحكمة رسختْ بعد تجارب عاصرتْ ما مرّ بالسودان من أزمات في العقود الخمسة الأخيرة ، بمقدورها أن تقدم عوناً لا يستهان به لانجاز ما هو مناط بلجنة وضع سياسة التعامل مع الدولة الناشئة في جنوب السودان. ليس بالضرورة أن تنتظر الرابطة وغيرها من مراكز البحث والدراسات، طلباً من اللجنة المشار إليها يسألها العون، بل عليها وعلى هذه المراكز، أن تبادر بطرح مقترحات وخيارات متاحة على المستويين القريب والبعيد، تتضمن أفكاراً تعين على ضبط التعامل بين الدولتين، وظنّي أنّ الأمر يصاغ بعد قراءة الواقع الأمني والسياسي والإقتصادي، على خلفية الالتزامات الواردة بالمواثيق الدولية وأدبيات وثوابت ومرتكزات سياسة البلاد الخارجية.
( 4 )
لن تكون حكومة الخرطوم، ولا ينبغي لها أن تكون، في مثل انفعال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن، حين وقعت أحداث 11 سبتمبر2001. يتذكر كثيرون كيفَ صُعقَ الرئيس فصرخ من هلعٍ، والإعلام حوله : مَن ليس في معسكرنا فهو ضدنا ! لكن سرعان ما استعادتْ الإدارة الأمريكية تماسكها ووعيها ووعي مؤسساتها التي أخذتْ على حين غرّة بغزوة بن لادن تلك، ورتبتْ أمرها تحت قيادة رجال من تيار “المحافظيـن الجـدد” من الجمهوريين الحاكمين، فأمسكت الدبلوماسية الأمريكية بزمام الأمور بعد ذلك. لن يكون في الانفعال محمدة. لا ولن تكون وراءه منفعة.
برغم فداحة ما حدث في هجليج، لكن على الحكومة واجب الإمساك بقياد الحكمة، وإفساح مساحاتٍ واسعةٍ للتدبّر، إذ لا يجب الركون إلى السلاح وحده، بل أن نرى في القتال تمهيداً للحوار، وبداية لترسيخ أسس المسيرة إلى السلام والأمن. لا أجزع إذ أسمع أن وزير الخارجية – وله من الخبرة العسكرية غير الرسمية ما نعرف – يصدح بضرورة إحياء شعيرة الحوار، والعودة الأبيّة إلى طاولة التفاوض لبحث ضمانات الأمن أولاً، وأنّ الأوان أوان الدبلوماسية ولا بدّ أن يكون لوزارة الخارجية دورها المأمول الآن. على بقية مؤسسات الدولة والكيانات الفاعلة، أن تمسك بملفاتها، وأن تُحي بقوة دورها في هذا الظرف الصعب. لا ينبغي أن نبلور مواقفنا السياسية في منابر الخطابة الجماهيرية، أوعبر أبواق الإعلام العالية الحماس، أو في ساحات التعبئة الانفعالية المشحونة بالعواطف، بل الأوفق أن تضطلع المؤسسات بأدوارها المُعقلنة، وأنّ الدولة الراشدة هي التي تنقاد لمؤسساتها، تنصت لأصوات الحكمة، لا أن تقود هي مؤسساتها، أو تقطرها خلفها شاحنات خاوية على عروشها . “القائد العسكري” في قول مأثور لفيلسوف الصين سون تزو، يتلقى التوجيهات من “الحاكم المدني”. إن الإختبار الحقيقي لمؤسسات الدولة، هو في تفاعلها الذكي مع الأحداث، وإمساكها المُحكم بمجريات الأمور. لا ينبغي أن نستهين بمقومات الحكم الرشيد ونحن في مسيرة بناء طويلة، لوطنٍ تكالبت عليه الإحن والمحن والأزمات.
( 5 )
في الجانب المتصل بالملفات العالقة بين الدولتين، على الدبلوماسية أن تبصر أولوياتها، وعلى رابطة سفراء السودان – بيت الحكمة الدبلوماسية – أن تعين مع مراكز الدراسات الأخرى، أولي الأمر فيها ، بعيداً عن الانفعال، بقصد معالجة هذه الملفات الخلافية العالقة، أو تلك التي استغلقتْ على المفاوضين من البلدين، ومنها ما هو أشدَّ تعليقاً وأحكم استغلاقاً، بالقدر الذي يستدعي المعالجة الحاسمة والإنتباه الباكر، حتى لا تنجرف الأزمة، وتنفلق إلى سلسلة من الأزمات يصعب التحكم في متوالياتها الهندسية.
مع كامل التقدير لبذل وزارة الخارجية بسفرائها ودبلوماسييها إبان هذه الأزمة، فقد كنتُ أتوق لأرى رابطة السفراء السودانيين تبدي الرأي الصالح لمساعدة الدبلوماسية السودانية، وتقترح المبادرات في معالجة عدد من الملفات، مما هو متعلق بتداعيات القتال الأخير، وأشير سريعاً إلى بعضها أدناه:
* سيكون الملف الأمني أول الملفات العالقة، وأن على الطرفين أن يعيدا الروح إلى الاتفاق السابق بوقف العدائيات، وذلك لن يتأتى إلا بجهد الوسطاء ورعاة اتفاق السلام الشامل، وأن تراعى اشتراطات كل طرف قبل الجلوس إلى مائدة التفاوض.
* هنالك ملف الحدود ويتعيّن تنشيط عمل اللجان الفنية قبل السياسية لحسم مواقع الشدِّ والجذب ، وأنّ على البلدين استعادة الزّخم وحثِّ رعاة اتفاقية السلام الشامل التي شهد عليها المجتمع الدولي واعتمدتها الأمم المتحدة، لتقديم أقصى العون المطلوب لإطفاء حرائق الحدود المتوقعة، وللبلدين ملايين من البشر يعيشون في مناطق التماس في الحدود.
* هناك ملف ترحيل النفط من مصدره في دولة الجنوب إلى ميناء التصدير عبر دولة السودان.
* هنالك ملف أسرى معركة هجليج المحدودة ، ممن هم في جوبا أو في الخرطوم.. ثمة مواثيق دولية ملزمة لابد من التذكير بدور مطلوب من المنظمة الأممية ، لتقديم العون والمشورة في معالجة تداعيات الحرب وضرورة التوصل لاتفاق عاجل يحدد إتمام تبادل الأسرى بين الدولتين. ، كما للمنظمات الدولية غير الحكومية، مثل الصليب والهلال الأحمر مسئوليات واضحة يجب القيام بها تجاه قضايا الأسرى . أما ما يتصل بذلك من تعويضات للتخريب الذي وقع في هجليج، فينبغي أن تتحمل دولة جنوب السودان كامل المسئولية .
* هنالك قضايا المواطنة الآنية، إذ لدولة الجنوب رعايا مقيمون في الشمال، كما للشمال رعايا مقيمون في الجنوب، وهنالك جوانب بالغة التعقيد تتصل بضرورة ترتيب الوثائق الخاصة برعايا البلدين . الضجة التي أثيرت حول اتفاق إطاري بشأن الحريات الأربعة لمواطني البلدين، ضجة انفعالية، إذ من سؤ الطالع أنها أهملت أمرين مهمين: أولهما أنه لم تعمد الدولتان للتمهيد لمثل هذا الاتفاق، كما لم تقع حوله استشارات على مستوى القواعد في البلدين، فيفرض من علٍ، ثم لا يلبث أن تثار حوله الشكوك. ثانيهما أن الثقة بين البلدين، برغم اعتراف السودان الشمالي بالسودان الجنوبي، دولة مستقلة كاملة السيادة، غير أن جسور الثقة بين البلدين قد انهارت عُمدها، وأن الخطاب الإعلامي في جوبا وفي الخرطوم ، كان في حاجة لإعادة صياغة وضبطٍ وترتيب.
* هنالك قضايا اللاجئين الذين كانوا نازحين، إذ نسبة كبيرة من مواطني الجنوب المقيمين في الشمال جاءت نزوحاً إلى الشمال هرباً من الحرب، ولكن الآن، وبعد أن نشأت لهم دولة مستقلة في الجنوب، صاروا “لاجئين” لا “نازحين” والفرق كبير بين الوصفين، ويتوجب أول ما يتوجب على الطرفين التحلي بالحكمة وسعة الصدر في المعالجة، وأن يسعيا لعون أجهزة الأمم المتحدة المعنية لتقديم المساعدة اللازمة. إنّ للمفوضية السامية للاجئين دوراً كبيراً يجب أن تقوم به للدواعي الإنسانية الماثلة أمام كل ذي بصرٍ وبصيرة. لا يحتاج الأمر لوساطات من هنا أو هناك، مع كامل التقدير لذوي النوايا الطيبة من الدول الحادبة، وإنْ لا تخلو النوايا عادةً من غرض . بين الدولتين مواثيق دولية يحترمانها، ويقتضي الالتزام بمقرراتها، مراعاة الحقوق والواجبات المتصلة بمسئولية الطرفين حولها .
( 6 )
يبقى من الضروري أن نشير إلى أن ثمّة أصوات ستعلو هنا وهناك، للتخوين ودمغ الرأي الآخر بتهم التخاذل والانكسار، وأن لا صوت يعلو فوق صوت هجليج، وذلك متوقع في غلو أصوات التعبئة، غير أنّ علينا أنْ ندرك أنّ في الشمال وفي الجنوب، شعوبا وقبائل لا تعدّ ولا تحصى، ترتبط بأواصر وصلات رسختْ في التاريخ وفي الجغرافيا. مَن يمعن النظر مليّاً، سيرى أن جناية التخريب في هجليج ، تقع على نخبة وبعض قيادات بعينها في جنوب السودان، لم تدرك أبعاد هذه الصلات المتجذرة في الوجدان. لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يؤخذ بريء بجريرة غيره، وسيبقى ما بين الشعبين ولن تطمره عثرات العاثرين ولا هتر الهاترين . .
26 أبريل 2012
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم