رسالة نيلية إلى سلمى
عزيزتي سلمى،
الخير يبراك والله يرعاك والسلام يغشاك،
أولاً، في التُبادي اهلنا دايماً بقولوا أبداً : “سمح بالحيل”. وانتي قلتي في كلامك السمح والمعطون بموية جروف النيل، مع الغيمة الصباحية كمان.
ياسلمى أعجبتني عبارتك ذات البعد العميق: “إن الكتابة إلى الماضي مغامرة شعورية غير مضمونة النتائج”. لكنني أعرف شيئاً قليلاً عن الكتابة إلى الماضي، وكمان أنها نوع من النوستالجيا، أو لنقل إنها زفرة حرّى يسببها جفاف الحاضر المحرق وللهروب لذاك الماضي..
ويا سلمى يا غالية، عارفة حبي للنيل زي حب الولد لأبوه؛ حب ممزوج بالخوف والفرح والاطمئنان، اما خوفي فسببه قول كبارنا (البحر بشيل غطاسه) ، زي ما قالوا لينا. والقالوه لينا ونحن صغار عن النيل كتير؛ منه الأساطير، ومنه بعض البطولات الوهمية، لكن يظل النيل أبونا، والجنس سوداني.
والنيل سودوناه حتى بلغنا به درجة العشق. ومن يعشق ثميناً يبخل، أو كما قال قديماً ذلك الشاعر العربي الفحل. ولو استطعنا أن نحجزه عن إخوتنا في شمال الوادي لما امتنعنا، ولكننا لا نستطيع لاننا شعب مضياف وحقاني، يأخذ الواحد منا اللقمة من فم أبنائه ليطعم الجائع والفقير. ولو وقف النيل عندنا لحفرنا بأظافرنا، حتى وإن أدمتها المشقة لنمد الماء إلى جيراننا.
يا أخي، ما تتخيلي أنا فرحان بنصك قدر شنو. وده ما عشان أشرتِ فيه لشخصي القليل الحظ، ولكن لأن الموضوع اتغلغل جواك يا فالحه وناجحه. وهذا غيض من فيض، وبكرة أكيد أحلى.
ودومي لغواليك ولمن يحبوك.
ولكِ معزتي واحترمي.
عثمان يوسف خليل
**
عزيزي عثمان،تحيةٌ نيليةُ المجرى، عميقةُ الأثر، تليق بوجدانك الراقِي،الخير يقتفي خطاك، والسلام يظلل مأواك،لقد استقرت رسالتك في نفسي استقرار الطمي في جروف النيل، وأبهجني ثناؤك الباذخ الذي طوّقت به عنق حروفي المتواضعة. إن شهادتك لي بـ”الفلاحة والنجاح” ليست مجرد إشادة عابرة، بل هي قِلادة اعتزاز من أديبٍ خَبِرَ أسرار الكلمة وعاشقٍ نهل من حكمة كبارنا.وقفتُ طويلاً عند قراءتك العميقة لـ”الكتابة إلى الماضي”؛ فما زفرة الحاضر المحرق إلا دافعٌ لنلوذ بذاكرة النهر، نستجير بظلاله من هجير الأيام. وحقاً كشفتَ بنباهتك المعهودة عن تلك الثنائية الوجدانية التي تسكننا تجاه النيل؛ ثنائية الحب والخوف، الأبوة والهيبة، “فالبحر وإن شال غطاسه” يظل ملاذنا الأزلي، وتظل سودنتنا له هويةً عِشقية لا تقبل القسمة.أما عن شيمة العطاء وجينات الكرم التي استحضرتها، فهي مِيثاقنا الفطري الذي صاغته جينات هذا الشعب العظيم. نعم، لو جفّ المجرى لَحفرنا الأرض بأظافرنا صبراً ومشقّة ليحيا جيراننا، فما كنا يوماً شحاحاً بفضلٍ، ولا ضِقنا برحابة وادٍ.ممتنةٌ لفيض مشاعرك، وللأمل المنسكب في قولك “بكرة أحلى”، فما دام في العمر نبضٌ، وفي الوادي نيلٌ، فالبشارات قادمة لا محالة.دُمتَ لمن يحبونك سَنداً ومنارة، ولك مني أسمى آيات المعزة وعاطر الاحترام.
سلمى منصور
osmanyousif1@icloud.com
