بقلم: حسن ابوزينب عمر
صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا وَعَناهُم مِن شَأنِهِ ما عَنانا
وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنــهُ وَإِن سَرَّ بَعضُهُم أَحيانا
رُبَّما تُحسِنُ الصَنيعَ لَياليــهِ وَلَكِن تُكَدِّرُ الإِحسانا
كُلَّما أَنبَتَ الزَمانُ قَناةً رَكَّبَ المَرءُ في القَناةِ سِنانا
وَمُرادُ النُفوسِ أَصغَرُ مِن أَن نَتَعادى فيهِ وَأَن نَتَفانى
غَيرَ أَنَّ الفَتى يُلاقي المَنايا كالِحاتٍ وَلا يُلاقي الهَوانا
أبو الطيب المتنبي
ماخشينا أن يكون وميض نار تحت الرماد وما أرعبنا أن تتحول الأسلحة النارية المحمولة على متن سيارات الدفع السريع مع الشحن المتزايد للجماعات المسلحة التي تدفقت الأسبوع الماضي الى منطقة االرتج وأصواتها تهدد وتتوعد البشارين (أهل المنطقة) الأرض الهادئة الآمنة الواعدة الى مستودع من البارود لكن بتدخل الحكماء والعقلاء تحولت كل العواصف الهوجاء الى زوبعة في فنجان ..تدخل الناظر على محمود ناظر قبائل الأمرأر وقبله ناظر الجعليين مسلحين بقانون القلد الذي يعتبر سيد قوانين التهدئة وامتصاص غليان الغضب وخطابات االكراهية تمهيدا لوضع آلية لحسم النزاعات .
(2)
كنت أعتقد وحتى وقت قريب ان القلد والواجاب أعراف محلية بجاوية صرفة لا تتجاوز صلاحياتها جبل البحر الأحمر ولكنني ذهلت حينما قرأت كتاب المؤرخ ضرار صالح ضرار عن سواكن كيف ان الوالي التركي في الاستانة استنجد بناظر الأرتيقة في سواكن لحسم نزاع أعياه طرأ بين قبيلتي جهينة ورفاعة (وسط السودان) باستخدام القلد والواجاب وبالفعل استدعى ناظر الأرتيقة نظار القبيلتين وتم حل الخلاف سلميا بتراضي الطرفين المتنازعين .هذا ينفي صفة المحلية عن قانون فض النزاعات البجاوي ليمنح رتبة عالمية مستحقة ..الذي يستوقف في هذه الأعراف انها ناتجة من مجتمعات اعرابية يسودها الجهل والأمية بمقاييس مخيفة ورغم ذلك تمكن المشرع البجاوي من سن قانون عقلاني ملزم يجد التبجيل والقدسية من الجميع ..الخروج عليه يعتبر عارا وعيبا أشبه بالخروج من ملة الاسلام ..القلد يعني التعهد بالتزام الهدوء والامتناع عن أية أعمال عدائية بين الأطراف المتنازعة لفترات متفاوتة قد تمتد الى أسبوع أو شهر أو أكثر بحسب تعقيدات قضايا النزاع .
(3)
الفلسفة والرؤية التي بني عليها المشرع أحكامه فيها كثير من العبقرية وسط هذه المجتمعات شبه البدائية وهو اخراج المتنازعين أولا من أجواء التوترات والانفعالات والتحشيدات والسبب ينطلق من قناعات راسخة بأن الموتورون والانفعاليون لا يحلون ولا يربطون وعليه لابد من اعادتهم أولا الى حظيرة الهدوء والعقلانية وبعدها يمكن البحث عن حلول يتوافق عليها الجميع .
(4)
الكلمة التي أدلى بها مبارك بركي وكيل ناظر عموم الرشايدة والتي طالب فيها كل فصائل الرشايدة الاستفزازية باخلاء منطقة الرتج أولا وعودتها دون قيد أو شرط الى مناطقها أعتقد انها خطوة ايجابية عقلانية حضارية تصب في خانة بناء وديمومة المحبة والسلام سيما وأن الأحداث المؤسفة انطلقت كعواصف الصحراء بصورة مباغتة ودون مقدمات دليلي على ذلك ان أخواننا الرشايدة تواجدوا واستقروا ومارسوا كل المهن التي نشطوا فيها دون أن يطلب أحد برحيلهم انطلاقا من قناعات ثابتة كالجبال الراسيات بأن الأرض أرضهم توارثوها جيل أثر جيل من تاريخ يمتد الى آلاف السنوات ولكنهم لايرون غضاضة في تواجد الآخرين فالاخرون في أعراف البجا ليسوا جحيما بالضرورة كما يقول (سارتر) اذ يسمح لهم بالاقامة والاستثمار والاستفادة كيفما يريدون فكل شيء جائز وكل شيء مسموح به الا امتلاك الأرض فرغم انها بلقع جرداء فهي مقدسة ودونها المهج والأرواح .فقد أبصروا فوقها النور وترعرعوا فيها وعاشوا عليها مرضى وجائعون وصابرون ويغادرونها الى الدار الأخرى مرضى وجائعون ومهمشون .لم تفلح المسبغة والمعاناة الدائمة في رفضهم للآخرون ولم تفلح أيضا في نكرانهم لأرض الآباء والأجداد .
(5)
لكن الذي يستوقف هنا ولا يمكن السكوت عليه هو احتمالية حياكة مؤامرة جديدة للمجرم المتمرد حميدتي الذي انفض من حوله أبرز معاونيه وتركوه عاريا دون دعم سوى من شرذمة معتوهة تحلق حوله ومنهم المدعو مبروك مبارك سليم الذي ربما وجد وعدا من حميدتي لانشاء كينونة يتولى هو رئاستها ..لكن هدف حميدتي الحقيقي لا يخفي عن كل ذو بصر وبصيرة هو فتح جبهة جديدة للفوضي الأمنية للمواجهات الدموية قوامها هذه المرة الرشايدة والبشاريين قد تمتد نيرانها الى ولايتي البحر الأحمر وكسلا وربما تمتد السنتها الى شمال السودان يدفعه شيطان أخرس بهدف خلق مياه عكرة يصطاد فيها .
مدخل للخروج
حكمة العقلاء واستخدام القلد والواجاب سيقوض قطع شك مؤامرات آل دقلو ومرتزقة الدرهم .. ليعش أهلنا الرشايدة كيف ما كانوا مكرمين معززين في الرتج ومستورة و هوشيري وتوبين (سواكن) وهندوب وهيدوب ومنحدرات عقبة سنكات ولكن الحذر..كل الحذرهو السقوط كمخلب قط لعصابات لا تريد خيرا لا للسودان ولا لأهل السودان ..انتبهوا وأفتحوا عقولكم يا أولي الالباب لعلكم تفلحون .
oabuzinap@gmail.com
