سؤال في دفتر النخبة

فى حفل تنصيب الرئيس الأميركي جون كينيدي سنة 1961 قال فى خطبته الشهيرة: “عليك ان لا تسأل عن ماذا سيقدم لك الوطن، ولكن ماذا ستقدم انت لوطنك”. هذه العبارة البليغة او هذا السؤال ظل يدور فى راسى منذ زمان ليس بالقريب كلما تأملت الطبقة المتعلمة او الطبقة التى اتيح لها امتلاك أدوات المعرفة او النخبة كما أطلق عليها البعض او الافندية كما يحلو تسميتها للكثيرين.
عندما نذكر النخبة هنا المقصود بها العسكر والافندية معا. فى هذا الطرح سأركز على الأفندية بصورة اكبر بحكمتجربتى الشخصية حسب النشاة والتربية والدراسة والقرب.
ان الإدراك المبكر بأن هناك خللا ما فى الممارسة والفهم العميق لتعقيدات قضية فى أن يكون هناك وطن اسمه السودان. ادركت حينها أن القضية بالنسبة لهذه الطبقة هى قضية مفاهيم. والاستنتاج الذى وصلت إليه هو أن معظمهم يعتبرون أن الوطن هم وهم الوطن، ويعتبرون الامتيازات التى تحصلوا عليها هى استحقاق التميز والشطارة. وبمجرد الدخول إلى هذه الطبقة، يبدأ الاستلاب والوهم والبعد عن الواقع
والانفصال عن أقرب الناس إليه حتى أهله. إذ
لا توجد مفاهيم مشتركة ولا وجدان مشترك ولا قيادة Leadership حقيقية صاحبة رؤية.
فكل الذين فى المشهد السياسى بعد الاستقلال هم من طلاب السلطة فقط، ويفترضون أن وجودهم على دفة الحكم وحده كفيل بجعل التغيير ممكنا.
لقد قدم الوطن لهولاء كل شيء، وبالمقابل قابلوا ذلك بالجحود والخزلان.
فكم منا سأل نفسة هذا السؤال: ماذا قدمت أنا للوطن؟
لقد تسلمنا من الاستعمار دولة بها اللبنات الأولى لقيام دولة وطنية. كما ترك لنا الاستعمار مابين تلك اللبنات الكثير من العقبات والمطبات التى نجحت بجدارة فى أن تجعلنا نتنكب الطريق. وكانت أهم تلك العقبات هى النخبة. فقد أسهمت طبقة المتعلمين، أو النخبة، إسهاما مباشرا وكبيرا فى تعميق وتأجيج الصراع الأمر الذي أدى الى انحدار الوطن لهذا الدرك السحيق إلى أن وصلنا إلى مانحن فيه اليوم من تشظى واقتتال. وقد قالها الدكتور منصور خالد عليه رحمة الله فى كتاباته الثرية خاصة كتاب النخبة السودانية وإدمان الفشل والذى أعمل فيه مبضع النطاس البارع فى محاور نذكر منها:
1. الاستقلال المهدور: كيف ضيّعت النخب فرصة بناء دولة وطنية بعد الاستقلال في 1956.
2. الهوية والاختزال: الصراع حول الهوية السودانية (عربية/أفريقية/إسلامية) ومحاولة فرض نموذج واحد.
3. التحالفات غير المبدئية: التحالفات الانتهازية التي بنتها النخب للوصول إلى السلطة، ثم تخلت عنها عند الحكم.
4. فشل المشاريع الوطنية: من الحكومات الديمقراطية إلى الانقلابات العسكرية، لم تقدم أي منها نموذج حكم ناجح ومستقر.
5. العلاقة بين المركز والهامش: تجاهل المناطق الطرفية دارفور جنوب السودان وشرق السودان.
هذا ما كان من توصيف الدكتور منصور خالد لحالة النخبة التى انتهت إلى ما نحن فية الآن من دمار كامل شامل.
أهم ما أردت التطرق الية هو لماذا كل هذا الفشل؟ لماذا أوصلتنا النخب إلى هذه المرحلة الكارثية؟ سأطرح الأسئلة التى تورقنا ولا نجد لها إجابة أو حل، خاصة فى ظرف هذه الحرب والتشظي الكبيير. كثيرون تطرقوا إلى مسالة النخبة ومن أهم من تطرق لها الدكتور محمد جلال هاشم فى كتابه منهج التحليل الثقافى فيما أسماه بالغباء الأيديولوجي. وما بين سؤال جون كينيدي وطرح د محمد جلال هاشم بدأت تظهر الكثير من الأسئلة المحيرة لكثير من المواقف والتجارب التى مررت بها فى درب الحياة. وهذا ما دفعني لرفع هذه التساؤلات على أمل الوصول إلى فهم للمعضلة.
هناك بعض الأسئلة: هل النظام التعليمى هو أساس هذه المعضلة، أم النظام الاجتماعى بما يحمله من قدر كبير من التدين الزائف. الإجابة في رأيي أن الإثنين بنفس القدر من الأهمية فقد يعلو أحدهما على الآخر بحسب الظروف الماثلة. وحتى لا يكون هناك اختصار مخل، فإن هناك عوامل كثيرة، داخلية، إقليمية، وخارجية لها تأثير مباشر على الصيرورة السياسية خلال مسيرة دولة ما بعد الاستعمار. ولكن سأركز فقط عل النخبة وكينونتها والمؤثرات الداخلية فقط.
دعونا نرجع بالبصر إلى الوراء قليلا لاستصحاب بعض الوقائع التاريخية لشرح ما أصبو إليه. فقد
وجدت أن طبقة الأفندية تعيش فى تناقض غريب مما يؤدى إلى خلل رهيب فى الشخصية. فهم يعيشون حالة انتفاخ كاذب بأنهم يعلمون كل شيء بمجرد حصولهم على فرصة الدخول إلى التعليم العالى. فالأفندي يبدأ بالتعامل مع المجتمع بترفع ونظرة فوقية مترفعة كانّه أتى من كوكب آخر. وأول الأشياء هى التنكر إلى ذاته وأهله وعشيرته وأقرب الناس اليه ويبصق على كل المواعين التى أدت إلى تكوينة دون تردد لأنه يعتمد على مجتمع الجهل فيه هو السائد. فالأفندية لايحملون شعلة التغيير المناط بهم حملها. وكما تساءل الدكتور فرج فودة: “كيف لأمة أن تنهض وملايين من العلماء والأطباء وأساتذة الجامعات يجلسون القرفصاء فى صمت من كل جمعة ليستمعوا إلى شيخ أحمق جاهل ليحدثهم عن كل شيء ولا يتصدون لهذا التجهيل والتغبيش”؟ إن مقاومة مثل هذه الأشياء هى الثورة الحقيقية وليست التظاهرات فى الشوراع لتغيير نظم الحكم.
فى غابر الأيام كنت ألاحظ أن كثيرا من المتعلمين والمثقفين يحبون الغناء والفن والجلسات إياها، يحتسون فيها ماطاب لهم ويبدعون فيها ويتبادلون عظيم الكلام والفلسفة والإبداع العالمى بليل. وما أن يأتي الصباح ويلبسون جلبابهم الأبيض الناصع للذهاب إلى ذلك المسجد الصغير ويجلسون القرفصاء للاستماع إلى ذلك الشيخ فى وقار وجلل، ذلك الشيخ الذى كان زميلهم الفاشل فى الدراسة ولكن هداه الله ليكون ناصحهم التقي.
هدا التناقض الأساسى الذى تعيشه شخصية هذا الأفندي المتعلم هو الذى لعب الدور الكبير فى رأيي فى تحطيم الوطن.
هناك أمثلة كثيرة سنذكرها للتدليل على هذا الدور الكبير الذى لعبه الأفندية فى دمار الوطن.
كلنا نذكر من التاريخ الأستاذ أحمد خير المحامى الذى لعب دورا قياديا فى نشاة مؤتمر الخريجين ومقاومة الاستعمار حتى خروجه من السودان. ولكن فى أول اختبار حقيقى سقط أحمد خير وتنكب الطريق وأصبح وزير خارجية لنظام عبود الانقلابي. ومثله كان هناك آخرون من المتعلمين أصبحوا وزراء في حكومة عبود الانقلابية. أيضا بعد انقلاب نميري على الحكم المدنى سارع كثير من الوزراء والبرلمانيين الذين انقلب عليهم ليأتوا وزراء. على سبيل المثال لا الحصر محي الدين صابر موسى المبارك احمد السيد حمد وغيرهم كثيرون. أكثر شيء كان موجعا لي وقوف العالم والمفكر الاستاذ محمود محمد طه داعما لنظام نميري فى بداياته وذلك بحجة محاربة الطائفية. وهو نفسه نميري الذى اغتاله فى آخر الامر. لذلك لا استغرب كثيرا من موقف بعض تلاميذ الأستاذ من مساندتهم لمليشيا آل دقلو.
وتجربة الأستاذ يمكن أن نتعلم منها أن اختصار الطريق للحرية لا يمكن أن يتم عبر من لا يؤمنون بها من الأساس وليست فى قواميسهم. وإلا ستكون النتيجة كارثية.
وكذلك مجموع الانتهازيين، كالحالة السبدراتية (إشارةً إلى عبدالباسط سبدرات) الذي يمثل أقصى أنواع المثقف الانتهازي الذى ليس لمصطلح الأخلاق مكانة فى حياته. وكنت أظن أن هذه النوعية قد بدات تتآكل إلى أن جاءت هذه الحرب وكشفت القناع عن الكثيرين الذين ينجرون وراء مجرم جاهل مثل عبد الرحيم دقلو بينما قد تتصدر أسماءهم حروف الدال والميم والألف. فيا له من عار يلتف حولهم جميعا.
خلال أيام الدراسة الجامعية، وكان ذلك خلال حكم نميري، وبحكم الانخراط فى النشاط الطلابي كان الطلاب المتفوقون أكاديمياً دائماً ما ينحازون إلى مكاسبهم الشخصية فقط. فعندما تكون هناك ظروف كارثية تلم بالوطن أو نظام الحكم ويتصدى لها الطلاب، انحياز منهم إلى جانب أهلهم، أو إلى جانب قضايا الشعوب السودانية، كانت
الطلاب يصابون بالخزلان من هذه الشريحة التي كانت تقف ضد إرادة الطلاب وضد الشارع وضد الوطن. وهؤلاء هم نفسهم، والكثيرون منهم يحمل أفكارا جيدة ومستنيرة، الذين كانوا يتخاذلون عندما نأتى للتجربة الحقيقية. فقد كانوا ينحازون إلى، ويصوتون إلى قوى الظلام. وكانت حجتهم هي أنهم إذا لم يأتوا بالإسلاميين إلى الاتحاد سيقوم الاسلاميون بإغلاق الجامعات. وبهذا يتأخر موعد تخريجهم. هولاء هم نفسهم الذين يتقدمون بعد التخرج إلى المناصب والإدارات بدون مبدأ وبدون التزام أخلاقي. والأمثلة كثيرة ومنهم من اصبح مديرا للجامعة وهم زملاء دراسة
منتصر اباصالح

montasiridris@icloud.com

عن منتصر اباصالح