hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
في ذاكرة الإبداع السوداني، ثمة أسماءٌ تمرُّ كالشُّهب؛ تضيء سماءنا بوهج استثنائي ثم تختفي سريعاً، مخلفةً وراءها أسئلةً معلقة وحزناً دفيناً. ومن بين هؤلاء يبرز اسم سامي يوسف غبريال، ذلك الشاب الذي اعتبره أقرانه ومجايلوه “أيقونة” التمرد الأدبي في السبعينيات، والذي غادر دنيانا وهو لا يزال طالباً في المعهد العالي للموسيقى والمسرح. لم يكن سامي مجرد طالب عادي، بل كان شعلةً من التوقد الإبداعي؛ إذ يروي رفقاء دربه، ومنهم الشاعر الكبير محجوب كبلو، كيف أنه دخل المعهد لا بشهادة أكاديمية تقليدية، بل بنصوصه القصصية التي أذهلت لجان المعاينة آنذاك؛ فقد كان يرى في الفن حياةً لا تُدرس في الكتب، بل تُعاش في الطرقات وبين الناس.
لقد اشتهر سامي يوسف برؤيته الفلسفية العميقة التي لخصها في مجموعته القصصية الوحيدة “نمو تحت قطرات الدم”. وقد لعبت مصلحة الثقافة دوراً استثنائياً في حفظ هذا الإرث، حين أصدرت المجموعة عام 1976 وفاءً لذكراه بعد عامين من رحيله؛ حيث كانت المصلحة آنذاك منصةً حقيقية لرعاية التحديث الأدبي، وملاذاً للأصوات التي تحاول استنبات الجمال من قلب المعاناة السياسية والاجتماعية. فبالنسبة لسامي، لم يكن “الدم” رمزاً للموت بقدر ما كان “سقاءً” لنمو الوعي والحرية. غير أن هذا المشروع الوجودي انقطع برحيله المبكر جداً عام 1974، وهو لا يزال في السنة الثانية من دراسته الجامعية؛ فكان موته صدمةً هزت الوسط الثقافي، حيث فقدت الساحة مشروعاً لمفكر وقاصٍ كان كفيلاً بهز أركان الكتابة التقليدية.
تُعد نصوص سامي يوسف وثيقةً إبداعية تختزل ملامح جيل السبعينيات، وتحديداً “جماعة النبض”؛ تلك الحركة التي لم تكن مجرد تجمع أدبي، بل كانت حالة من “التثوير” الشامل للكلمة، وسعياً حثيثاً لربط الأدب بالواقع اليومي والهم الوجودي. ففي نصه “البحث عن زوربا”، تتجلى ذروة أسلوب “تيار الوعي” الذي يحطم الجدار بين الواقع والحلم، حيث يقول في بوحٍ مشحون:
“ملايين الأشياء تتكون عند الخاطر ثم تثب قافزة، وأنا في المنعطف التاسع بعد المائة، مصاب بزكام حاد يقف ككابح بيني وبين انتعاش الذاكرة، خرجت من غرفة العمليات يطاردني شبح أبي، صرخاته المتألمة، خيوط الدم، واللفافات والأشرطة البيضاء، القطن المغمس في اللون الأحمر، عملية إخراج بياض من العين، وأبي يصرخ ويدفعني صراخه للخروج، وأنا في المنعطف الثامن بعد المائة أبحث عن زوربا. أبحث عن رقصة على قبر أبي، أريد انتزاع الصديد المثخن ألماً من داخلي، أريد أن أبتسم في وجه المأساة.”
هذا النص يعكس استحضاراً ذكياً لشخصية زوربا اليونانية وإسقاطها على الواقع الأم درماني، حيث تتحول المنعطفات لديه إلى رحلة مكوكية داخل النفس البشرية المثقلة بالشك والألم. إن قدرة الكاتب على الربط بين “قبة الشيخ حمد النيل” وبين دور السينما العالمية وأزقة “سوهو” تعكس ثقافةً واسعة ترفض الانغلاق، وتجعل من قضية الهوية الشخصية مدخلاً لتفكيك المسلمات بجرأة نادرة.
ويتذكر رفقاؤه شغفه وجنونه الإبداعي قائلين: “كان سامي يأتيني في الثالثة صباحاً ليقرأ لي نصاً جديداً.. كان يحرق كتب المقرر ليثبت أن الإبداع لا يُحد بحدود”. وفي مقطوعته عن “الصعلكة”، يعيد صياغة مفهوم “الرجل الأخرق” ليجعله رمزاً للمقاومة والصدق في وجه مجتمع يراه سراباً؛ فالصعلكة أو الشفتنه هنا ليست غياباً للمسؤولية، بل هي انحيازٌ للفقراء وقيم الحق، وهي جوهر مذهب “جماعة النبض” في مواجهة السائد. ورغم أن الراحل لم يترك خلفه مؤلفات تملأ الأرفف، إلا أن أسطورته ظلت حية؛ إن استعادة سيرته اليوم هي محاولة لرد الاعتبار لمبدع آمن بأن الفن هو الصمود، وأن “النمو” الحقيقي هو الذي يحدث تحت أصعب الظروف، تماماً كما تنبت الزهور تحت قطرات المطر أو حتى تحت قطرات الدم. سيظل سامي يوسف في تاريخ الثقافة السودانية رمزاً للمبدع المتمرد، الذي عاش قصيراً لكنه ترك أثراً لا يُمحى في نفوس كل من قرأ له نصاً أو استمع إلى فلسفته حول الحياة والموت.
Sudanile-Logo-SQ
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم