بقلم: السر جميل
تقوم الحياة على قانون ثابت لا يتخلف، قانون التغير والدوران، فما من حال يدوم، وما من قوة إلا ويعلوها ضعف. غير أن الإنسان في لحظات زهوه كثيرا ما يصاب بعمى العظمة، فينسى أن الدنيا أدوار، وأن الأيام دول بين الناس، يوم لك ويوم عليك.
إن أشد صور السقوط الأخلاقي أن يبطش القوي بالضعيف، وأن يستغل الإنسان قدرته لتخويف الآخرين والافتراء عليهم. ينسى هذا المفتون بقوته أن الشباب زائل، وأن الصحة قادمة على ذبول، فسيأتي يوم يشيخ فيه هذا الجسد المريض، ويدب في أوصاله الضعف، وربما يسلط عليه من هو أشد منه بطشا وتجبرا ليذيقه المصير ذاته. وفي الطبيعة حكمة بالغة تجسد هذه الحقيقة؛ فالطائر في حياته يلتقط النمل والديدان والحشرات التي لا حيلة لها ولا طاقة بالدفاع عن نفسها، لكن المعادلة تنعكس تماما حينما يموت هذا الطائر، إذ تصبح جثته الهامدة طعاما لهذه الحشرات الصغيرة ذاتها.
ولعل في صور بعض المصارعين والأقوياء عبرة لمن يعتبر، نراهم في أوج عنفوانهم ومجدهم يتبخترون بعضلاتهم المفتولة في الشوارع والأسواق، يرفلون في ثياب تبرز ضخامة أجسادهم وقوتها التي تبهر الناظرين، ولكن لا تلبث عجلة العمر أن تدور دورتها المحتومة، فترى أولئك الأشداء وقد هدهم المرض، ترتجف أطرافهم من الشلل الرعاش، أو باتوا مقعدين على كراسي متحركة، يدفعهم ويساعدهم في التجول رجل نحيل لا يملك مثقال ذرة من قوتهم القديمة.
وكما يطغي الجسد صاحبه، يطغي المال من لا يفهم حقيقته. فتجد بعض الأغنياء يفترون على خلق الله بثرواتهم، ويفرضون آراءهم وكلماتهم لمجرد أنهم ينفقون على هذا أو يساعدون ذاك. يرون أن المال يمنحهم حق السيطرة، وأن على الآخرين أن يستمعوا إليهم ويسيروا خلفهم كأمرين ناهين، فيستبدون بذوي الحاجة ويكسرون كبرياءهم. غفل هؤلاء عن أن للمال حكمة بالغة وسنة لا تتغير، فإما أن يذهب المال عن الإنسان وهو حي يرزق فيذوق مرارة الفقر، وإما أن يرحل الإنسان عن المال فيصبح تحت التراب لا يملك شيئا مما جمع واستبد فالورثه أولي به.
وليس كبر المال والقوة بأشد من كبر العلم والفهم، إذ ينصب بعض الناس أنفسهم أوصياء على الحقيقة، يتعالون بإدراكهم على البسطاء، ويرون أنفسهم الوحيدين القادرين على تمييز الصواب من الخطأ. يفتون في كل أمر، ويتعصبون لآرائهم، ولا يتنازلون عن موقف، ولا يتقبلون نصيحة أو نقدا، بل يرفضون الرجوع إلى الحق أو مشاورة الآخرين، وكأنهم المنتهى في القول والحكمة.
وما أبلغ القرآن الكريم حين ضرب لنا أعظم المثل في قصة نبي الله موسى عليه السلام؛ فعندما ظن في لحظة أنه أعلم أهل الأرض، أوحى الله إليه أن هناك عبدا هو أعلم منه. فما كان من كليم الله – وهو النبي المرسل أولو العزم – إلا أن تواضع وارتحل يطلب العلم على يد الخضر، في مشهد خالد للامتثال والتواضع، فلم يترفع أو يتعالى، بل قال في أدب جم: {هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا}.
أما النوع الآخر من الافتراء، فهو التبختر بالمركز والجاه والأسرة المرموقة والأولاد. يستعلي المرء بمنصبه، فيتآمر ويتحكم ويتجبر، ويباهي بعائلته ونسبه وكأنه هو مصدر الشرف والرجولة الوحيد. ينسى هذا المغرور أن المناصب أعار زائلة، وأن المجد الزائف يتلاشى إذا سقط الكرسي من تحته. إن العز الحقيقي والملك كله بيد الله وحده، هو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بمشيئته وحكمته.
إن الحياة أقصر من أن نقضيها في التكبر والافتراء. القوة تئول إلى ضعف، والمال يتلاشى أو نتلاشى عنه، والعلم يبقى ناقصا مهما بلغ، والمناصب تبدل كما تبدل الثياب. العاقل هو من يسير بين الناس بقلب خاضع ونفس متواضعة، يرحم الضعيف، ويعين المحتاج دون استعلاء، ويسمع النصيحة، ويعلم أن الأيام دوارة، وإنما هى زراعة والحصاد قادم لا محاله فأنظر أى غرس زرعت، وأن بقاء الحال من المحال وكما تدين تدان، ولا تنسي أن باب التوبة مازال مفتوحا أرجع قبل فوات الأوان.
elsir90@hotmail.com
