كمبالا: سارة تاج السر: خاص سودانايل: في حديقة محمد سيبوه بضاحية منقو في العاصمة الأوغندية كمبالا، جلس اليوم الخميس، العشرات من اللاجئين السودانيين معظمهم من النساء، وجهًا لوجه مع ممثلي مكتب رئيس الوزراء الأوغندي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمجلس النرويجي في جلسة حوار هدفت إلى الاستماع لمشكلاتهم اليومية، وإشراكهم في اقتراح حلول واقعية لما يواجهونه من تحديات.
ويأتي اللقاء الذي جاء بدعوة من مجتمع اللاجئين السودانيين في كمبالا Town Hall Meeting، في ظل التدهور المستمر للأوضاع الإنسانية والمعيشية التي تواجه اللاجئين السودانيين في أوغندا، وتحديدًا في العاصمة كمبالا، فواقع هؤلاء لا يعكس فقط معاناة الهروب من الحرب، بل يعكس كذلك صراعا يوميا مع تحديات الصحة، والتعليم، والسكن، وفرص العمل، وسط فجوات واضحة في التنسيق والاستجابة الإنسانية.
شكاوى وتحديات
كشف الاجتماع عن حجم المعاناة المتزايدة التي يواجهها اللاجئون السودانيون في كمبالا، حيث تنوعت المداخلات بين أوضاع السكن، والصحة، والتعليم، ومشاكل التوظيف، وحالات انتهاك الحقوق الأساسية.
عائشة أحمد، وهي قانونية سودانية تقيم في كمبالا، أشارت في مداخلتها إلى أن اللاجئين السودانيين بكمبالا يواجهون سلسلة من الانتهاكات دون وجود محامين يرافقونهم أو يدافعون عنهم.

وتطرقت عائشة إلى واحدة من أبرز الأزمات التي تواجه اللاجئين، وهي مشكلة الإيجارات، مشيرة إلى أن الارتفاع الكبير في الأسعار وصعوبة استرداد التأمين تجعل أوضاعهم السكنية غير مستقرة. وأضافت: “الإيجارات مرتفعة جدًا، والتأمين كذلك، وفي الغالب لا يُعاد للمستأجر حتى لو أعاد المنزل بحالة جيدة. هناك حالات طرد دون إنذار، ونحتاج إلى استثناء السودانيين من بعض إجراءات الإيجار أو على الأقل تمكين المحامين من التدخل الفوري”.
كما لفتت إلى تعرض اللاجئين السودانيين للضرب والسرقات والاختطاف، ، ما يستدعي، بحسب قولها، استجابة عاجلة من المنظمات . وتوفير حماية قانونية لهم، خاصة في ظل تكرار الانتهاكات، ومشاكل الطرد من المنازل، وابتزازات الشرطة، واقترحت إنشاء شبكة من المحامين السودانيين لتقديم الدعم القانوني من أجل التصدي لهذه الانتهاكات.
عبرت لاجئات وأمهات عن قلقهن حيال الأوضاع الأمنية وغياب الحماية، لا سيما للأطفال والنساء، في ظل حوادث اختفاء تعرض لها عدد من السودانيين في العاصمة الأوغندية، دون معرفة مصيرهم. كما اشتكى آخرون من صعوبات في الحصول على العلاج بالمستشفيات بسبب الحواجز اللغوية، وغياب الترجمة، وارتفاع أسعار الأدوية، إضافة إلى نقص الخدمات الخاصة بكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة.
أثيرت خلال الاجتماع أيضاً قضايا مؤلمة تتعلق بحجز جثامين اللاجئين المتوفين في المستشفيات الأوغندية بسبب عجز ذويهم عن دفع تكاليف العلاج أو الفواتير المتراكمة، في ظل غياب استجابة فورية من الجهات المعنية.
أما في مجال التعليم، فقد كانت الشكاوى حاضرة بقوة، حيث أوضح مشاركون أن الكثير من الأطفال لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس بسبب ارتفاع الرسوم الدراسية، وغياب الدعم الحكومي أو الدولي. وأشاروا إلى أن الأسر السودانية الوافدة من مناطق نزاع لا تملك مصادر دخل ثابتة.

وتناولت بعض المداخلات وضع النساء والفتيات، حيث تحدث الطاهر اسحاق لاجئ وصحفي عن تعرض عدد منهن لاحتجاز مستندات الهوية من قبل المؤجرين، ما يعرضهن لانتهاكات قانونية وإنسانية جسيمة. كما أشار البعض إلى أن 80% من اللاجئين في المدينة هم من النساء والأطفال، ما يزيد من حجم المسؤوليات والمخاطر.
وكشفت إحدى اللاجئات عن وجود ما لا يقل عن 200 أم وطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون من غياب تام للخدمات الصحية والتعليمية، ويواجهون صعوبات في الحصول على أدوات أساسية مثل الكراسي المتحركة والعصي الطبية، رغم مخاطبات عديدة للمنظمات دون استجابة.
اللاجئة نعمات يوسف محمد عبرت عن مخاوف متزايدة جراء تكرار حالات الاختفاء الغامضة، وقالت إن شابة سودانية خرجت من منزلها قبل خمسة أيام ولم تعد حتى الآن، وهو ما أثار ذعرًا واسعًا وسط الأسر السودانية. وأضافت: “نعيش في خوف مستمر، ولا نجد تحقيقًا جادًا في مثل هذه القضايا، نحتاج لحماية حقيقية”.
ورغم أن المفوضية والمنظمات الحاضرة استمعت إلى تلك التحديات، فإن الردود لم تتضمن حلولاً ملموسة. إذ أوضح ممثلوها أن الدعم موجه بالأساس نحو اللاجئين المقيمين في المستوطنات مثل كيرياندونغو، وأن اللاجئين في المدينة لا يحظون بذات مستوى الخدمات، بناء على مبدأ تقييم الحاجة في المواقع الجغرافية.
التعليم ولمّ الشمل
ممثل منظمة FCA، المسؤولة عن ملف التعليم، أكد استعدادهم، للتفاعل مع تطلعات اللاجئين السودانيين في ما يتعلق بمواصلة التعليم، حيث أشار إلى أن المنظمة تفتح الباب أمام الطلاب الراغبين في التقديم لمنح دراسية في دول أوروبا وكندا، موضحًا أن “الفرص تنافسية تمنح حسب المؤهلات الأكاديمية والشروط الخاصة بكل دولة”.
كما أوضح أن FCA تدعم أيضا إمكانية الدراسة في الجامعات الأوغندية، مضيفًا: “نحن جاهزون لتقديم الدعم للطلاب في الجامعات المحلية، سواء من حيث الرسوم أو التوجيه الأكاديمي”.

وفي لفتة إنسانية أخرى، أعلن ممثل FCA عن إمكانية المساعدة في لمّ شمل الأسر، مشيرًا إلى أن اللاجئ الذي لديه أحد أفراد الأسرة في دول مثل كندا أو الولايات المتحدة أو أستراليا يمكنه تقديم طلب من خلال المنظمة لتسهيل عملية لم الشمل.
تدخلات صحية جزئية
من جهته، أوضح ممثل منظمة AHA، المعنية بالخدمات الصحية، أن المنظمة تتابع عن كثب حالات المرضى من اللاجئين، خاصة في المستشفيات الحكومية، مشددًا على أن “لا يحق لأي مستشفى حكومي احتجاز جثامين الموتى بسبب عدم السداد”، وأن المنظمة تتدخل فور تلقيها بلاغًا في مثل هذه الحالات. لكنه أشار إلى أن هذه الحماية لا تشمل المستشفيات الخاصة، التي تقع خارج نطاق تغطية المنظمة.
وأضاف أن المنظمة تحتفظ بمكاتب داخل معظم المستشفيات الحكومية، وتقدم خدمات صحية محددة، لا سيما لبعض الأمراض المزمنة، في حين أقر بتراجع الدعم لمراكز غسيل الكلى بسبب قرارات أمريكية حديثة، إلا أنه طمأن الحضور بأن ملفات إعادة التوطين الخاصة بمرضى الفشل الكلوي “قيد الدراسة الجادة حاليًا”.
المفوضية : لا مساواة بين اللاجئين في المدن والمخيمات
ممثلة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) أوضحت أن أغلب الحقوق والخدمات المخصصة للاجئين السودانيين تُقدم داخل مستوطنة كيرياندونغو، وأن لاجئي المدن مثل كمبالا لا يملكون ذات الامتيازات، وفقًا لمبدأ الحاجة وليس على أساس التمييز. وأضافت: أن المفوضية “لا تستطيع منح لاجئي المدينة حقوقًا مماثلة لتلك المتوفرة في المخيمات”، داعيًا اللاجئين إلى فهم هذا الفرق كأساس في سياسات الاستجابة الإنسانية.
وفيما يخص النزاعات السكنية، أشارت إلى أن لدى المفوضية طاقمًا من المحامين مستعدًا لتقديم الدعم القانوني. أما في حالة وقوع جرائم ضد اللاجئين، فقد شددت ممثلة المفوضية على أن الجهات الأمنية الأوغندية هي المعنية بمتابعة البلاغات، وحثّ اللاجئين على الاندماج المجتمعي وتعلم اللغة المحلية كوسيلة لتقليل الاحتكاكات، و تجنب الخروج ليلًا، والحرص على حمل وثائق الهوية في جميع الأوقات، وعدم دفع أي مبالغ مالية لأي شخص يزعم أنه من أفراد الشرطة.
وحول مسألة القيادة التمثيلية للاجئين السودانيين في كمبالا، نفى ممثل UNHCR أن تكون المفوضية قد اعترفت بأي جسم تمثيلي سابق، وأوضح أن تنسيقًا جارٍ مع مكتب OPM لتنظيم اجتماع عام يُتاح فيه للاجئين السودانيين اختيار ممثليهم بشكل ديمقراطي وشفاف.
من جانبها، أكدت مسؤولة مكتب التوطين في المفوضية أن “إعادة التوطين غير متاحة حاليًا” بسبب المستجدات السياسية، وعلى رأسها قرارات الحكومة الأمريكية بتقليص الدعم الإنساني. ووصفت الإشاعات التي تتحدث عن حاجة كندا لأربعة آلاف لاجئ سوداني بأنها “محاولات احتيال ونصب يجرمها القانون”، مطالبة اللاجئين بالإبلاغ الفوري عن أي جهة تدّعي تقديم مثل هذه الخدمات.
أما ممثلة مكتب رئيس الوزراء الأوغندي (OPM)، فقدمت توضيحات تتعلق بالسياسات الحكومية تجاه اللاجئين. وقال إن المكتب يصدر خطابات تخفيض رسوم تعليمية لبعض المؤسسات، مشيرًة إلى أن هذا الامتياز “ليس عامًا بل على سبيل الحصر”، وأنه يهدف إلى معاملة اللاجئ السوداني أسوة بالمواطن الأوغندي في ما يتعلق بالرسوم الدراسية.
اتهامات بعدم الشفافية تلاحق منظمة “Give Directly”
في سياق الجلسة، أثار عدد من اللاجئين السودانيين الحاضرين ما وصفوه بـ”تراجع منظمة Give Directly عن وعودها” المتعلقة بتقديم منح مالية بقيمة 1000 دولار لكل لاجئ سوداني، دون تمييز على أساس الموقع الجغرافي.
وانتقدت المحامية والناشطة الحقوقية إيمان صالح أداء المنظمة، معتبرة أنها “تجاوزت كل الحواجز وتجاهلت مبادئ العدالة والشفافية في تقديم الخدمة”، مطالبة بفتح تحقيق رسمي حول عملها. وأشارت إلى أن المنظمة لا توضح أسباب عدم استحقاق بعض اللاجئين للدعم، وتكتفي بالرد على استفساراتهم بالقول: “ليس من حقك أن تعرف”.
وأضافت صالح أن المنظمة لم تكن قد حددت النطاق الجغرافي للمستفيدين عند إطلاق المشروع، وذكرت أنها تستهدف نحو أربعة آلاف لاجئ سوداني في أوغندا.
من جانبها، أوضحت اللاجئة أماني عبد الكريم أن لدى المنظمة فيديوهات وتصريحات أكدت فيها استهداف أربعة آلاف لاجئ سوداني مسجلين بين ديسمبر 2023 ويونيو 2024، إلا أن الواقع خالف تلك التصريحات، حيث تم تحويل مبالغ مالية بالفعل لبعض سكان العاصمة كمبالا، بينما لم يتسلم لاجئو كيرياندونغو أي مبالغ. وأضافت أن آخرين حُوِّل لهم نصف المبلغ فقط، دون توضيحات بشأن النصف المتبقي.
وكشفت أماني كذلك عن شبهة فساد تتعلق بربط استلام المبلغ بشراء هواتف من المنظمة ذاتها؛ إذ يُطلب من اللاجئ شراء الهاتف، ويتم خصم قيمته من المنحة، أما في حال رفض الشراء، فيُحرم من المبلغ بحجة عدم الاستحقاق.
وبناءً على هذه الإفادات، أعلنت ممثلة مكتب رئيس الوزراء الأوغندي (OPM) عن نيتها عقد اجتماع موسع يضم المنظمة المعنية، وممثلي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى جانب ممثلين عن اللاجئين السودانيين، للتحقق من هذه الادعاءات ومساءلة المنظمة بشأن التزاماتها المعلنة، رغم تأكيد المنظمة منذ البداية على أن مشروعها يستهدف فقط اللاجئين داخل المعسكرات.
الجلسة، التي امتدت لساعات، اتسمت بنقاشات صريحة وعكست عمق الإحباط المتراكم، لدى اللاجئين، في ظل ما اعتبروه إخلالًا واضحًا بالوعود والتزامات الدعم الإنساني.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم