عبدالرحيم أبايزيد
abdelrahim.abayazid@gmail.com
والحرب في السودان تقترب من إكمال 1200 يوما قُتل فيها ومات بسببها مئات الآلاف من البشر داخل وخارج السودان وشهد السودان اكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية على حسب تقارير الخبراء المستقلين للأمم المتحدة . وأصبح النزوح واقعا معاشا لاكثر من 33 مليون نسمة و11 مليون منهم داخل السودان . وبالطبع الكارثة اكبر من ان يتم حصرها أو وضعها في مقال قواقع الحال يغني عن السؤال .
بالتأكيد اي مجهودات ومبادرات لإيقاف الحرب مرحبا بها لإيقاف هذا النزيف الذي ينهمر من شرايين قلب الجسد السوداني بلا توقف . هذا ولقد أقيم أكثر من مؤتمر وخصصت جلسات عديدة في أروقة وردهات الموسسات الدولية إلا أنها لم تثمر بوقف الحرب أو حتى فرض هدنة إنسانية. ولم يحدث أي تعميم بالقبض أو الاحتجاز لاي من قادتها من الطرفين بناءا على التقارير والادانات التي تمت لقادتها باعتبار مسؤوليتهم عن الجرائم المستمرة والتي صُنفت كجرائم حرب وإبادة جماعية .
من الواضح جدا أن لبريطانيا وجهة نظر أو فكرة في كيف تحل مشاكل السودان ولقد ابدت ظاهريا أنها تود ذلك لكن يبدو دوما في كل معاملاتها مع السودان شبح اغتيال غردون من قبل السودانيين في سبيل تحرير وطنهم من قبضة الاستعمار الإنجليزي حينذاك.
فا لممللكة المتحدة لها من الامكانيات التي أن استخدمتها يمكن أن تساهم في إيقاف الحرب في السودان وإنقاذ أرواح عدد كبير من البشر ومنع كوارث عالمية آنية ومستقبلية ، الا أنها اي بريطانيا تفعل عكس ذلك وتتلبت ، فلقد لاحظنا نشاط برلماني وضغط حقيقي ملأ ردهات البرلمان البريطاني وتم الإعلان عن مؤتمر تنظمه وتدعو له منظمة ويلتون بارك الحكومية التابعة لوزارة الخارجية والتي هي إحدى أهم مطابخ السياسات الدبلوماسية في بريطانيا ولقد تم الإعلان عن المؤتمر وتم تحديد تاريخه الذي انعقد فيه .
الا ان ذلك الموقف والاهتمام بدا في الانخفاض قليلا قليلا وتبعته إشارات من الحكومة الجديدة ربما تنبئ عن توجه مختلف مرتبط أكثر بمصالح المملكة المتحدة ومستقبل علاقاتها والسودان مثلا ليست له علاقات تجارية مع السودان بضخامة حجم المعاملات مع دولة الإمارات . من اول مؤشرات ذلك الانخفاض في الاهتمام تحول مؤتمر ويلتون بارك الي مؤتمر سري بعد أن كان علنيا. سري لدرجة أنه لم ترد له سيرة في وسائل الإعلام البريطانية لا قبل انعقاده أو أثناء ذلك .
المؤشر الثاني في انخفاض ذلك الاهتمام هو ان هذا المؤتمر توقيتا أتى في فترة إعادة تشكيل الحكومة البريطانية وتولي زعيم حزب العمال الجديد اندي برنهام منصب رئيس الوزراء وإعادة تشكيل الحكومة والتي تشكلت وحدثت فيها تغيرات جوهرية مرتبطة ارتباط وثيق بالمؤتمر إذ تم تغيير وزيرة الخارجية ايفييت كوبر والتي كانت اخر قراراتها قاىمة الحظر لأفراد وموسسات تتبع لطرفي الحرب ومن ضمنها موسسات حكومية سودانية اتهمتها بريطانيا بتمويل الحرب من تجارة الذهب السوداني . وزير الخارجية الجديد ايد ميلبانت في أول خطاب له تكلم عن السلام في العالم وعن الحرب في فلسطين وعن حرب أوكرانيا ولم يذكر حرب السودان أليس هذا شي غريب ؟ اليست هذه نقطة تحول أو نقطة انجذاب نحو محور مختلف ؟
أن السياسة البريطانية تجاه السودان عادت الي فترة الاستعمار فاصبح قادة اليوم يراجعون قراراتهم التي يتخذوها بمقياس الماضي عندما كان السودان مستعمرا فسياسة التعامل مع النخب والبيوتات هي ما تقوم به بريطانيا الان وهذا ليس سعيا لإيقاف الحرب بل تدخل فظ في شؤون الشعب السوداني ومحاولة فرض الحلول التي تراها بريطانيا ومع ذلك بالطبع مراعية لمصالحها التي ليست بالضرورة مشتركة مع السودان بل مع أطراف تربطها مصالح معها .
اجتهدت الخارجية البريطانية أثناء اشتعال هذه الحرب أن تعيد الحياة لتحالف الموز التحالف الشهيرالذي دعم انقلاب البرهان حميدتي في أكتوبر 2021 الانقلاب الذي عطل مسيرة الانتقال الذي أتى بعد ثورة ديسمبر 2018.فلقد كان الاجتهاد واضحا في دعم هذا التحالف الذي ليس له خلاف مع العسكر وهو مؤيد وأعضائه مازالوا حلفاء لحزب المؤتمر الوطني المحلول الذي نكل بالشعب السوداني لثلاثين عاما شهدت عليهم بريطانيا ، نعم بريطانيا هي التي أحيت تحالف الموز وهي التي اهدته لسلطة العسكر ظهيرا لها وهي التي جمعت بين عبدالرحمن الصادق المهدي وجعفر الميرغني متناسية عن عمد التغيرات الجيوسياسية التي حدثت منذ الاستعمار والي الان وآخرها هذه الحرب ذاتها فليس من المعقول أن يكون السودان الآن كما كان في الخمسينات أو الستينات أو حتى قبل ١٥ ابريل 2023 لكن بريطانيا تريده كذلك .
لابد من التأكيد على أن أي جهود صادقة لإنهاء الحرب في السودان هي مكان تقدير وتعظيم من قبل الشعب السوداني وافراده لكن ليس في الخفاء لان من أهم عوامل النجاح الان هي الشفافية وقضايا السودان يجب أن يعلم بها السودانيين الذين هم اجدر بنقاشها وفي غيابهم يغيب عنصر أساسي وتفتقد أي قرارات للدعم الشعبي لذلك تُقبر حيث ولدت .
لا نستطيع ان نكتب أو نقول لقد شاهدنا في مؤتمر ويلتون بارك أو سمعنا من قرارات لانه سري لكن من تسريبات حوله نتاكد من ضبابية الرؤية البريطانية لللاسهام في إيجاد حلول للحرب اذ أن قائمة المدعويين التي تسربت شملت شخصيات تجاوزها الشارع السوداني سوا كان بسبب مواقفها من الثورة أو بضلوعها في الحرب وفي استمرار الحرب لن يوجد من سيصغى لها أو يتبع توصياتها واعتقد جازما أنهم يدركون ذلك .
لن تستطيع بريطانيا تغيير إرادة شعب كامل لكنها ممكن أن تؤثر بشتى الطرق على شريحة من شرائحه النخبوية . بريطانيا تتعمد عدم التعامل المباشر مع القوى السياسية السودانية ولا تسعى للقوى المدنية أن تكون قوية وانما تبحث عن منصات أو تخلق منصات تستطيع هي أن تجمعها وكأنها تلعب الشطرنج وتحركهم كالرقع .
من المؤكد أيضا أن القوى السياسية المدنية في ظل الحروب والدكتاتوريات تُشل حركتها وتتاثر لان آلة الحرب لا تتركها وان قوامها هم من نزحوا وقتلوا وتشردوا وفي حرب السودان .أن احلام وطموحات القوى المدنية المتمثلة في برامجها المتواضعة نحو بناء الدولة المدنية الديمقراطية هي المستهدفة وهي التي يجب أن تُسمع وتدعم وتوفر لها المنصات ليعلو صوت السلام ولا للحرب وليس اصوات البنادق وان أرادت اي جهة أن تدعم فلتدعم القوى الحقيقية قوى السودانيين والمتاثرة بالحرب وويلاتها في معسكرات النزوح في الداخل والخارج الذين يقاومون الحرب في كل لحظة بالاصرار على البقاء على قيد الحياة في وطنهم أو متعلقين به من النساء ووتحديدا الشباب الذين كانوا يشكلون ثروة بشرية كبيرة فاقت ال 60٪ من سكان السودان قبل الحرب.
فالحرب قامت لقطع الطريق أمام الثورة وقفل الطريق أمام التغيير وهذا شي طبيعي لان الثورة دوما تكون مهددا لمصالح المحتمين بالسلطة التي تسهل لهم اكتناز الأموال والثروات وتجعلهم مطية للمطامع الخارجية وللتغول وافتقاد الاستقلالية فهل بريطانيا بلد الديمقراطية مع تلك الأطماع والتوجهات . فمن المعروف أن الحروب والدكتاتوريات هي التي تصنع المجاعات والتخلف وبؤر الإرهاب الذي يصبح مهددا لسلام العالم وتفتح مسارات الهجرة القسرية التي أصبحت تقلق وتورق حكومات اوربا وبريطانيا .
المطلب الأساسي أن قام اي مؤتمر ام لم يقم هو الإيقاف الفوري للحرب في السودان وأن يعمل الجميع لأجل ذلك وان كانت هناك تسوية سوف تفرض على الشعب السوداني يجب أن تتصف ضحايا الحرب وتعوضهم عن خسائرهم المادية والمعنوية والتي من أهمها معاقبة قادة الحرب وكل من ارتكبوا جرائم في حق الشعب السوداني وان يكون ابعاد العسكر عن السياسة غير خاضع للتفاوض وان لا تلوح بريطانيا بإمكانية دعم اي شراكة مع العسكر كما كانت تتبنى من قبل وان يتم حل المليشيات ومصادرة كل الأسلحة في حوزتها .
ويظل الحل الامثل النابع من وحدة برامجية تجمع القوى السودانية التي تقف ضد الحرب واضعة في الاعتبار أن وجود السودان وحمايته من اي تغول هو حد من الحدود العليا التي يجب أن لا يتنازل عنها أي سوداني وهنا تكمن ضرورة وجود القواعد الشعبية في اي خطوة مرتبطة بوقف الحرب والمستقبل السودان .
تجارب السودانيين في التضحيات من أجل وطنهم ومن أجل أسرهم وفي سبيل الارتقاء باوضاعهم وهجرتهم في البحث عن العيش الكريم كفيلة بأن تكون رصيد ثر بحسب لهم في إيجاد الحلول وخلق وطن يحترم التنوع والتعدد لذلك لا يمكن أن يتم إبعادهم أو تجاهلهم وتناقش قضاياهم بمعزل عن وجودهم .
تفرض الشفافية على الحكومة البريطانية أن تكشف عن ما دار في مؤتمر ويلتون وما طرح فيه من قضايا ومساهمات ولتضع في الاعتبار أن أعداد كبيرة من السودانيين المقيمين في بريطانيا لهم حق التصويت والانتخاب ولهم تأثيرهم في المجتمع وايضا يعملون في مجالات مختلفة ويدرسون فتجاهلهم من قبل دوائر اتخاذ القرار في بريطانيا ظل توجه دائم منذ اندلاع الحرب في ابريل 2023 مع تجاهل قوى سياسية كبيرة لها دورها الفاعل واطروحاتها التي لا يمكن تجاهلها .
