مختار العوض موسى
لا تزال شركة السودان للأقطان تتصدر أخبار وسائل التواصل الاجتماعي وأعمدة الصحف، لا سيما بعد استقالة مديرها العام، الفريق دكتور نصر الدين عبد الفتاح، التي أصبحت حديث الرأي العام.
فماذا يدور في دهاليز هذه الشركة؟ ولماذا آثر رئيس مجلس إدارتها الصمت حيال ما يُثار بشأنها؟ ولماذا لم يعلّق على التساؤلات المشروعة التي تبحث عن إجابات؟ ولماذا لم يكلف نفسه عناء كشف الحقائق للرأي العام وتوضيح كل ما يتعلق بالشركة من الألف إلى الياء؟ ألا يستوجب الوضع تدخلاً رسمياً عاجلاً لمعالجة أي اختلالات تعوقها عن تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها؟
لا أتحدث هنا عن ما يُتداول بشأن وجود تجاوزات داخل الشركة، فذلك ليس من اختصاصي، وإنما من صميم اختصاص الجهات العدلية والرقابية المعنية. غير أن من حقي أن أتساءل: هل تواجه الشركة ظروفاً خارجة عن إرادتها حالت دون تحقيق أهدافها الوطنية؟ وهل أسهمت تلك الظروف في إضعاف دورها التاريخي في دعم الاقتصاد الزراعي، وفي تراجع إنتاج “الذهب الأبيض” بمشروع الجزيرة، وما ترتب على ذلك من آثار سالبة على التنمية الزراعية والمسيرة الاقتصادية الوطنية؟
وهل تعاني الشركة من تعقيدات قانونية أو أخطاء إدارية ناجمة عن تعدد الجهات المشرفة عليها؟ وهل يحتاج الأمر إلى إصلاح شامل للأداء المؤسسي؟ وهل توجد نزاعات حول الملكية والإشراف القانوني عليها؟ أم أن القضية تتعلق بإعادة هيكلة مؤسساتها الإدارية واستعادة دورها الطليعي المنتظر في خدمة المنتجين الزراعيين ودعم الاقتصاد الوطني؟
لقد أثارت استقالة الفريق دكتور نصر الدين عبد الفتاح تساؤلات واسعة، لا سيما بعد إشارته في خطاب استقالته إلى “تعارض بعض الأوضاع مع القيم التي يؤمن بها”، من دون أن يكشف عن تفاصيل إضافية. وفي كل الأحوال، فإن هذه الاستقالة لم تكن الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، فقد سبق أن شهدت الشركة تداعيات قانونية معقدة دفعت رئيس المحكمة الدستورية السودانية إلى تقديم استقالته عام 2013 على خلفية نزاع قانوني بين شركتين كانت إحداهما شركة الأقطان.
نعلم جميعاً أن شركة السودان للأقطان تأسست كشركة مساهمة لإدارة وتصدير القطن السوداني، وأن المزارعين في مشاريع الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة يمتلكون الأغلبية العظمى من أسهمها. وقد أشارت تسريبات سابقة إلى أنه عقب صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 2005، جرى استغلال ثغرات قانونية أفقدت الشركة جزءاً من رسالتها الأساسية بوصفها مظلة لخدمة المزارعين ودعم الاقتصاد الوطني، ومع تعثر إدارتها خلال فترات مختلفة أصبحت في وضع لا يسر أحداً، قريباً كان أم بعيداً.
وفي ظل هذه الأوضاع، كان من الطبيعي أن يخرج القطن السوداني خاسراً من البورصات العالمية، وأن تنهار البنية التحتية للمحالج، وأن تفقد آلاف الأسر الزراعية بمشروع الجزيرة أحد أهم مصادر دخلها، علماً بأن المشروع كان يوماً ما داعماً رئيسياً للأمن الغذائي والإنتاج الزراعي في السودان. ويحدث ذلك رغم أن الشركة ليست مؤسسة حكومية بالمعنى التقليدي، إذ إن نحو 75% من أسهمها مملوكة لمزارعين، غالبيتهم من أبناء مشروع الجزيرة.
بداية العلاج
لا بد من التدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فهذه الشركة أصل اقتصادي مهم لا يجوز التفريط فيه بأي حال من الأحوال. ولعل البداية تكون باتخاذ قرارات جريئة لإعادة تشكيل مجلس إدارتها، بحيث يضم خبراء في الاقتصاد والزراعة والتجارة الدولية، مشهوداً لهم بالكفاءة والنزاهة، ويحملون رؤية وطنية لإعادة “الذهب الأبيض” إلى مكانته الطبيعية، مع ضمان تمثيل حقيقي لأبناء المناطق الزراعية.
كما ينبغي العمل على إعادة هيكلة الشركة وتمكينها من العودة إلى دورها التاريخي في خدمة المزارعين والاقتصاد السوداني. فالأزمة ليست أزمة أفراد، وإنما أزمة حوكمة وإدارة وغياب للحسم المؤسسي.
فلنتذكر أن القطن السوداني كان يوماً ما “الذهب الأبيض” الذي أسهم في بناء الاقتصاد الوطني، وكانت عائداته تمثل مورداً رئيساً للعملات الأجنبية، قبل أن يؤدي سوء الإدارة وتراكم الأزمات إلى تراجعه وتكبله بظروف قاهرة تستوجب المواجهة والمعالجة. واليوم، أصبح السودان أحوج ما يكون إلى إعادة إحياء قطاعه الزراعي وإعادته إلى موقعه الطبيعي محركاً للنمو والتنمية.
بناء قطاع القطن
لن تخرج الشركة إلى بر الأمان إلا عبر مشروع وطني متكامل لإعادة بناء قطاع القطن بأكمله، يقوم على عدة محاور أساسية، من أهمها إزالة التحديات التي تكبل عمل الشركة، وتسريع الإجراءات المتعلقة بها، وكشف أي تجاوزات أو أخطاء للرأي العام بكل شفافية، وإجراء مراجعة مستقلة وشاملة لالتزاماتها وديونها وأصولها.
كما يجب أن تكون إدارتها التنفيذية بعيدة عن أي تدخلات تعرقل أداءها، مع تطبيق أنظمة إلكترونية حديثة لإدارة عمليات التمويل والشراء والتصدير، بما يضمن أعلى درجات الكفاءة والشفافية.
ولا قيمة حقيقية للشركة إذا كانت بعيدة عن المنتج السوداني، ولذلك ينبغي ربطها بالمزارع وإنتاجه، وتوفير التمويل الزراعي والتقاوى المحسنة والمدخلات بأسعار مناسبة، وضمان شراء المحصول بأسعار مجزية تشجع المزارعين على العودة إلى زراعة القطن.
كذلك، لا يمكن الحديث عن نهضة القطن من دون إعادة إعمار المشاريع الزراعية الكبرى التي دمرتها الحرب، وفي مقدمتها مشروعا الجزيرة والمناقل، والاستثمار في البنية التحتية للري والتخزين والنقل.
ومن الضروري أيضاً الانتقال بالشركة من مجرد وسيط لتصدير القطن الخام إلى لاعب اقتصادي فاعل في سلسلة القيمة المضافة، وذلك عبر إنشاء أو إعادة تأهيل مصانع الغزل والنسيج والزيوت والأعلاف المستخرجة من مخلفات القطن. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في بيع القطن الخام، وإنما في تصنيعه محلياً وتصديره في صورة منتجات صناعية ذات قيمة مضافة توفر العملات الأجنبية، خاصة أن القطن السوداني يعد من أفضل أنواع القطن طويل التيلة في العالم.
ويمكن للسودان، في هذا الإطار، أن يدخل في شراكات استراتيجية مع المستثمرين الإقليميين والدوليين، مع الحفاظ الكامل على السيادة الوطنية على موارده الزراعية.
خاتمة
يعلّمنا التاريخ أن المؤسسات لا تموت إذا توفرت الإرادة الحكيمة والرؤية الاقتصادية السليمة. فقد أعادت اليابان وألمانيا بناء اقتصاديهما بعد الحرب، وخرجت شركات عالمية عديدة من الإفلاس لتصبح من أكبر المؤسسات الاقتصادية.
واليوم، والسودان يواجه تحديات الحرب وإعادة الإعمار، فإنه أحوج ما يكون إلى إعادة الاعتبار لقطاعاته الإنتاجية. وقد تكون إعادة إحياء شركة السودان للأقطان، على أسس الشفافية والكفاءة والإنتاج الحقيقي، أحد رموز عودة السودان إلى مكانته الاقتصادية.
فلنعمل على إعادة هذه الشركة إلى حضن الأرض والمزارع والصناعة الوطنية، وحينها فقط يمكن أن يعود “الذهب الأبيض” ليسهم فعلياً في نهضة اقتصاد الوطن المنكوب.
والله من وراء القصد.
mokhtaralawad@gmail.com
