كيف لا
منى عبد الفتاح
لم أتعرض لحملة على مستوى اختياراتي الشخصية بقدر ما تعرضت له من إرهاب نفسي ومعنوي من قِبل بنات الجامعة في مسألة ارتدائي للثوب السوداني في حِلّي على المدرجات وترحالي ما بين المكتبة والكافتريات والداخلية . وحيث أنني كنت زميلتهن الوحيدة على الأقل في الكلية التي ترتدي الثوب وتتمسك به فقد رأين في أمر تمسكي هذا خاصة بعد الاندماج وسط مجتمع الجامعة فيه شطط كبير وتمسك غير مبرر “بالتريّف”. هذا ما حدث وحتى الآن فهنا في السعودية مجبرون نحن على ارتداء العباءة والنقاب بأمر القانون، فنطبق القانون احتراماً ولكن في كل سانحة وفرصة كالمناسبات الاجتماعية أجدني ومجموعة كبيرة من السودانيات يحرصن على الظهور بالثوب السوداني بعيداً عن أعين الشرطة الدينية ، داخل الصالات المغلقة ، في تبختر ودلٍّ مزعوم إذ لا يستوي التبختر عندما تُسحب رخصة السماح لك بحرية ارتداء ما تريد أينما تريد ، وتجد نفسك محصوراً بين جدران تحرسها أقفال الحديد لتقول إنني أمارس وطنيتي هنا في دياركم بل في صالاتكم المحكمة الإغلاق. أسعدني أن يكون للثوب السوداني يوم خاص به بمبادرة طيبة من “مجموعة المبادرات النسائية” ، هذه الجمعية التي تعرفت على نشاطاتها مؤخراً من خلال إعلانها عن الاحتفال بيوم الثوب السوداني وهي كما يظهر على موقعها الالكتروني : “مجموعة من النساء تهتم بحقوق وقضايا المرأة في مجالاتها المختلفة ، وتعمل علي الحفاظ علي مكتسبات المرأة وتنميتها و السعي لمعالجة مشاكلها الإجتماعية و الإقتصادية والسياسية.”وليس غريباً أن تكون على رأس هذه المجموعة الدكتورة سعاد إبراهيم عيسى ونائبتها الأستاذة نفيسة أحمد الأمين. لم يكن من ضمن مبرراتي لزميلاتي في التمسك بالثوب لأنه يعبر عن مخزون ثقافي مثلّث الأضلاع يتعانق فيه التاريخ الاجتماعي وهوى النفس وقصص التراث ، وذلك لأنني لم أكن أفكر فيه بهذا الشكل المعقد على الأقل في ذلك الوقت . كل ما في الأمر هو اعتقادي الراسخ بأنني لا أحتاج لأسباب تبرر حبي له . على أن هذا المخزون بروافده المختلفة لا يثقل على إيماني به ، بقدر ما يأتي بعناصر دعم وإغناء لمدى هذا الحب. التركيز على الثوب السوداني في الآونة الأخيرة جاء نتيجة الخوف من اندثاره ،ليس بسبب ظهور أزياء شعبية أخرى من رحم التراث السوداني الزاخر بالجمال ولكن بسبب توجه عام لعبت فيه سوء الأحوال المادية لعموم الشعب السوداني وفرض زي معين على بعض الجامعات دوراً كبيراً .كانت البداية للزي المكون من ثلاثة قطع ، ثم بسؤ الأحوال أكثر وعدم مقدرة أغلبية البنات على مجاراة زميلاتهن في الظهور بواحد وعشرين قطعة أسبوعياً فقد خرجت بعضهن عن هذه المنافسة غير المتكافئة واستعضن عنها بالعباءة العربية وهي معروف عنها عدم ملاءمتها لطقس السودان لا من حيث الخامة ولا اللون وبذا تكون قد جاءت لستر حالة العوز أكثر منها لستر الجسد.ولو كان الثوب يعبر عن جهة أو قبيلة معينة لكان في أمر التمسك به نوع من إعلاء مظهر قبلي خاص على حساب مظاهر أخرى عامة ، ولكنه السائد والموحد لنساء السودان ، فترتديه الجنوبية وسط جسدها وعلى أحد كتفيها كما الشمالية تطوق به كامل جسدها والشرقية على شكل الساري كما نساء الغرب بوضع أوله على الطرف الأيمن وفي هذا التنوع جمال . بقي أن أقول إن هذا الزي الذي أعشقه لهو مثل قداس السحر الذي يطلقه مترنم بحالة تتلبسه ، وكوني سودانية أرتدي الثوب فإن بي حالة من التلبس الدائمة تستعذب هوى نفسي هذا وتفضي عليه بما يمكن أن أسميه مجازاً “بفانتازيا التوب”.
عن صحيفة”الأحداث”
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم