يوسف عيسى عبدالكريم
حين أمسك أبو هريرة رضي الله عنه بالشيطان وهو يسرق من مال الصدقة، توسّل إليه الشيطان و وعده بأنه لن يعود مرة أخرى . صدّقه أبو هريرة وأطلق سراحه . فلما أخبر النبي ﷺ عن القصة قال له النبي (صدقك وهو كذوب) . لم تكن المشكلة في أن الشيطان لم يقل الحقيقة في تلك اللحظة. فقد قال شيئًا صحيحًا، ولذلك صدقه أبو هريرة. لكن النبي ﷺ كان يعرف ما لم يعرفه أبو هريرة في تلك اللحظة كان يعرف أن صدق الكذوب في واقعة لا يجعله صادقًا، وأن الوعد الذي تقوله الحاجة لا يصبح عهدًا لمجرد أنه صيغ بلغة جميلة. وهذه بالضبط هي مشكلة دعوة البرهان القوى المدنية إلى الحوار.
فالبرهان لم يأتي إلى السودانيين بكذبة مكشوفة. بل أتاهم بأجمل الكلمات الحوار، السلام، الحكومة المدنية، الانتخابات، الانتقال، التوافق الوطني وهي كلها كلمات صحيحة في ذاتها. لكن السياسة لا تُقرأ من قاموس الكلمات. السياسة تُقرأ من سجل الأفعال. وسجل البرهان يقول شيئًا آخر.
أول مرة وعد فيها البرهان المدنيون كانت بعد سقوط البشير، لم يكن السودانيين حينها يتحدثون عن خطر عودة الإسلاميين فقط ، ولا عن رفضهم التام لأي سلطة عسكرية دائمة. كان السودان يومها يعيش لحظة ثورة، وكان الشارع يريد دولة مدنية كاملة الدسم . لذا لم يكن امام البرهان خيار سوى الدخول في شراكة مع القوى المدنية، وأُبرمت الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، وقامت سلطة انتقالية مختلطة كان يفترض أن ينتهي الأمر بها إلى انتخابات وتسليم السلطة للمدنيين وفقا لما تواثق عليه الجميع . نعم كان ذلك هو الوعد الأول. وكان البرهان حين وعد بتسليم السلطة في موقع رئيس مجلس السيادة و للتذكير فقط كان ذلك قبل سبع سنوات من الأن .
ثم جاء 25 أكتوبر 2021 وهنا لم يعد الكلام ضروريًا. فقد فعل البرهان ما يكفي. انقلب على الشراكة المدنية، وحل الحكومة، واعتقل القادة المدنيين، وعلّق أجزاء من الوثيقة الدستورية. لكن المفارقة المدهشة أنه لم يقل حينها للسودانيين لقد تراجعت عن وعدي و أريد أن أحكم بل قال شيئًا أكثر براعة سياسيًا قال إنه يفعل ذلك لتصحيح مسار الثورة وإنقاذ الانتقال المدني . هنا بالضبط تظهر طريقة البرهان السياسية لا يتخلى عن الكلمات التي يحبها الناس بل يعيد تعريف أفعاله من داخل الكلمات نفسها : الانقلاب يصبح تصحيحًا . الإقصاء يصبح حماية للانتقال المدني . السيطرة العسكرية تصبح حماية للثورة وهكذا قام البرهان بنقض وعده دون أن يعترف أو يعلن بأنه نقضها .
ثم تغيرت الظروف واشتدت الضغوط الخارجية عليه و احتاج البرهان إلى غطاء سياسي. فعاد مرة أخرى إلى لغة المدنيين فوقع الاتفاق الإطاري , و اعلن حرصه على الحكومة المدنية و الانتقال الديمقراطي واكمال هياكل السلطة المدنية بل ذهب الى الموافقة على إصلاح المؤسسة العسكرية. مرة أخرى، كان الكلام جميلًا. ومرة أخرى كان البرهان يبدو و كأنه يفتح بابًا للمدنيين لكي يلجوا منه و لكنه كان يضع المتاريس في كل جانب .
ثم انفجرت الحرب. و بغض النظر عن من أطلق الطلقة الأولى لم يعد البرهان بحاجة إلى المدنيين وقتها . هنا انكشف جوهر آخر من المعادلة عندما تكون السلطة في حاجة إلى المدنيين، يصبح الحوار فضيلة وعندما تكون في حاجة إلى القوة العسكرية، يصبح الحوار ترفًا. لقد انتقلت البلاد من خطاب الانتقال المدني إلى خطاب معركة الكرامة ومن التوافق السياسي إلى الحسم العسكري. ومن إصلاح المؤسسة العسكرية إلى الجيش هو الدولة. وهنا ينبغي أن نسأل هل تغيرت المبادئ، أم تغيرت الحاجة السياسية؟
والآن و بعد سنوات من الحرب، وبعد أن تغيرت الموازين ، يعود البرهان مرة أخرى ليقول تعالوا إلى الحوار. يا لها من مصادفة! .الحوار يعود في اللحظة التي أصبحت فيها السلطة بحاجة إلى صياغة سياسية للوضع الحالي المبهم . فالحوار عند البرهان لا يظهر كخيار مبدئي ثابت، وإنما يظهر كلما احتاجت السلطة إلى إعادة ترتيب شرعيتها.
في 2019 احتاج إلى الشراكة. فكان مدنيًا.
في 2021 امتلك القوة. فكان عسكريًا.
في 2022 احتاج إلى التوافق فعاد إلى المدنيين.
في الحرب احتاج إلى التعبئة فصار خطاب الحرب هو اللغة السائدة.
وفي 2026، يحتاج إلى صياغة سياسية لما بعد الحرب فعاد الحوار.
هل هذه صدفة؟.
المشكلة ليست في كلمة الحوار فلا أحد عاقل يرفض الحوار. لكن السؤال: أي حوار؟
حوار ينهي الحرب؟ أم حوار يمنح السلطة القائمة شرعية ما بعد الحرب؟
حوار يعيد الجيش إلى موقعه الدستوري؟ أم حوار يعيد تعريف الجيش باعتباره صاحب الوصاية على الدولة؟
حوار تضع القوى المدنية أجندته؟ أم حوار تدخل إليه القوى المدنية وهي مطالبة أولًا بالاعتراف بالأمر الواقع؟
و هنا يصبح الفرق بين الحوار والمناورة السياسية رفيعًا جدًا.
……يتبع
