محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
بين ملامحِ وجهكِ الأسمر الذي حفرت فيه السنونُ أخاديدَ من الصبر وبين بريقِ عينيكِ الذي يأبى أن ينطفئ تكمنُ حكايةُ إنسانٍ يعيشُ مفارقةً شعوريةً مذهلة هي ليست مجرد كآبةٍ عابرة بل هي صراعٌ فلسفيٌ خفيّ بين نوعين من الشجن حزنٌ قديمٌ ونبيل ورثناه كابراً عن كابر، وحزنٌ جديد غريب الملامح بارد القسمات يطرقُ أبواب الروح بلا استئذان.
الحزنُ النبيل إرثُ الأرضِ وهويّةُ الروح
الحزنُ القديم في حياتنا “يا زولة” ليس عدواً إنه ذاك “الحزن النبيل” الذي غنّاه المبدعون واستوطن الوجدان السوداني الصادق. هو حزنٌ يشبه طمي النيل؛ ثقيلٌ لكنه واهبٌ للحياة هذا الحزن يمتاز بالأنفة فهو لا يكسر الظهر بل يصقل المعدن
إنه الحزنُ الذي يأتي من فقدِ عزيزٍ غادرَ بكرامة أو من حنينٍ لزمنٍ كانت فيه القلوبُ بيوتاً مفتوحة هو “حزنٌ مُفسّر” نعرفُ أسبابه ونحترمُ قدسيته فصار جزءاً من كينونتنا و نرتديه كالثوبِ السوداني الأصيل؛ يسترُ أوجاعنا ويمنحنا هيبةً لا يعرفها المترفون. في كنف هذا الحزن كبرتِ أنتِ وتعلمتِ كيف تحولين الدمعة إلى دعاء، واللوعة إلى أغنية “حقيبة” تشفي الصدور.
الحزنُ الجديد وحشةُ الغربةِ وتيهُ المعنى
لكن ثمة ضيفٌ ثقيلٌ بدأ يتسلل إلى الزوايا؛ إنه الحزن الجديد. هذا الحزن لا يشبهنا إنه حزن “اللا انتماء” و”الشتات”. هو الأسى الذي تفرضه سرعةُ العالم الرقمي وخرابُ المدن، وضجيجُ الصمت في الغربة.
هذا الحزن “غير نبيل” لأنه يفتقر إلى السكينة؛ هو حزنٌ قلق و مشتت، ومجردٌ من الجذور إنه الوجع الذي تشعرين به حين تجدين نفسكِ غريبةً وسط الزحام أو حين تكتشفين أن “القديم” الذي كنتِ تستندين إليه قد تآكلت أطرافه بفعل رياح التغيير العاتية. الحزن الجديد يسرق منكِ القدرة على التأمل ويترككِ في مواجهة مع الفراغ لا مع الذكريات.
“أنتِ يا زولة”جسرُ العبورِ بين زمنين
وعندما أهتفُ “أنتِ يا زولة” فإني أنادي فيكِ تلك الكيمياء السحرية التي تجمع النقيضين أنتِ لستِ مجرد شاهدة على هذا الصراع بل أنتِ “المختبر” الذي ينصهر فيه الوجع القديم بالجديد ليخرج لنا “صموداً” قلّ نظيره.
أنتِ التي تحملين في يدكِ اليمنى سبحة الجدات (رمز الحزن القديم المستكين للقدر) وفي يسراكِ هاتفكِ الذي ينقل لكِ أخبار الدمار والرحيل (رمز الحزن الجديد المتفجر بالأسئلة) أنتِ التي تدركين بفطرتكِ العميقة أنَّ الحزن القديم هو الذي يحميكِ من السقوط في هاوية الحزن الجديد؛ فمن كان له “أصلٌ في الوجع” لا تذروه رياحُ العدم.
“الحزنُ القديمُ هو الوتد والحزنُ الجديدُ هو الريح والروحُ القوية هي التي تتأرجحُ ولا تنقطع.”
كبرياءُ الانكسارِ المضيء
بين الحزنين تظلين أنتِ الثابت الوحيد “يا زولة” و إنَّ فلسفة الحياة لا تكمن في التطهر من الحزن بل في انتقاء نوع الحزن الذي يليق بنا.
إن كان لابد من الألم فليكن ألماً نبيلاً يورثنا الحكمة لا شجناً غريباً يورثنا الشتات و تمسكي بقديمكِ النبيل فهو الدرعُ الذي يقي قلبكِ من صقيع الحداثة ووحشةِ الطرقات الجديدة ففي نهاية الأمر نحن لا نشفى من أحزاننا بل نكبرُ بها ولأجلها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم