تأمُلات
كمال الهِدَي
منذ الساعات الأولى لانقلاب البرهان على حكومة الثورة، بدأنا نسمع عن تشكّل اللجان الدولية لمعالجة أزمة السودان، ففرحنا وهللنا، وما انفك كثيرون منا يرددون العبارات المحفوظة ذاتها: “العالم لم يعد يقبل بالانقلابات العسكرية” ، و”موقع السودان وأهميته الجغرافية تفرضان واقعاً مختلفاً”، إلى آخره.
والمؤسف أنه حتى الساسة فات عليهم أن من يتغطى بما يسمونه “المجتمع الدولي” عريان؛ لذلك كان من المفترض، ومنذ أيام اعتصام القيادة، ألا نراهن سوى على قدرتنا كشعب، وأن نسعى إلى فرض إرادتنا.
لكن ذلك لم يحدث، وظللنا كشعب، ومعظم القوى السياسية المناهضة لحكم الكيزان، نكرر أخطاء الاعتماد على الآخرين، وننتظر منهم دعماً لم ولن يأتي، وإن انطبقت السماء على الأرض.
ثم اندلعت هذه الحرب اللعينة، واستمرت قوى الثورة في النهج الخاطئ ذاته، بالتركيز على العالم الخارجي أكثر من تركيزها على الداخل، ومحاولة سد الثغرات وحشد رأي عام داخلي جامع ضد الحرب.
واليوم، وبعد أن خسرنا ما خسرناه من أرواح ومنشآت وموارد وممتلكات، لا تزال “صمود” تصر على رهانها الخاسر.
بدأ الحديث عن حوار الداخل، الذي شُكلت له لجنة من أكاديميين وإعلاميين لا يهمهم الشأن العام في شيء، وإن تظاهروا بغير ذلك. وما زالت قوى الثورة تعول على رفض المجتمع الدولي للحوار الأحادي قبل وقف الحرب.
ثم جاءت مباركة الأفارقة لهذا الحوار، لتصدر “صمود” بيان شجب. وقبل أن يجف حبر ذلك البيان، سمعنا عن مباركة جامعة الدول العربية لذات حوار الطرشان، ولا يزال موقف “صمود” هو الشجب؛ وكأن قوى ثورتنا الحية قد ورثت عن هذه الجامعة العربية نهج بيانات الشجب والإدانة التي ظللنا نتابعها منذ أن تعلمنا المشي، دون أن تقتل بياناتهم ذبابة.
هل نعتقد نحن، كسودانيين، أن الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية يتحركان دون ضوء أخضر من هذا” المجتمع الدولي” المفترض؟ أم ماذا؟
الأقرب أن يكتمل الحوار، وأن ينقسم السودان للمرة الثانية، فهناك في نيالا يتحدثون عن تشكيل جيش جديد.
أما من يتوهمون أن قلم (الكاتب الشبح) الذي يكتب لقائد مجموعة “البراؤون” لا يستطيع أن يمحو كل ما ارتُكب من جرائم، عليهم أن يفيقوا من أحلامهم، فهذا المجتمع الدولي مستعد لفعل كل ما ترونه غير ممكن .
يوشك كل ذلك على الحدوث، ونحن لا نزال نحتفي بخطب حمدوك، ومقالات بابكر فيصل، وتصريحات جعفر حسن.
وأمامكم شرع سوريا، يا قوم. فقد نسوا له كل تاريخه الداعشي الطويل، وعندما حانت لحظة إزاحة الطاغية الأسد، لم يأبه هذا المجتمع الدولي بمختلف أطياف المعارضة السورية التي ظلت تجوب عواصم العالم لتسليط الضوء على جرائم بشار، التي لم تكن تحتاج إلى رفع الضوء أصلاً. لكنهم نسوا أهم شيء: التفاف الداخل حول جسم واحد يحظى بدعم غالبية أفراد الشعب.
ولذلك، عندما استوت طبخة إزاحة الأسد، جرى تجميل صورة الشرع، وألبسوه بدلة أنيقة، ونُصب رئيساً.
فهل ما زلنا نرى أن السودان حالة خاصة، وأن سواد عيوننا الشديد سيجذب أمريكا والغرب لكي يتعاملوا مع ملف السودان بصورة مختلفة، ويرأفوا بحال شعبنا، ويسعوا إلى نهضتنا؟!
الحقوا أنفسكم يا صموديين، وابتكروا قليلاً، عسى أن تجدوا مخرجًا. فلم يبقَ الكثير.
