صورة الشيخ وحديث الصورة … بقلم: منى عبد الفتاح


كيف لا

كان أهله يسمونه الخضر وجرى بين الناس أن فيه شيءٌ من الصلاح . لم تذكر له أي من الكرامات بيد أنه لم يحدّث الناس منذ مولده فاجتمعت هذه الأشتات ليعتقد الناس أن فيه شيء من سيرة نبي الله الذي نبأ صاحبه بما لم يستطع عليه صبرا . لا شيء مميز في سيرته غير القبول الذي يلقاه عند الجميع دون أدنى سبب محسوس ، فهو لا يتفاعل مع الآخرين ، لا يحدثهم ولا يستجيب لما يطلبونه منه ، أو لا يفهم حقاً ما يجري من حوله .شخص عادي جداً ، يوجد من يشبهه في كل قرية ، يسطر حوله الناس الأساطير ويصدقونها ، لا لشيء إلا لأنه لا يستطيع رد ما ينسجونه حوله من قصص وحكايات ما أنزل الله بها من سلطان .
 جالت قصته بذاكرتي وبالأخص حكايته مع الصور ، فقد شاع أنه من  المستحيل أخذ صورة له ، لأنه حسب ظن الناس رجل صالح ولا تظهر صورته أبداً وفي الغالب تفسد الصورة الخاصة به من ضمن مجموعة الصور الأخرى. هكذا قطع الناس بمجرد اعتقاد ،لم يجرؤ أحد أن يخضعه لأي بحث أو منطق أو حتى تكرار التجربة.لم يعش الرجل حتى يصل إلى الأسماع أنه يمكن تصوير أي شيء حتى الأجسام والكائنات الغريبة كالأشباح التي يمكن تصويرها بطريقة التعريض المضاعف أو حتى بمجرد انعكاسات الظلال وأشباه الوجوه المرسومة كما جاء في تحليل علم النفس للظاهرة . كما أن الرجل لم يسعد بمرحلة التصوير الرقمي ليدحض ذاك الاعتقاد فكان نصيبه صورة محروقة واحدة من كاميرا كوداك التقليدية.
 استدعيت هذه القصة عندما طالعت إعلان نفي وتحذير في صحيفة "الأحداث" . كان الإعلان في المرة الأولى من دون صورة مرفقة يحذر من مغبة الاعتقاد في أن للشيخ التوم ود بانقا صورة . وأنه يجب عدم التعامل مع صور وزعت للشيخ داخل وخارج السودان . إلى هنا ويمكن التعامل مع الإعلان التحذيري من منطلق قانوني حيث أن توزيع صورة ما لشخص غير صورته الحقيقية يعتبر انتحالاً للشخصية وتزييف للحقيقة . ولكن جاء الإعلان في المرة الثانية مصحوباً بالصورة المزعومة ويقول : " أن ولي الله الغوث الكامل الشيخ التوم ود بانقا لم تؤخذ له صورة مطلقاً . وما نقل من أوصافه بالتواتر أو المشاهدة المباشرة مخالف لهذه الصورة المنشورة الآن ، كما نرجو عدم التعامل مع هذه الصورة المصاحبة لهذا الإعلان " . لم ينته الإعلان وإنما ختم بتحذير عدم نشر أي مادة أو صورة دون الرجوع لمقام الشيخ  وخليفته بمنطقة سنار.
من هنا يمكن أن ينحرف الفهم إلى أن المادة المنشورة هي أكثر من تحذير من انتحال شخصية ، وإنما يمكن أن تلمس فيها شيء من التقديس لذات الإنسان الفانية . المطلوب من إعلان كهذا مهما علا مقام صاحبه نفي التعامل مع الصور المزورة وليس التركيز على  أن الشيخ لم تؤخذ له صورة مطلقاً . هذا النفي القاطع بعدم وجود صورة في الأصل للشيخ لا يخدم الحق المراد الدفاع عنه ولكنه يضع هالة من القدسية على شخصية الشيخ كونه لم يستطع أحد تصويره وكأن بالأمر معجزة  أو كرامة ما.
 شوشني هذا الإعلان وقد يكون فعل بكثير من القراء . فهل المقصود بالصورة شيء أكثر مما نعرفه عن أنها مجرد "جزء مقتطع من الواقع بشروط بصرية وفراغية مستقاة من علم الرسم ، سُلّط عليه الضوء فثبته على مواد فوتوغرافية ؟" وهل هذه هي الصورة التي حرمّها السلفيون وأباحها العلماء المحدثون عندما تم أخذ حديث ابن عباس في ظرفه الزماني لتدرك الأمة أن حديث الصور في ذلك العهد كان في حداثة الإسلام وخروج المجتمع آنذاك من ظلام عبادة الأصنام إلى نور الإسلام .
عن صحيفة "الأحداث"

moaney [moaney15@yahoo.com]

عن منى عبد الفتاح

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً