عبد الفتاح البرهان ومملكة “كوش التوراتية” وعصر الحقائق البديلة

بقلم د. عثمان عابدين عثمان

استشهاد الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة بمصطلح “كوش التوراتية” في خطابه في صحيفة وول ستريت جورنال أثار تساؤلات عن حقيقة المصطلح وكيفية استخدام النصوص المقدسة في أطر سرديات تاريخية. لذلك، كان لا بد من تحليل ذلك الخطاب في مدى توافقه أو انحرافه مع حقائق التاريخ التي يدّعي تمثيلها.

في الواقع، لا تدين مملكة كوش بأي شيء للسرديات التوراتية لكونها حضارة قائمة بذاتها تجذرت في وادي النيل العريض بأصوله الضاربة في القدم. فظهور مملكة كوش سبق الحضارة التوراتية اليهودية بآلاف السنين. فحين كانت مملكة كوش قائمة بحلول عام ألفين وخمسمائة عام، كان أقدم سرديات الكتاب العبري (العهد القديم) في رحم غيب زمن حبل بها لمدة ألف وخمسمائة ألف عام.

هذا إذا لم نأخذ في الاعتبار حضارات “ما قبل العهد الكوشي” التي ازدهرت، قبل خمسين ألف عام، على طول امتداد “وادي النيل الأوسط” (النوبة العليا ومصر السفلى). فحينها قام كيان ثقافة الخورميسان من قبل حوالي اثنين وأربعين ألف عام ومنذ حوالي اثنين وعشرين ألف عام، بزغت الثقافة الكوبانية. أما ثقافات البداريين ونقادة وكرمة المبكرة في تعايشت في زمن تجاوز الخمسة والأربعين ألف عام.

في قصة النسب التوراتية، كان كوش ابن حام، ابن نوح، وشقيق مصريام، وفوط، وكنعان. كتب تيتوس فلافيوس جوزيفوس، المؤرخ الروماني اليهودي من القرن الأول، في عمله “آثار اليهود”:” بالنسبة لأبناء حام الأربعة، لم يتجاوز الزمن اسم كوش في الأحوال كلهم؛ لأن الإثيوبيين الذين كان يحكمهم سموا أنفسهم الكوشيين؛ لأن سفر التكوين التوراتي وصف كوش بأنه ابن حام، جدّ شعب كوش. كذلك يشير الأنبياء إشعياء وإرميا وحزقيال جميعًا إلى كوش ككيان سياسي مُلهم ومستقل بذاته.

تروي أسطورة النسب اليهودية أن النبي موسى قاد حملة عسكرية إلى كوش ووصل بها إلى مروي، المعروفة آنذاك باسم سبأ، وهي مدينة حضرية بُنيت على ملتقى نهرين عظيمين، مُحاطة بسور شامخ، ويحكمها ملك جبار. لكن النبي موسى أغرى ابنة الملك، فسلمته مفاتيح المدينة بشرط أن يُدخل عليها بقسمٌ مُقدّس.

لا شكّ في أنّ التطور الاجتماعي والسياسي لوادي النيل القديم، كغيره من الحضارات القديمة، كان سعيًا مُعقّدًا نحو الغزو والسلطة والسيطرة. ففي عهد الفراعنة بِايي، وشَبَكَة، وشِبِتكو، وطَهَارَقَا، وُحِّدَت ممالك كوش تحت تاج وادي النيل الأعلى والأسفل، وبسطت نفوذها حتى أراضي يهودا وفلسطين.

في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد حينما قامت الإمبراطورية الآشورية بحملات واسعة لإعادة رسم خريطة الشرق الأدنى نظرت ممالك اليهود إلى الكوشيين – المعروفين “برماة الحدق” لحنكتهم في رمي السهام – حليفا قويًا يؤازرهم ضد المعتدي الأشوري. وفي ذلك تبقى حقيقةٌ أنّ الممالك الكوشية أدت دورًا محوريًا في الدفاع عن ممالك كمت في أسافل وادي النيل المُعرّضة دائما لهجوم الغازي الأجنبي.

هذا التقارب العسكري بين الكوشيين واليهود ذكرٌ محفوظٌ في الرواية التوراتية، التي تقول أن “تهارقا، ملك كوش”، تقدّم نحو مدينة القدس المحاصرة من قِبل القائد الآشوري سنحاريب. الأحرى أن العلاقة بين الكوشيين واليهود كانت أعمق من كونها ضرورة عند بروز المصلحة، لكونها جزءًا من عالم متشابك من التفاعل والتبادل الثقافي بين حضارتين متمايزتين تواجهان خطرا ومصيرا مشتركاً.

على مر العصور تعرضت الحضارة الكوشية، التي هي بالضرورة أفريقية سوداء في الأصل، لتشويه وتحريف متعمد واسع، بدءًا من التغريب والتمصير، وليس نهاية بالتعريب والأسلمة. والآن، في عصر ما بعد الحقيقة تواجه الحضارة الكوشية هجومًا جديدًا بأدوات عصر المعرفة الرقمية المتعدد الأوجه.

منذ بداية الحرب في السودان، شنًّ الإسلاميون حملةً دعاية كاذبة تفتقر لأبسط قواعد الأخلاق تهدف إلى إلقاء اللوم على القوى المدنية بتأجيج حربٍ من صنع أيديهم سعيًا وراء سلطة صعب عليهم فصامها. ذهب الإسلاميون في شعيهم الكذوب مذهبا وصفوا فيه ربيبهم الدعم السريع، الذي أرضعوه من شطر دولتهم الفاسدة، بالتمرد الذي يقوده مرتزقة أجانب. استحضار الجنرال البرهان لـ”كوش التوراتية” ليس إلا امتدادا لدعاية الإسلاميين الفطيرة التي تسعى جاهدةً لخداع العالم بواقع افتراضي يتوهمون أنه سينطلي على التيار الإنجيلي في الإدارة الأمريكية ويبرر إضفاء شرعية على سلطة استولى عليها بانقلاب عسكري.

الاستناد إلى رواية دينية عوضا عن سرد تاريخي يستند إلى أدلة مادية لا يُبسط التفاعلات الاجتماعية والسياسية المعقدة فحسب، بل يُخاطر بتحويل المواضيع اللاهوتية إلى أدوات فاعلة في فقاعة التضليل الإعلامي السائدة على حاضر وسائل التواصل الاجتماعي.

في سياق معرفة التاريخ، تكمن قيمة السرد اللاهوتي في كونه يكون قريبا من أحداث المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي. لكن رواية التاريخ من منظور ديني بحت ينطوي على خطر فرض سردية من شأنها إعطاء صورة مشوهة عن الماضي لاحتوائها على أحكام ثابته، مسبقة، لا تتماشى مع حركة التاريخ الدائمة التحول والتحور والتغيير. لذلك ينبغي فهم النصوص التاريخية الدينية كمصادر ثانوية من الذاكرة الجماعية للشعوب التي يجب فهمها وتفسيرها في إطار الأدلة المادية لشواهد التاريخ.

عثمان عابدين عثمان

30/11/2025

osmanabdin@gmail.com

عن د. عثمان عابدين عثمان

شاهد أيضاً

أيدلوجيا الدين: المعرفة والفنون ومعضلة الشرك والتجسيد الإلهي

بقلم: د. عثمان عابدين عثمان تمثال لوفينمخك (الرجل الأسد) المنحوت من العاج في شكل إنسان …