على أطلال “قصر الشوق” عندما يغدو الهجران وطناً والوفاء صلاة

محمد صالح محمد
في عتمة المسافات التي تفصل بين جسدين وتجمع بين روحين تولد لغة لا يفهمها إلا من كابدت عيناه سهاد الانتظار هناك حيث يرتطم الحنين بجدران الغياب نجد أنفسنا نبني قلاعاً من ذكريات ونغرس في فيافي الهجر صبراً لا ينفد ليس استسلاماً للقدر بل إيماناً بأن الحب الحقيقي لا يعرف “النهاية”.

بنيان الريد قصرٌ لا تطاله رياح الصد …
بينما يختار الآخرون هدم المعبد عند أول بوادر الجفاء يبرز المحب الوفي ليبني “قصر الشوق” من جديد و هي لغة التحدي التي صاغها الوجدان السوداني في أروع تجلياته؛ فإذا قرر الحبيب “الصد” قرر المحب “البناء” ليس الطوب والأسمنت ما يرفع هذا الصرح بل “غلاوة الريد” التي تجعل القصر عصياً على الانهدام.

إنه إعلان صريح بأن العهد باقٍ وأن تلك الجدران التي شُيدت بالضحكات والأماني لا يمكن أن يذروها هجرٌ عابر ففي كل “صدّة” حبيب هناك “ردّة” حنين أقوى وأبقى.

رزنامة الانتظار عدّ الأيام وصبر القلوب …
ما أقسى تلك اللحظات التي يتحول فيها الزمن إلى عدو! نقعد “نحسب في المدة” وتمر الأيام ثقيلة كأنها دهور لكن في هذا الوجع ثمة طمأنينة خفية تهمس “أهي الأيام بتتعدّى… ونرجع تاني لا بد”.
هو يقين المؤمن بالحب الذي يقسم بـ “عمرٍ قضاه” أن الارتداد عن هذا العشق ضربٌ من المحال فالانتظار هنا ليس سكوناً بل هو ثورة صامتة ضد النسيان كلما حاول القلب أن يجرّب الهروب إلى شواطئ السلوى وجد الشوق يمتد كالمدّ والجزر يكتسح كل محاولات التناسي ويعيده إلى نقطة الصفر نقطة الحبيب.

حلم اللقاء حين تتعانق العيون والأيدي …
يبقى الأمل هو القنديل المعلق في سقف ذلك القصر المهجور حلم “العين تلاقي العين” واللمسة الدافئة هو الوقود الذي يجعل القلب يصمد أمام أبواب “الريدة” حتى وإن سُدّت.

إنها حيرة المحب المحببة “يا ربي إيه جدّ؟” سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يبحث عن مخرج للعودة فمهما طال ليل الهجر يظل ذاك الماضي يثور ويتحدى و يرفض أن يصبح مجرد “كان” بل يصرّ أن يكون “سيكون”.

إن الهجر ليس غياباً للمحب بل هو اختبار لعظمة الحب فينا فمن استطاع أن يبني قصراً من الشوق في مهب ريح الجفاء هو وحده من يستحق أن تطأ قدماه أرض اللقاء غداً.

نبضٌ لا يغادر العتبات …
وفي آخر المطاف يظل “قصر الشوق” محراباً لا يدخله إلا العشاق الصابرون حيث تذوب الساعات في كؤوس الانتظار ندرك أن الهجر لم يكن يوماً قادراً على محو ملامح الوجوه التي استوطنت الروح و سنظل على العهد نحسب الأيام كحبات سبحةٍ لا تنتهي نرقب الباب الموصد بيقين العائد ونهمس للماضي كلما ثار في صدورنا “صبراً… فما جفّت مآقينا إلا لتزهر في لقاءٍ لا تدمعه الفراق” فيا قصر الشوق كن ملاذنا ويا غلاوة الريد كوني وتدنا فما نحن إلا مسافرون في محطة “الرجا” واللقاء وإن طال آتٍ لا محالة.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

حينما توقفت “فلسفتي” عند عتبة “أنت زول ساي”

محمد صالح محمدفي ليلةٍ رمضانيةٍ مبللةٍ برذاذ الطمأنينة وعقب صلاة التراويح التي تركت في النفوس …