محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
ليس الوداع هو ما يؤلم فالحياة رحلة من المحطات التي نلوّح فيها للمسافرين كل يوم. لكن الوجع الحقيقي ذاك الذي يترك ندبةً غائرة في جدار الروح و هو أن تنتهي تلك الرحلة الطويلة بكل ما فيها من تفاصيل دافئة ووعودٍ ظنناها أبدية بلغةٍ باردة لا تشبهنا وبجفاءٍ لم يكن يوماً في قاموس لقاءاتنا.
لقد عشنا دهراً نؤمن بأن الحب قلعة لا تُهدم وأن العِشرة سياجٌ يحمينا من غدر الأيام تقاسمنا رغيف الحلم وسكبنا في كؤوس بعضنا البعض أسرارنا، وضعفنا، وقوتنا كانت أعيننا تقرأ ما لم تنطقه الألسن وكانت قلوبنا تنبض على إيقاعٍ واحد فكيف هان كل ذلك البناء حتى استحال ركاماً من الصمت؟
إن أقسى ما يواجهه المرء ليس فقدان من يحب بل أن يرى ذاك الحبيب يتحول إلى “غريب” يرتدي معطفاً من الجليد. الجفاء ليس مجرد غياب بل هو حضورٌ ممتلئ بالصدّ و هو رسالة صامتة تقول “كل ما كان بيننا لم يعد يكفي لابتسامة عابرة”.
لقد فتشتُ في دفاتر ذكرياتنا و قلبتُ صفحات الضحكات والمواقف التي بكينا فيها معاً وتساءلتُ بمرارة أين ضاع ذاك الحنان؟ وكيف أمكن لليد التي كانت تلمس جراحي لتشفيها أن تزرع اليوم في صدري خنجر الإهمال؟
كنتُ أتوقع كل شيء؛ كنتُ أتوقع أن نختلف و أن نبتعد قليلاً لنشتاق وأن نعاتب بحدة المحبين، وحتى أن نفترق بدموعٍ تحفظ للودّ حرمته لكنني لم أتوقع يوماً ولا في أسوأ كوابيسي أن يكون آخر مطافنا جفاءً يمحو أثر الأقدام ويجعل من سيرتنا مجرد حكاية منسية في زوايا الغبار.
هذا الجفاء هو القتل الرحيم لكل جميلٍ عشناه وهو أن تقف على الضفة الأخرى تنظر إليّ وكأنك لم تعرفني يوماً، وكأن أسماءنا لم تُكتب يوماً بحبر الوفاء على ورق العمر.
ربما كان الجفاء هو طريقتهم في إعلان النهاية لأنهم لا يملكون شجاعة المواجهة أو ربما هو انسحاب الروح التي استنزفت كل طاقتها. لكن ومهما كانت الأسباب يظل السؤال ينهش صمت الليل هل كنا نستحق هذه النهاية الباردة بعد كل ذلك الغليان من العاطفة؟
في ختام هذا المطاف لا يسعني إلا أن ألملم ما تبقى من كرامة قلبي، وأمضي. فالذي ارتضى لنا الجفاء ختاماً لم يدرك أبداً أن القلوب التي تحب بصدق تستحق حتى في وداعها لمسة حنين.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم