عندما تصبح القبلية جسرا لوحدة الوطن

مختار العوض موسى

ضجت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بمواساة مختلف القبائل السودانية وتعازيها لأسرة محمد أحمد كيكل في الحادث المأساوي الذي تعرضت له بطائرة مسيرة في الثاني من مايو ٢٠٢٦م؛ والذي أسفر عن استشهاد ١٣ من الأسرة منهم عزام كيكل ومحمد كيكل وأبناء أبوعبيدة كيكل.
هذه المشاركة الوجدانية لم ولن تكون غريبة على أبناء القبائل السودانية المتآلف أفرادها مع بعضهم البعض؛ فلولا إعلان أبو عاقلة كيكل بأن مراسم العزاء تنتهي مع الفراغ من تشييع الشهداء لظل أبناء هذه القبائل يتوافدون إلى أسرة آل كيكل خلال شهور رغم ظروف الحرب.
في بلادي ٥٠٠ مجموعة عرقية تتحدث مئات اللغات واللهجات؛ منها ٧٠ % مجموعات عربية و٣٠ % مجموعات أفريقية؛ ولعلنا هنا نتساءل :
_ هل يمكن أن تتحول القبلية إلى جسر لتعزيز وحدة الوطن خصوصا في خضم الأزمات العاصفة التي تمر به؟ _ كيف يمكن إعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي أنهكته الحرب، وأثقلته الانقسامات، ومزقته صراعات الهوية والانتماء؟.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه كثيرون بإدانة القبلية بوصفها أحد أسباب هذا التمزق، يغيب سؤال أكثر عمقاً:
__ هل يمكن تحويل القبلية من عبء يهدد الدولة إلى رافعة تعزز وحدتها؟

ما دفعني لطرح الأسئلة أعلاه هو أن القبيلة في السودان ليست مجرد انتماء ضيق، بل هي إطار اجتماعي متجذر، ظل لعقود طويلة يقوم بأدوار تتجاوز الدولة نفسها، من حفظ الأمن المحلي إلى حل النزاعات وتنظيم العلاقات الاجتماعية؛ تجاهل هذا الواقع أو محاولة القفز فوقه لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانفصال بين الدولة والمجتمع؛ لكن في المقابل، فإن ترك القبلية دون توجيه وطني رشيد يجعلها قابلة للتحول إلى أداة صراع خطيرة، كما أثبتت تجارب السنوات الماضية في البلاد.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة، لا تقوم على إلغاء القبلية ولا على تكريسها، بل على إعادة تموضعها وتوظيفها في سياق وطني جامع؛ ولعل إحدى أهم الآليات لتحقيق ذلك هي الدعوة إلى مؤتمر وطني جامع يضم ممثلي القبائل السودانية، إلى جانب القوى الحية من شباب ونساء ومجتمع مدني، ليس بهدف إعادة إنتاج الاصطفافات القبلية، بل لتحويلها إلى منصة للحوار الوطني الصادق الفاعل؛ منصة تضع مصلحة الوطن في قمة الأولويات.

فكرة هذا المؤتمر لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة للمحاصصة القبلية أو شرعنة للانقسامات، بل كخطوة انتقالية ذكية تعترف بواقع المجتمع، وتسعى إلى نقله تدريجياً نحو أفق أرحب، يكون فيه الانتماء للوطن هو المظلة الكبرى التي تستوعب كل الانتماءات الأخرى. فالقبيلة، حين تُحسن إدارتها، يمكن أن تكون جسراً للثقة، وقناة للتواصل، وأداة للمصالحة، لا معولاً للهدم.

غير أن نجاح مثل هذا المؤتمر مرهون بشروط حاسمة؛ أولها وضوح الهدف: الانتقال من الولاء القبلي إلى الولاء الوطني، لا العكس. وثانيها تنوع التمثيل، بحيث لا يُختزل السودان في شيوخ القبائل وحدهم، بل تُعطى المساحة الحقيقية للأجيال الجديدة والنساء والكفاءات القادرة على صياغة مستقبل مختلف. وثالثها ارتباط مخرجات المؤتمر بمشروع وطني شامل، يتضمن ميثاقاً يجرّم خطاب الكراهية، ويؤسس لعدالة في توزيع الموارد، ويضع آليات فعالة لاحتواء النزاعات قبل أن تتحول إلى حروب.

كما أن التجارب الإقليمية والدولية تعلمنا أن أخطر ما يمكن أن ينجم عن مثل هذه المبادرات هو الانزلاق نحو ترسيخ المحاصصة، حيث تتحول القبيلة من مكون اجتماعي إلى وحدة سياسية تقاسم السلطة، فتُشل الدولة وتُقيد مؤسساتها. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على تثبيت التوازنات القبلية، بل على تجاوزها عبر بناء دولة القانون التي يتساوى فيها الجميع.

السودان اليوم لا يحتاج إلى إنكار ذاته، بل إلى إعادة اكتشافها. يحتاج إلى مشروع وطني شجاع يعترف بتنوعه، ويُحسن إدارته، ويعيد توجيه طاقاته نحو البناء لا الصراع. وفي هذا السياق، يمكن لمؤتمر جامع من هذا النوع أن يكون بداية الطريق، لا نهايته؛ خطوة أولى في مسار طويل نحو وطن يتسع للجميع.

فالوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوة، ولا تُصنع بالشعارات، بل تُبنى بالحوار، وتُصان بالعدالة، وتترسخ حين يشعر كل فرد، مهما كان انتماؤه، أن هذا الوطن يمثله ويحميه ويمنحه فرصته العادلة في الحياة الكريمة.

mokhtaralawad@gmail.com

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

بين الغربة والوفاء: المغترب السوداني حين يكون سندًا لا يُخذل

مختار العوض موسى في لحظات الشدة والألم والحاجة، لا يُقاس الإنسان بما يملك من عقارات …