عنقاءُ النّيل …في فلسفةِ البعثِ السُّودانيّ

محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com

في ميثولوجيا الإغريق ثمّة طائرٌ يرفضُ التلاشي؛ يختارُ أن يحترق ليعيد صياغة وجوده من الرماد لكن في جغرافيا النيل وتحديداً في تلك الأرض السّمراء التي تتوسد التاريخ يبدو أن “الفينيق” ليس مجرد أسطورة عابرة بل هو الكود الوراثي للشخصية السودانية.
ليست علاقة السوداني بالفينيق علاقة استعارةٍ أدبية فحسب بل هي حالة وجودية فالسودان عبر تاريخه الممتد لم يعرف “الموت السريري” يوماً بل كان دائماً في حالة “مخاضٍ دائري” كلما ظنّ العالم أن الحريق قد أتى على هشيم الروح في هذه الأرض أطلّ السوداني من بين الركام نافضاً غبار الفجيعة ليغزل من خيوط الشمس ثوباً جديداً للحياة.
إنّ الرقيّ الذي يطبع علاقة السوداني بهذا الكائن الأسطوري يتجلى في “أدب الانكسار” السوداني لا ينكسر بضجيج؛ بل يحترق في صمتٍ مهيب كبخور “التيمان” الذي يملأ الفضاء عبيراً بينما هو يتآكل هذا الصبر ليس استسلاماً بل هو مرحلة “الاحتضان” التي تسبق الوثبة إنها القدرة العجيبة على تحويل النكبة إلى طاقةٍ بانية وهو ما يجعل الفينيق يبدو سودانياً في ملامحه صبوراً في احتراقه وجسوراً في عودته.
إذا كان الفينيق يبعث من ناره فإن السوداني يبعث من نيله ومن ترابه إنها علاقة التجدد السرمدي فبرغم القسوة التي تفرضها التحولات السياسية والاجتماعية يبقى ذاك “الجوهر” السوداني عصياً على الفناء. هو ذاته الكبرياء الذي يمنع هذا الطائر من الاستجداء فيختار أن يصنع من احتراقه مشهداً للجمال ومن رماده جسراً للعبور نحو الأمل.
“نحنُ شعبٌ إذا حاصرته الظلمة استسلفَ ضوءاً من أحشائه ليضيء الطريق”
إنّ الرهان اليوم ليس على بقاء السودان كخارطة بل على بقاء تلك “الروح الفينيقية” التي تسكن إنسانه فمهما اشتدت ألسنة اللهب يظل السوداني مؤمناً بأن الرماد ليس نهاية القصة بل هو التربة الخصبة لزهرة “الكنداكة” القادمة ولعزة النفس التي لا تشيخ.
سيبقى السوداني كالفينيق يكتبُ تاريخه بالاحتراق ويقرأه بالانبعاث.

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

تحت ركام الذاكرة… أنتِ نبضٌ يأبى التفحم

محمد صالح محمدتتصاعدُ أعمدةُ الدخان لتطمس ملامح السماء وتتشقق الأرضُ تحت وطأة الحديد والنار حتى …