عود علي بدء ؟! تأملات في تحولات النظام الدولي عبر الحقب!

abuasim.khidir@gmail.com

الدكتور الخضر هارون
ما العودة وإلي أي مبتدأ؟
العودة إلي بدايات النظام القديم الذي حكم العالم قبل تأسيس منظمة الأمم المتحدة بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية في العام 1945. والعالم حتي قيام الحرب العالمية الأولي في ١٩١٤ كان كأنه أوروبا وحدها وربما امتداداتها في مستوطنات العالم الجديد في استراليا ونيوزيلندا وفي أمريكا الشمالية وأما أجزاء المعمورة في آسيا وإفريقيا وفي الكاريبي في أمريكا الوسطي والجنوبية كانت تعج بالبشر لكنها كانت تغط في نوم عميق يسمع لها شخير فقد كانت في نظر أوروبا غفلا ومستودعات ضخمة لاحتياجات شعوب ذلك العالم الذي أشرنا إليه آنفا . لم يكن ذلك اختيار الجنوب لنفسه ولكن كانت غلبة القوي علي الضعيف. هل كان هناك نظاما يحدد العلاقة بين دول أوروبا؟ كانت اتفاقيا ويستفاليا قد أقرت وجود الدولة- الأمة أو القطرية كحل للإمبراطوريات التي ما فتأت تتقاتل باسم المذهبية المسيحية ، كاثوليك وبروتستانت وكافانيين. أوقفت الاتفاقية حرب الثلاثين عاماً. ومع قدوم عصر التنوير تلاشي الدين كعامل من عوامل الحرب لكن حلت عوامل أخري محله في تأجيج الصراعات واشعال الحروب . في البداية أدت تجارة الرقيق البغيضة عبر الأطلنطي إلي توفير الأيدي العاملة المجانية لإنتاج السكر والقطن وبالتالي جلب إثراء فاحش لدول أوروبا عبر مستعمراتها هناك فاشتد التنافس بين الدول الأوربية واشتعلت الحروب مجدداً : إسبانيا ضد بريطانيا ،فرنسا وألمانيا علي الراس واللورين روسيا وتركيا العثمانية . بعد ذلك جاءت الثورة الصناعية إلتي احتاجت للمواد الأولية فكان التكالب علي افريقيا واستعمارها . هذه الأجواء جعلت توازن القوي هو الوصفة الوحيدة للعلاقات الدولية فكانت الاتفاقات السرية بين الدول تثير الشكوك وتتسبب في نشوب الحروب إلي أن جاء الرئيس الأمريكي ويدرو ويلسون إلي مؤتمر الصلح بعد الحرب العالمية الأولي بتوصياته ال١٤ وبموجبها أسست عصبة الأمم وهدفها كان بناء العلاقات الدولية علي قانون تقره الدول وتلتزم به وتجاوز نظام توازن القوي بالتحالفات الثنائية بين الدول او الكتل أهم مافيه باتفاق امريكا وروسيا جعل الاتفاقات بين الدول علنية لا تكتسب مشروعية إلا بإدراجها في عصبة الأمم درأ للشكوك المسببة للحروب .وانتقلت هذه المادة لاحقا للأم المتحدة بعد تكوينها بعد الحرب العالمية الثانية ومن هنا ولد النظام الدولي الجديد الذي هدف لجعل تلك الحرب العالمية آخر الحروب بقوانينه ومؤسساته وموظفيه الدوليين وبأبهته وصولجاناته فقد ظل المقدس الوحيد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إذ أريد له بعد تلك الحرب أن يجعلها آخر الحروب العالمية وأن يمسك بخطام النظام العالمي في المجالات كافة وجعل له من صنعوه ، الحلفاء بريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا والصين ( كانت الصين الوطنية تايوان ثم انتقل الحق للصين الشعبية )الذين انتصروا علي دول المحور ، ألمانيا ، إيطاليا واليابان ، محكمة لفض النزاعات بين الدول ومؤسسات تضبط حركة النقد الدولية وتنظم اقتصادات الدول ومنظمة لتنظيم التجارة بين الدول وفي ذلك خير وصلاح لأنه يمنع الاحتكاكات المفضية للحروب لكنه منقوص لأنه ورغم عيوبه التي لا تحصي ظل حصنا يلجأ اليه المستضعفون لكن عيبه الأكبر أن جعل اولئك الحلفاء فوق الناس أجمعين بما عرف بحق النقض. فلكل واحد من هؤلاء الخمسة الكبار ( أمريكا روسيا فرنسا وبريطانيا والصين )أن ينقض رأي البقية ورغم أنهم ليسوا سواء من حيث القوة والتأثير إلا أنهم في مجلس الأمن سواء في هذا الحق . ذلك الحق الجائر ونأسف فلا ينبغي أن يجتمع الحق والجور في عبارة واحدة، كان ثلمة في نظام معوج لا يعامل الناس بالسوية منذ أن قام لكنه مع ذلك حافظ علي السلام العالمي لثمانية عقود تخللتها حروبات لم تشمل العالم كله ، ومثّل مرجعية في عدم جواز الحرب علي بلد إلا بموافقة مجلس الأمن الدولي ، الجهاز التنفيذي للأمم المتحدة وحرّم التدخل في شؤونها الداخلية أي أنه حافظ علي مبدأ سيادتها ، وقدم خيرا في مجالات الصحة العامة ومقاومة الأوبئة وقنن قوانين الملاحة الجوية والبحرية وخلق فضاءات في مجالات التعليم وغيرها. لقد كان أعضاء هذه الأسرة الدوليه في ٢٦ يونيو ١٩٤٥ عندما تأسست منظمة الأمم المتحده وتم التوقيع علي ميثاقها في سانفرانسيسكو في الولايات المتحدة، خمسين دولة مستقلة، أصبحت اليوم ١٩٣ دولة وكان الأحري أن تتسع المنظمة لهذا التوسع لاستيعاب هذه القفزة من التغييرات الجوهرية في العالم لكن الكبار ( كنكشوا) كما نقول في العامية أي تشبثوا بحق النقض وشاءوا ألا يشركوا الملايين التي تضاعفت منذ يوم التأسيس. وامتلكوا السلاح النووي الفتاك وجربوه في الصحاري القفر والمحيطات بما أحدث خللا وفسادا في المناخ ثم حرموا امتلاكه علي غيرهم مثل حق النقض . وإمعانا في المنع كونوا منظمة تمنع انتشاره في تمييز فاضح لا يقره شرع سليم. ولو كان العالم بأجمعه رجلا لقلت كيف ينام الحر علي ضيم؟!.
ثم تلاحقت الكتوف وتطورت دول أخري وعلت أصواتها تطالب بتوسيع المنظمة الدولية وبحت أصواتها دون جدوي فتجمعوا في تجمعات تخرجهم من سطوة الخمسة الكبار فكانت البركس. ثم جأر بالشكوى رئيس وزراء كندا بتسلط الكبار وبخلل النظام الدولي غير العادل وطالب الدول الوسيطة بأن تجمعوا فصفقت له حتي أوروبا !
أمريكا تراقب ذلك بعين منكرة وكانت في مرات سابقات قد تجاوزت المنظمة والآن لما رأت من ثقل قيود نظام دولي ساهمت أكثر من غيرها في صنعه وكانت قد خرقته بحروب لم توافق المنظمة عليها كحرب العراق وجعلت دولة واحدة هي إسرائيل فوق القانون الدولي باستخدام حق النقض لحمايتها واستعانت بعقوبات أحادية تفرضها هي علي من تراهم مخالفين لارادتها ومصالحها بسيطرة عملتها الدولار ( البترو دولار )علي النظام المصرفي العالمي فتلحق ضررا بليغا في حياوات وصحة فقراء العالم . وتلك مخالفة بينة للقانون . والآن تضيق أمريكا ذرعاً بالنظام الذي ساهمت في صنعه بنفسها كما تقدم :النظام الليبرالي الديمقراطي العالمي ، ورأته بتحالفات أطلت برؤوسها وبدت تظهر في العلن وبهمسات في الغرف المغلقة تحدث عن محاولات للافتكاك من قسوة التبعية التي ضاق الناس بها ورغبوا في زوالها بالالتفاف علي الأقل عليهاً وعلي نظامها هذا النظام الدولي الذي تجاوز سن الشيخوخة إلي ما يشبه الخرف ، فعجلت أمريكا نفسها فخرجت عليه الآن ومزقته شر ممزق وبدت كمن صاح بأعلي صوته ؛ ” يا جماعة لقد انتهت اللعبة : بلوا رؤوسكم أيها المستظلون بدوحة القوانين الدولية التي كنا أعظم من ساهم في صنعها فأوان الحلاقة بالموس بصابون أو بغيره قد حل فاليوم أنت يا فلان وغدا أنت يا علان”. وتنتظر الضحية كما كان يفعل ضحايا التتار في بغداد حتي تسن المدي وتطرق السيوف للحز السريع للرقاب! فيا أسفاً علي دنيا عظيمة تبدو بناياتها العاليات الشاهقات في اليابسة وأساطيلها في المحيطات كالأعلام تكون بتلك الهشاشة حين ينفرط عقد النظام فيها ويحلم بعض الكبار فيها بفوضى خلاقة تعيد ترتيب الأمور من جديد لصالحهم في تثبيت الطغيان والسطوة محلهما علي نحو من الأنحاء. وليس من صفات الفوضي أن تكون خلاقة إلا لمن نفدت حيلته وطاش صوابه وتراخت عزيمته من صنع الفعل الآمن السليم فما من فوضي صنعت خيراً اللهم إلا أن يكون صناع الفوضي يرغبون في أن تفضي لمزيد من سطوتهم علي الأنام أجمعين بالاستحواذ علي ثرواتهم واغتيال القوي الحية المقاومة في مجتمعاتهم حتي يستسلم الجميع ويرضون بمجرد أن يقتاتوا كالنبات والحشائش.
وعِبر التاريخ تدلنا علي أن الناس ، كل الناس ظلوا علي مدار التاريخ لا يستكينون فأنبغ ما يميز الإنسان هو هذا العناد النبيل. كيف تخلصت هذه الشعوب المستضعفة من الاستعمار وهو يمتلك وحده البارود القاتل والملونون في بقاع الأرض لا يملكون سوي السهام والعصي وما شابه من الأدوات.
وبعد صمت القذائف المحرقة ولعلعات الذخائر المميتة ، سيصطف الصغار أيضاً في صفوف لا تهاب الموت تملأ الفضاء مثلما فعلوا في تجمعات آسيا وافريقيا وعدم الانحياز وغيرها . وقد تدب الحياة في المنظمات الاقليمية فتصبح فعالة تحمي الذمار وتصون الأوطان لا دمي كعرائس الشمع كما هي الآن .والناس موقنون بضرورة وجود منظمة في عالم تداخل تداخلا غير مسبوق يفرض التعاون بين مكوناته لضبط إيقاع الحياة الدولية في كنف أسرة دولية لا امتيازات فيها لأحد بل الجميع الصغير والكبير سواسية كأسنان المشط وسيكون أول ضحاياه حق النقض حيث سيتم إصرار الضعفاء ومتوسطة القوي والثراء من الدول بأن تؤخذ القرارت الملزمة فيها في الجمعية العمومية لا في كابينة تخصص للكبار . وقد كتب الأكاديمي البرازيلي (بدرا أبراموف) تحت عنوان صراع النفاقان :”أمريكا تتخلي عن تمظهرات بنظام دولي عادل لكن المواطنين علي نطاق العالم يطالبون به. ” أراد بالنفاقين ،نفاق النظام الدولي الراهن والذي يتظاهر نفاقا بالعدل والديمقراطية ونفاق آخر تتبناه الادارة الأمريكية الحالية يتباهي بالقوة والإكراه ويفضل الأول لأنه قابل للمراجعة . ويقول إن مظاهر التمرد علي الإكراه قد بدأت في الظهور فمثلا عندما فرض ترامب ضرائب باهظة علي الهند وفقا لاتفاق معها ، ثار ضدها المزارعون الذين تضرروا في معاشهم وانتشرت الإضرابات والمواجهات العنيفة واتهم رئيس الوزراء بالاستسلام . وساق شواهد أخري .وتتواتر أخبار بأن إيران تشترط لفتح مضيق هرمز أن تكون العملة الوحيدة المعتمدة في بيع وشراء النفط هي الوان الصيني . ومن شواهد المقاومة للإكراه ساق حكاية بلده البرازيل كشاهد علي ذلك عندما فرض ترامب عقوبات علي القضاء البرازيلي لوقف محاكمة الرئيس السابق صديقه في البرازيل فرفض الرئيس الحالي لولا وقف المحاكمات وطالب بتوسيع مجلس الأمن ورفض الانضمام لمجلس السلام الذي اقترحه ترامب بديلا للامم المتحده وطالب أن يضم إليه الفلسطينون كشرط للانضمام إليه .وهاهي أسبانيا تطالب بصراحة علي لسان حكومتها بإلغاء حق النقض . وظني أن النظام العادل الذي تطالب به الشعوب سيطالب بالتخلص من السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل وإن لم يتم التخلص من السلاح النووي ستتم المطالبة بأن تكون حيازته مكفولة لكل دولة كضمانة لدوام أمنها وحفاظا علي ثرواتها تحقيقا لمبدأ العدالة .و كما قال مالكولم اكس مرة ” الحرية أما أن تكون للجميع أو أن لا ينعم بها أحد.” الحرب المشتعلة في الشرق الآن كما كانوا يسمونه ،قد تصنع متنفسا وحرية كاملة للصغار الضعفاء لا مزيدا من هيمنة الكبار المتغطرسين كما أرادوا أو ربما التف الناس حول القوي الوسيطة الصاعدة عودة إلي الممارسة السابقة المسماة بتوازن القوي التي أسهب هنري كيسنجر في تفصيلها في سفره الضخم ” الدبلوماسية ” والتي كانت سمة النظام العالمي قبل الذي نشهد ضعفه وهزاله وربما موته هذه الأيام ،يساعد علي ذلك أن كلمة حلفاء حتي في أوروبا قد فقدت معناها إذ لم تعد تغني عن أعضائها شيئا فوجدوا أنفسهم بين المطرقة والسندان. ذلك قد يجعل سعيهم مع الآخرين في ايجاد نظام دولي أكثر عدلاً وعند إذن تعرّف العظمة فيه بقوة التمسك الصارم بقوانين اللعبة لا بإبراز العضلات المفتولة. قال المتنبي يمدح سيف الدولة ويمتدح مهابته التي تغنيه عن خوض المعاول بالمقاتلين :
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت
لك المهابة ما لا تصنع البهم!
وتلك مهابة أمضي من قوة الأبطال والجيوش. يقول الفيلسوف الأمريكي كورنل ويست إن قوة التفوق الأخلاقي هي القوة الحقيقية. كانت تلك أمنيات بعض أمنيات الأمريكان : جعل أمريكا مدينة متلألئة في قمة التل كمثال للدولة المرجوة. ومن مظاهر العودة للبدء ظهور تطرف ديني يكره الآخر المختلف وتطلع لحرب أرقادون ، المعركة الفاصلة والنهائية بين الخير والشر ونظريات مؤامرة الاستبدال العظيم التي تقول بمؤامرة تقوم علي جلب الملونين لأمريكا لاستبدال البيض المسيحيين بالملونين بكل الألوان ومن الغريب أن يصاحب ذلك رفضاً صارخا لتمسك الآخرين بمعتقداتهم!
هذه التغيرات الإيجابية المحققة للعدل العالمي قد تحدث من بين الأنقاض والجراحات إن لم يقع المعبد علي رؤوس الجميع بتفجير نووي لا قدر الله، يجعل البدء للحياة عصرا حجريا جديداً.

عن الخضر هارون

الخضر هارون

شاهد أيضاً

السودان في عيده السبعين بحاجة لبعض الإنصاف وقليل من جلد الذات!

الدكتور الخضر هارونالانعطافات الحادة في تأريخ الشعوب والدول المتسببة في وقوع الكوارث والمحن ,تستوجب وقفات …