غرف الطوارئ: حين يستقل المجتمع عن الحرب
في حربٍ انقسم فيها المجال العام السوداني بين قوتين مسلحتين تتنازعان السلطة، ظهرت غرف الطوارئ السودانية كظاهرة مختلفة في طبيعتها ووظيفتها. فهي لم تنشأ للوصول إلى السلطة، ولم تدخل الحرب بحثاً عن موقع في المعادلة السياسية، وإنما نشأت من حاجة المجتمع إلى حماية نفسه عندما انهارت مؤسسات الدولة وتوقفت الخدمات الأساسية.
لكن أهم ما يميزها ليس نشاطها الإنساني وحده، بل استقلالها عن طرفي الحرب.
فغرف الطوارئ ليست ذراعاً للقوات المسلحة، ولا امتداداً لقوات الدعم السريع، ولا واجهة لحزب سياسي. وقد أعلنت بعض غرفها صراحة رفضها ربطها بأي فصيل أو تحالف عسكري، مؤكدة أن وظيفتها تنحصر في العمل الإنساني. كما أن متطوعيها تعرضوا للاستهداف والاعتقال والتهديد خاصة من قبل جيش الاسلاميين، وهو ما يجعل استقلالها أكثر من مجرد شعار.
وهنا ينبغي التمييز بين الاستقلال الإنساني والاستقلال السياسي.
الحياد بالنسبة لغرف الطوارئ ليس موقفاً أخلاقياً مجرداً يمكن اختياره أو التخلي عنه؛ إنه شرط لوجودها واستمرار عملها. فإذا انحازت الغرفة إلى أحد طرفي الحرب، فإنها تفقد قدرتها على الوصول إلى المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الطرف الآخر، وقد تعرض المتطوعين والمستفيدين للخطر. ولهذا تشير الدراسات التي تناولت تجربتها إلى أن العاملين فيها يرون الابتعاد عن الاصطفاف السياسي والعسكري ضرورة لاستمرار تقديم المساعدة.
بل إن المفارقة أن بعض أعضاء غرف الطوارئ لهم جذور في لجان المقاومة والحركة الديمقراطية، ومع ذلك لم تتحول غرف الطوارئ نفسها إلى كيانات حزبية. فوجود أشخاص ذوي مواقف سياسية داخلها لا يجعلها، بالضرورة، مؤسسة سياسية؛ إذ تظل وظيفتها المعلنة خدمة المدنيين دون تمييز.
وهنا يظهر الفرق مع الأحزاب والقوى السياسية التي اجتمعت تحت مظلة تحالف صمود.
من حق هذه القوى أن تتبنى موقفاً سياسياً مستقلاً عن طرفي الحرب، بل إن «صمود» أعلن بالفعل أنه لا ينحاز لأي من الطرفين وأنه يسعى إلى حل سياسي سلمي. لكن هذا الاستقلال لا يمكن أن يُقاس بالمعيار نفسه الذي نقيس به استقلال غرف الطوارئ؛ لأن «صمود» تحالف سياسي له مشروع سياسي ورؤية للدولة والانتقال والعدالة والعلاقة بين القوى السياسية. ولذلك فإن موقفه من الحرب، ومن أطرافها، ومن مستقبل السلطة، يظل موقفاً سياسياً قابلاً للنقاش والمساءلة، وليس مجرد حياد إنساني.
وهذا هو الفارق الجوهري.
غرف الطوارئ تحتاج إلى الاستقلال لكي تستطيع أن تخدم الجميع؛ أما القوى السياسية فتحتاج إلى الاستقلال لكي تستطيع أن تتبنى مشروعاً سياسياً خاصاً بها. بل كان المطلوب منها فتح قنوات التواصل والحوار مع الطرفين المتقانلين خاصة تحالف نأسيس الذى ظل يبدى استعداده للتفاوض اجل وقف الحرب وذلك بعكس جيش الاسلاميين الذى تنادي قيادته بضرورة استمرار حرب اسموها حرب كرامة مع انها اكبر كارثة حلت بالشعب واهانت كرامته فى تاريخ السودان الحديث.
لذلك فإن استقلال غرف الطوارئ يبدو أكثر وضوحاً عندما نضعه في سياق الممارسة: فهي تعمل في مناطق مختلفة، وتتعامل مع المدنيين تحت سيطرة أطراف متباينة، وترفض أن تتحول إلى أداة لأي منها. أما الأحزاب والقوى السياسية، مهما أعلنت استقلالها عن طرفي الحرب، فإنها تظل جزءاً من الصراع السياسي بحكم طبيعتها ومشروعاتها ومواقفها.
وهذا لا يعني أن «صمود» طرف في الحرب أو أنه يساوي بينه وبين طرفي القتال؛ وإنما يعني ببساطة أن الاستقلال السياسي لتحالف سياسي يحتاج إلى إثبات نفسه عبر مواقفه وممارسته، بينما الاستقلال الإنساني لغرف الطوارئ تفرضه طبيعة المهمة التي تقوم بها، وقد أثبتته أيضاً المخاطر التي تعرض لها متطوعوها من الجانبين.
ومن هنا تكتسب تجربة غرف الطوارئ دلالة أوسع من الإغاثة.
ففي الوقت الذي يحاول فيه السلاح احتكار المجال العام، تحافظ غرف الطوارئ على مساحة مستقلة للمجتمع. إنها لا تنافس المتحاربين على السلطة، وإنما تنازعهم على شيء أكثر أساسية: حق المجتمع في ألا يتحول إلى تابع للحرب.
ولهذا فإن تكريمها، إن حدث، لن يكون تكريماً لطرف سياسي سوداني، بل اعترافاً بقيمة العمل المدني المستقل؛ بالإنسان الذي يطعم الجائع، ويعالج المريض، وينقذ النازح، دون أن يطلب منه أولاً أن يحدد ولاءه العسكري أو السياسي.
فالقيمة السياسية الأعمق لغرف الطوارئ أنها لا تمارس السياسة للوصول إلى السلطة، وإنما تحمي المجتمع من أن تبتلعه السياسة حين تتحول إلى حرب.
طلعت محمد الطيب
