فاطمة احمد البشير (الريلة) ترجلت بصمت 1924 2026 (1) محمد صالح عبدالله يس بقلوبٍ مثقلةٍ بالحزن وعيونٍ مغرورقة بالدموع، ونفوس أوجعتها لوعة الفقد نقف اليوم أمام رحيل امرأة عظيمة امرأة لم تكن فردا عاديا في حياتنا بل كانت وطنا من الحنان والجمال وظلا من الرحمة متكا وركنا من أركان المحبة والسكينة والجمال رحلت اليوم جارتنا وخالتنا وأمنا وسيدة مجالس نساء اكدادة فرحل معها شيءٌ جميل من هذا الزمان وانطفأ برحيلها مصباح كان يضيء بيوتا كثيرا ويبعث الدفء في القلوب كلما حضرت ويزرع الطمأنينة في النفوس كلما تكلمت ونطقت كانت عندما تتحدث تبذ القائلين ببلاغتها ووفصاحتها ومقدرتها العظيمة في التعبير والحكمة فقد كانت بمثابة عظيم سنار ودتكتوك في بيانها وحكمتها ومقاربتها للامثولات والعناوين تنسج المعرفة والحكمة بخيوط من ضؤء مثلما تنسج بابرة الكرشية ملاءاتها ومفارشها كيف لا وهي التي علمت فتيات امكدادة الخياطة بابرة الكرشية ودونكم فتحية محمد بابكر وفوزية محمد الزاكي وحواء محمد ابكر وقد ذكرت لي خالتنا فتحية ان خالتنا الريلة كانت تدعوها الاستاذة زهراء الدخيري مديرة المدرسة في حصة التدبير المدرسي لتدرب التلميذات والمعلمات علي خياطة الكورشية التي اشتهرت بها بنات مدرسة امكدادة واحيانا عندما تغيب لطارئ ويحبسها حابس ان توصي المعلمات ان يستعينن بفاطمة الزاكي صالح التي هي الاخري ماهرة وحاذقة في مهنة نبي الله ادريس الذي علمه الله اياها رحلت الريلة لكنها لم ترحل من الذاكرة ولن ترحل من الدعاء، ولن يغيب صوتها عن مسامعنا ولا ملامحها عن أعيننا ولا سيرتها العطرة عن مجالسنا كيف ترحل من كانت للأهل حضنا وللصغار أما وللكبار سندا وللناس جميعا عنوانا للخير والكرم والمروءة.

لقد كتب الله عليها أن تواجه الحياة مبكراً بثوب الترمل في زمنٍ كانت فيه المحن تكسر أقوى الرجال لكنها لم تنحنِ ولم تستسلم ولم تسمح للحزن أن يهزمها حملت أمانة أبنائها الثمانية على كتفيها، وسارت بها وحدها في دروبٍ شاقة مليئة بالتعب والقلق والسهر والحرمان كم سهرت من الليالي الطويلة بينما الناس نيام في قهوتها التي هي احدي العناوين البارزة في امكدادة كانت قهوتها مضيفة وفندق ومطعم ومنتجع للمسافرين والمقيمين وعندما يمتلاء المكان بالمسافرين كانت تستقبلهم في بيتها وتكرم وفادتهم وكم أخفت دموعها حتى لا يراها أبناؤها ضعيفة وعلي الرغم ان اعمام ابنائها كانو من ذوي النوال والسعة الا انها لم تنكسر امامهم ظلت ثابتة تعتمد علي مواردها التي تتحصل عليها من كد جبينها فربت ابنائها افضل تربية ولوكان هناك ام تستحق التكريم فهي الريلة ولو كانت لدينا نظام اجتماعي ودولة مسئولة لصنعوا لها تمثالا مع الخالدين ولكنا ونحن كما قال لي احد الاصدقاء ان دولتنا هي دولة المستهبلين فكم تعبت من اجلهم ليرتاحوا وكم صبرت ليكبروا مرفوعي الرأس. جعلت من قلبها بيتا ومستقرا لهم ومن عمرها جسرا عبروا عليه إلى مستقبلهم حتى إذا كبروا صاروا رجالاً ونساء يُشهد لهم بالمكانة والنجاح وأعلاما في المجتمع يحملون في أخلاقهم أثر تربيتها وفي وجوههم نور دعواتها وفي نجاحهم قصة كفاحها الطويل فما كان مجدهم إلا بعض جميلها وما كان نبوغهم إلا ثمرة صبرها الريلة كانت سيدة المجالس بحق إذا دخلت مجلساً هابها الناس وأحبوها وإذا تحدثت أنصت الجميع لحكمتها التي لاتخطئ وإذا ابتسمت انفرجت الوجوه وتطامنت الاسارير وانفرجت وإذا غابت شعر الناس أن المكان موحش من بعدها كانت امرأةً من ذلك الطراز النادر الذي لا يتكرر كثيرا واليوم ونحن نودعها نشعر أن الكلمات عاجزة وأن الحزن أكبر من أن يقال وأن الدموع أصدق من كل الخطب انني اليوم فقدت وجها الفته منذ نعومة اظفاري وصوتاً أحببته وقلبا كان يفيض علينا حنانا ورحمة لم انسي حنائها الذي وضعته في يدي انا واخي بابكر في يوم ختاننا لم انسي سبحة اليسر التي البستنية في يوم سبوعنا وسيرتنا وانني الان اشم رائحة الضريرة التي ضمخت بها شعري في تلك الامسية ذات الطقوس الفرعونية ويالها من سيرة ومهرجانا للفرح (السيرة مرقت عصر عريسنا قطع جرايد النخل ) كانت فاطمة الريلة ماهرة بفن الطبخ عندما تجلس في المناسبات الرسمية والاجتماعية في امكدادة كانت تشرف علي صناعة الطعام وتشرف قدور المناسبة وتقوم بتوجية الفتيات بوضع المقادير المناسبة لكل قدرة فهي المايسترو والشيف الذي يمنح الفتيات شهادة الجودة والبراءة للطبيخ بل بعد الانتهاء والفراغ منه كانت تشرف علي ترتيب اواني السفرة وتشكيلها ورصها وترتيبها واخراجها بالطريقة الصحية فهي فنانة تخصصت في ترتيب الاشياء وتنظيمها وكانت لا تجامل ولاتتساهل في اخطاء الطبيخ الذي تعتقد انه عنوان للفتاة ومستقبل نجاحها في بيتها لكن عزاءنا أنها لم تعش لنفسها يوما بل عاشت للآخرين وأنها غادرت الدنيا وقد تركت خلفها سيرةً بيضاء، وذريةً صالحة، ومحبةً واسعة في قلوب الناس. ومن عاش كذلك لا يموت، بل يبقى حيا في الأثر والذكر والدعاء نسأل الله الرحمن الرحيم أن يرحمها رحمةً تليق بصفاء قلبها وأن يجعل قبرها نورا وفسحة وسلاما وأن يبدلها داراً خيراً من دارها وأهلاً خيراً من أهلها وأن يجزيها عن كل دمعةٍ أخفتهاوكل تعبٍ تحملته وكل ليلة سهرتها، وكل لحظةٍ أفنتها في سبيل أبنائها خير الجزاء اللهم اربط على قلوب أبنائها وأهلها ومحبيها، فإن الفقد موجع، والفراغ بعدها كبير، ولا حول ولا قوة إلا بك إنا لله وإنا إليه راجعون رحمكِ الله يا خالتنا وأمّنا، يا من صنعتِ من الصبر تاريخاً، ومن الحنان حياةً، ومن الألم مجداً لا يزول. سنبكيكِ كثيراً، وسنذكركِ أكثر وسيظل مكانكِ في القلوب عامراً ما بقي فينا نفس تذكرت اليوم باب منزلها وتذكرت شجرة تمر الهندي التي تمايلت اوراقها وهي تداعب الرمل الكثيب وتذكرت قصيدة جبران التي يقول فيها لاتسأل الدارَعمّن كانَ يسكُنها *البابُ يخبرُ أن القومَ قد رحلوا ياطارقَ البابِ رفقاًحينَ تطرُقهُ *فإنهُ لم يعُد في الدارِ أصحابُ تفرقوا في دُروبِ الأرضِ وانتثروا كأنهُ لم يكُن انسٌ وأحبابُ أرحم يديك فمافي الدارِ من أحدٍلا ترجُ رداً فأهلُ الودِ قد رحلوا ولترحم الدار لا توقظ مواجعها للدورِ روحٌ. كما للناسِ أرواحُ ولنا بقية
ms.yaseen5@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم