زرياب عوض الكريم
مثّل إنتقال (جمهورية 1956) في السُودان الحديث ، كدولة إستقلال إستيطاني حديثة settler independence ، كانت مهمتها في فرض نموذج القومية العربية في مجال إفريقي من خلال إستبعاد السكان الأصليين وحرمانهم من الإستقلال الوطني native independence.
تقتضي أن ترفض تاريخياً ، التحول الدستوري إلى (دولة وطنية طبيعية) و (تشاركية ديمقراطية) ، أي إلى (دولة إفريقية) . تستند إلى حكم الأغلبيات الإثنية السياسية المالكة للأرض والسيادة في الريف السُوداني.
إنتقالتها من واجهة الحُكم المدني إلى الحكم العسكري (الدولة البريتوريانية) مبكراً. مجرد تحوُّل من تلقي الفاشية وإكتساب التوحُش إلى ((فائض إنتاج الفاشية)).
يُمثل عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن ، صورة نموذجية للضابط الشمالي (هكذا يقتضي الوصف) ، الذي تتمحور عقيدته العسكرية في قمع وإلغاء الآخر السُوداني (الذي تمثله مجتمعات المناطق المُغلقة).
المهدد لأوحادية الهوية الشمالية (الممثلة لمجتمعات المناطق المفتوحة) ، أو الخاضعة للغزو الإستعماري سابقاً.
كهوية مُحاربة وإقصائية لا تحتمل التعدد والتنافس الهوياتي ولا تستوعبه بذرائع ثقافية (القومية المدنية) أو اقتصادية مثل إستعادة نمط الإنتاج الآسيوي.
militant nationalism.
القومية الإستيطانية ، هي البديل الكولونيالي عن تدمير البنيات الإجتماعية والإقتصادية التقليدية لمجتمعات ما قبل الإستعمار ، ومع ذلك تاخذ شكلاً ماقبل ويستفالي للسلطة والدولة.
مثل الشكل الكوربراتي السلطوي (الكوربوقراطية) والبداوة السياسية والبداوة النفطية والأناركية والدولة الرخوة soft state. التي تعجز في صيغتها الأصلية عن شن حروب قومية إستردادوية Irrentda wars ، أو حروب إنتقامية revanchist wars.
العقيدة السياسية لنُخبة الاقلية الشمالية في السُلطة تاريخياً ، كانت هي (ثأر الجلابة) خلال القرن التاسع عشر او إعادة كتابة سردية المهدية معكوساً.
( إستعداء الآخر السوداني الذي يمثل الأهالي والسكان الأصليين وحتى الأقليات الوافدة حديثاً مع الإستعمار الأوربي والإستماتة في إجتثاثه).
هؤلاء الإمبرياليين المقهورين ، في الأصل ، رفضوا تاريخياً مفهوم الدولة الوطنية متعددة الهويات او بناء مؤسساتها ، لأن ذلك سيؤدي للقضاء على وجودهم (فوق الدستوري) في شرق السُودان الكبير او الشمال النوبي ، بحسب تجربتهم الإجتماعية مع (المهدية) 1885/1898.
وتشكلت هويتهم الإصطناعية تاريخياً في القرن الخامس عشر، كهويات اقليات وطنية منشقة عن الأغلبيات المالكة للأرض والسيادة التاريخية في الريف السوداني. منذ الضغط والغزو المملوكي الاخير.
الفارق الكبير بين هؤلاء الملونيين (الجلابة والجنجويد ) و(البوير الأمريكيين) إن شئت ، هو قدرة الثورة الأمريكية ، كثورة إستيطانية غير وطنية رفعت راية الإصلاح الديني وتأسست على مقتضياته (هيمنة البروتستانت والقومية البروتستانتية) في أمريكا.
قُدرتها على تجاوز تناقضاتها الأساسية (ثنائية المستوطنين / الأصليين) أو مسألة الحقوق والمواطنة والديموقراطية للجميع ما يسمى التناقُض الأمريكي , the american dielmma ، لمواجهة الإحتلال البريطاني والفرنسي بالترتيب. في عهد الرئيس جورج واشنطن.
بينما فشل الجلابة (مُستوطني شرق السودان الكبير) في التوافق مع مؤسسة الجنجويد (القومية الإستيطانية العربية في دارفور) وإثنيات البقارة في غرب السُودان الكبير، كقومية محاربة ، على شكل من تأسيس سياسي مرتين الأولى في القرن التاسع عشر والثانية في العام 2019.
او إنهاء الأشكال غير الدستورية (التي تقابلها محاولات الجنجويد إغتصاب العرش لوريث سياسي / أمير .. بدون سياق دستوري) ، كما فعل الرئيس إبراهيم لينكولن في الحرب الأهلية الأمريكية في مواجهة جماعة (روبرت إدوارد لي) التي تمثل الجنوب الزراعي المتخلف.
حين تم تأسيس قائمة الدول آحادية الهوية او إقطاعية الهوية مثل تركيا ومصر والهند في عشرينات القرن العشرين (دول الإمبرياليات القبلية) tribal Emperialisms ، قبل أن تنضم إليها دول متشابهة البنيات مثل موريتانيا وتشاد وجنوب السودان.
قامت هذه الدول على أساس ما كان يسمى قانون (تبادُل السكان والأراضي).
لكن الجديد الذي إبتدعته النخب الإمبريالية القبلية – الطائفية في شمال اليمن (الدحابيش) ، جنوب السودان (الدينكا) ، العراق (النخبة الشيعية) الخ.
هو إستدعاء الإحتلال الأجنبي حوثياً كان أو سعودياً أو إيرانياً الخ او اوغندياً في حالة جنوب السودان ، لحماية وجودها غير الدستوري وهيمنتها.
مع تجاهل تناقضات الدولة والهُويات الوطنية الحديثة مهما كانت درجة المصالح. إلخ.
فهذه القوميات المحاربة من موريتانيا إلى السودان تفترض ان الدولة الوطنية الحديثة ، هي وطن قومي وارض ميعاد لقوميتها، أو في أدنى مستوى (جمهورية جنود) أو إسبرطة جديدة.
بالتالي فإن هزيمة مشروعها السياسي ينتهي بإستدعاء الإحتلال المغربي او المصري ، كما فعل النخبة المارونية المتطرفة في لبنان حين إستدعت الإحتلال الإسرائيلي لمجابهة النفوذات المنافسة السورية وغيرها ، ومواجهة الخطر القومي الفلسطيني.
قلنا من قبل ان جمهورية 1956 شديدة التمركز حول هويتها الشمالنيلية او ما قبل الكولونيالية.
وأنه مالم يُنجز حل سياسى دستوري (مسبق) ، لمشكلة الهويات ماقبل الإستعمارية ، فإن دولة مابعد الإستعمار السُودانية مهددة بين اقواس سلطنة الجلابة وجمهورية الجنجويد إلخ قوميات اللاجئين المتعايشة العديدة Coinhabiting Nationalities ، التي أضيفت إلى سجل التعداد السكاني الإنتخابي بعد 1958.
لتتمزق السيادة الوطنية المفترضة بين سلسلة من الإحتلالات والإرادات الإستيطانية.
northernwindpasserby94@gmail.com
