في الدفاع عن النقابات والعمل النقابي المهني المستقل من منظور تأصيلي

د. صبري محمد خليل
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم

تعريف النقابة (Syndicate):
هي جمعية تُشكَّل لأغراض المفاوضة أو المساومة الجماعية بشأن شروط الاستخدام، ولرعاية مصالح أعضائها الاقتصادية والاجتماعية، عن طريق الضغط على السلطات التنفيذية (الحكومات) والهيئات التشريعية.
تاريخ النقابات الحديث والمعاصر في الغرب الأوروبي (الرأسمالي):
رغم أنه قد وجدت عبر التاريخ العديد من التنظيمات التي يمكن اعتبارها أنوية للنقابات والعمل النقابي، إلا أن ظهور النقابات والعمل النقابي بشكلها التنظيمي المعاصر ارتبط بظهور النظام الاقتصادي الرأسمالي في أوروبا. وقد كانت بريطانيا أسبق الدول إلى الاعتراف بالأهلية الكاملة للنقابات العمالية، وكان ذلك في عام 1871. كما حدث تقارب بين النقابات والحركات السياسية الاشتراكية نتيجة لاتفاقها على مقاومة الاستغلال الرأسمالي للعمال.
(ويكيبيديا).
النقابات والعمل النقابي في الفكر السياسي الغربي
أولاً: المفهوم الليبرالي الرأسمالي
أسسه الفكرية:
يستند إلى فلسفة طبيعية (لا دينية)، ومنهج معرفة فردي متطرف، انطلاقًا من تأويل معاصر لفكرة “القانون الطبيعي”، ذات الجذور في الفلسفة اليونانية والقانون الروماني. وهو مذهب ذو أركان أساسية أربعة:
الصيغة الليبرالية للديمقراطية في الموقف من الحكم والدولة.
الاقتصاد الرأسمالي (الحر) في الموقف من الاقتصاد والملكية.
الفردية في الموقف من الأخلاق والمجتمع.
العلمانية (فصل الدين عن الدولة) في الموقف من الدين.
مضمونه:
بناءً على هذه الأسس الفكرية فإن مضمون المفهوم الليبرالي للنقابات والعمل النقابي يرتبط بالآتي:
سيادة الشعب ضد استبداد الحكام.
تقليص دور الدولة في إدارة المجتمع والاقتصاد.
فصل الدين عن الدولة.
تأكيد الحقوق الطبيعية للفرد السابقة على المجتمع.
تقويم:
رغم ارتباطه – على المستوى النظري – بالديمقراطية في صيغتها الليبرالية، إلا أن ارتباطه بالرأسمالية، وبالتالي عدم تدخل الدولة لحماية حقوق العمال، جعله – على المستوى التطبيقي – شكلاً من أشكال الرفض الاجتماعي للرأسمالية، أو على أقل تقدير أحد إفرازاتها السالبة (استغلال العمال). وجاء إقرار المجتمعات الرأسمالية بالنقابات والعمل النقابي تحت ضغط هذا الرفض، ولسحب البساط من تحت النقابات والأحزاب السياسية الاشتراكية التي تدافع عنها.
ثانياً: المفهوم الماركسي
أسسه الفكرية:
يستند إلى الفلسفة المادية، والمنهج المادي الجدلي، والمادية التاريخية (محصلة تطبيق المنهج المادي الجدلي في التاريخ). ومضمونها أن البنية الفوقية (كالدولة والقانون والأخلاق والدين والفن…) مجرد انعكاس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين: أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج). وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والطبقة التي تمثل علاقات الإنتاج. ويتم هذا التطور عبر أطوار هي: الشيوعية البدائية، فالعبودية، فالإقطاع، فالرأسمالية، فالشيوعية العلمية، وأولى مراحلها الاشتراكية العلمية.
مضمونه:
بناءً على هذه الأسس الفكرية فإن مضمون المفهوم الماركسي للنقابات والعمل النقابي يرتبط بالصراع الطبقي بوصفه محركًا للتاريخ. وهو يركز على دور العوامل الاقتصادية في تكوين النقابات، كما يركز على الطابع الصراعي للنقابات والعمل النقابي.
تقويم:
المنظور الماركسي يتجاهل – على المستوى النظري – دور العوامل غير الاقتصادية (الثقافية، السياسية، الأخلاقية، الاجتماعية…). كما يتجاهل الطابع التشاركي للنقابات، مثل إسهاماتها في خدمة المجتمع ككل. ورغم أن الدول التي تبنت المذهب الماركسي أدخلت النقابات في البنية الأساسية للدولة، ومثلت العمال في السلطة، وأقرت بالكثير من حقوقهم، إلا أن العمل النقابي واجه العديد من العقبات – على المستوى التطبيقي – منها عدم استقلالية العمل النقابي وديمقراطيته، وخضوعه التام للسلطة السياسية، وتأثره بسلبيات التجربة الماركسية، التي قللت من قيمة إيجابياتها ومهدت الطريق أمام انهيار الدولة ذاتها لاحقًا، مثل الجمود الإداري والسياسي والتقني، والبيروقراطية، والفساد الإداري.
النقابات والعمل النقابي من منظور تأصيلي
المواقف المتعددة من النقابات والعمل النقابي في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر
أولاً: موقف الرفض المطلق (التقليد والجمود والعزلة)
أسسه الفكرية:
ينطلق من افتراض فكري خاطئ، مضمونه أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة المعاصرة يقوم على الرفض المطلق للإسهامات الحضارية للمجتمعات الأخرى والعزلة المطلقة عنها.
تقويم:
هذا الموقف لا يعبر عن الموقف الإسلامي السليم من التجارب البشرية، القائم على أخذ الإيجابيات ورفض السلبيات، بل هو رد فعل لموقف آخر هو موقف القبول المطلق للإسهامات الحضارية للمجتمعات الأخرى – ومنها النقابات والعمل النقابي – وما يلزم منه من تغريب واستبدال للمفاهيم والقيم والقواعد الكلية الإسلامية بأخرى غربية. كما يستند إلى مفهوم تقليد العلماء دون دليل، وهو مرفوض دينيًا، وقد رفضه هؤلاء العلماء قبل غيرهم، لما يلزم عنه من تعطيل الاجتهاد والجمود.
كما أن العزلة الحضارية المطلقة التي ينطلق منها هذا الموقف مرفوضة من الإسلام بوصفه دينًا عالميًا إنسانيًا، وهي أيضًا مستحيلة في عصرنا الذي اتسم بثورة وسائل الاتصال والإعلام، التي حولت العالم إلى قرية كونية.
ثانياً: الموقف التقويمي (التجديدي)
أسسه العقدية
معيار التقويم:
تجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين من الإسهامات الحضارية للمجتمعات الأخرى – ومنها النقابات والعمل النقابي – إلى موقف تقويمي مضمونه الأخذ بما اتسق مع ثوابت الدين (مثل مفاهيمه الكلية كالعدل والمساواة والشورى والتكافل الاجتماعي) على المستوى النظري، ومع واقع المجتمعات المسلمة وقيمها على المستوى العملي، ورفض ما تناقض معهما.
موقف يعبر عن تراث الأمة وتاريخها:
وهو موقف يتسق مع موقف السلف الصالح من إسهامات المجتمعات الأخرى، حيث نجد أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أخذ بالدواوين من الفرس.
أنوية النقابات في التاريخ الإسلامي:
كما يرى هذا الموقف أنه ظهر في تاريخ المجتمعات المسلمة العديد من التنظيمات الحرفية التي حملت أسماء متعددة، مثل: الأصناف، وأرباب الحرف، والأخية، والفتيان، والجودية، والكرمية، والطوائف (د. محمد منير سعد الدين/ النقابات عند المسلمين). ويمكن اعتبار هذه التنظيمات نواة لنقابات وعمل نقابي، اتفقت مع واقع المجتمعات المسلمة آنذاك، ويمكن تطويرها بما يتفق مع الواقع المعاصر لهذه المجتمعات.
الترجمة المعاصرة للموقف
انطلاقًا من هذه الأسس العقدية فإن الموقف السليم من النقابات والعمل النقابي يتصف بالآتي:
موقف تأصيلي تقويمي:
هو موقف تأصيلي يتجاوز موقفي التقليد والجمود والتغريب والاستلاب الحضاري إلى موقف التجديد الذي يميز بين الإيجابيات والسلبيات.
العمل النقابي المهني المستقل المسؤول:
وهو موقف يدافع عن العمل النقابي بوصفه نشاطًا مهنيًا يعنى بالدفاع عن شرائح المجتمع الضعيفة تطبيقًا لمفاهيم العدل والإنصاف والمساواة، ويتمتع بقدر من الاستقلال النسبي عن السلطة والتوظيف السياسي (الرسمي أو المعارض) والحزبي الضيق، تطبيقًا لمفاهيم الشورى والتكافل الاجتماعي، وبما لا يتناقض مع الثوابت الوطنية والقومية والدينية للأمة.

sabri.m.khalil@gmail.com

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

ملفات إبستين وإنكشاف حكومة العالم الخفية” المنظمة الصهيونية العالمية”

sabri.m.khalil@gmail.comد. صبري محمد خليلأستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطومملفات إبستين:هي دفعة من الملفات المتعلقة …