جمال محمد ابراهيم
(1)
حين وقع انقلاب في السودان في عام 1989، وأســقط حكومة ديمقراطية، جاءت بعد انتخابات عامة، تعمّد من قاموا به على تمويه هويته، وهم من أتباع الجبهة الإسلامية التي يقودها الشيخ حسن الترابي، فأخفوها مخادعة ومخاتلة. وقد حملت الحكومة التي أسقطها الانقلاب الإسلاموي، وكانت برئاسة الصادق المهدي، من العثرات والإخفاقات، ما حملت. قبل وقوع ذلك الانقلاب، لم تكن القاهرة على وفاق معها، وظلت على توجُّسٍ بالغٍ في التعامل معها. ولفتور العلاقة بينهما، ألغت حكومـة من جانبها اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان.
لا غرو بعدها أنْ كانت القاهرة أول من رحَّبَ بالانقلاب الذي صاغته أصابع الترابي ونفذه إذ ذاك العميد عمر البشــير. لم يُظهـــر القائمون به هويتهم الحقيقية، فاندفعت الدول العربية والأفريقية مُرحِّبة به، إذ بلدان كثيرة في المنطقـة لا ترى الســودان إلا عبر العـيون المصرية، فمـا إن أعربت القاهـرة عن ترحيبها بالانقـلاب، حـتى سارعت أغـلـب بلــدان المنطقــة إلى التعــامل مع الحكم الجــديـد فــي الخرطوم، إلا إيران الإسلامية!.
(2)
وحدها طهران التي تحفَّظـت على إزاحــة حكومة الصَّــادق المهدي في الخرطوم، بانقـلاب الجيش. كان لملالي طهران انجذاب مدفوعٌ بعواطف تتصل بالعقـيــدة الدينية لزعيم سـوداني، لاسـمه وقعٌ ورنيــن يتصل بأسـماء أئمــة كبــار عـند الشــيعة الاثـني عشرية، فهو إمـام وهو صــادق وهو مهــدي. ذلـك ما حفـزهم إلى حـفــظ خصوصيةٍ في العلاقة معه، ومع طائفته في السودان. لم تتحمّس طهــران بداية مع انقلاب الجيش في السودان على حليف صديق لها.
لكن سرعان ما بان عند أكثر الحكومات العربيـة خطل التمويه الذي اتبعه انقلابيـو السودان، فتراجع الترحيب العربي في مجمله، وانقلـب إلى تَوَجُّسٍ، قابلته الخرطوم بحملات إعلاميـة ضارية. صُدمتْ أكثر الزعامات العربية، ونأت بنفسها عن الخرطوم.
وفيما كانت الحرب الأهلية تدور في جنوب السودان، لم يجد الانقلابيون الإسـلاميون من يعينهم، فــيما القتال في جنوب السودان قد استفحل واستعصى. كان طبيعياً أن يتجهوا إلى تصحيح انطباع طهــران عن انقلابهم. نجحوا واستفتحوا صفحة لتعـاون بين البلدين. أثار الـتقارب السوداني الإيراني حفيظة حكومات في الاقلـيم، خشية أجندات تتبـعهـا طهران لتصدير ثورتها من توجُّسات سياسية في البلدان الثانية المجاورة للسودان وقتذاك، بمثلما توجّست بعضُ البلدان العربية.
(3)
ولكن أجـنــدات البلـدين تقاطعت بما لم يسفر عـن توافـق يعـزِّز ما انتـوياه من إقامة علاقات وثيقة بينهما على النحـو المأمـول. كانت لإيـران أجندة تتصل بتصدير الثورة أولوية، فـيمـا للسودان تطلعٌ لإنشاء علاقات سياسية واقتصـادية وتعـاون عسكري مباشر، يُعـيـن في التغلـب على استعصاءات الحــرب في جنـوب السُّـودان، وربما الحصول على العــوْن المالي والفني لاستخراج النفط الواعد في أراضي البلاد. ومن دون الخوض في التفاصيل، فتفاقمت نظرة أطــرافٍ عـديدة في المجتـمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة إلى العــلاقات السودانية الإيرانية بالريبة والتشكيك. وعانى السودان سنوات طوال عزلة مُحكمـة وقاسية، ما يعود إلى تمسّك الولايات المتحــدة بانطبــاع ســلبي، باتهام الخرطوم برعاية الإرهاب.
الصـورة التي رســمتها الإدارات الأميركيـة المتعاقبــة عن النظام السوداني أنه أَنشأ مع إيران حلفاً إسلامياً، شكّل خطراً داهماً على السـلم والأمن الإقليميين والدوليين. وما زاد الطين بلة مغامرة نظـــام الترابي/ البشير للدعوة إلى مؤتمرٍ عربيٍّ إسلاميٍّ استضاف أعــداداً من العرب والإسلاميين المتطرّفين من مختلـف المشارب، وأجازا الـدخول إلــى الخرطوم بلا تأشيرات. ثم مضيا إلى أكثر من ذلك، فاســتضافت الخرطـوم رموزاً شــهيرة مـن كبـارِ رمــوز الإرهـاب الدولي بحــســب التصنيف الأميركي، ممن يزعزعون الاســتقرار في أنحاء العالم، مــن نوع كارلوس وبن لادن، وقـيادات إسلامية وثورية فلسطينية وأفغانيـة.
(4)
لم تتزحزح الولايات المتحدة بتعدّد إداراتـها عن قــناعاتها أنَّ العلاقات السودانية الإيرانية، في حقـيقتها، قائمة على التعـاون
الوثيق لرعاية الإرهاب الدولي والإقليمي، ولديها شواهد على هذا. وكانت الصورة الحقيقية لتلك العلاقات، خصوصاً في التسعينيات، غــير ما بدتْ للناس. برغم من تبادل الزيارات الحميمة بين المسؤولين في البلدين، وبرغم ما لا يُحصى من مذكّرات التفاهم بينهما، فإنها لم تسفر، إلا عن كثير مـدادٍ مسكوبٍ على أوراق مذكرات تفاهم، لم تجنِ الخرطوم شـيئاً من ورائـها. ولعلَّ توجه طهران إلى وصف اتفاقياتهم بـِ”مذكرات تفاهم” لافت، فالقصد على الأغلب إعفاء الجانب الإيراني من اللجوء إلى استصدار موافقة عصيَّة من البرلمان. وهذا أسلوب يتفق والفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيدذية، فلا يجد الطرف الحكومي الإيراني حرجاً في التنصّل من أية التزامات، ما دامت الموافقة عليها لم تصدُر من السلطة التشريعية، ومن ورائها سلطة الملالي المتحكّمين سياسياً في الدولة. هو نوع من تقسيم أدوار لا أكثر.
(5)
كانت الأجندات الإيرانية تتصل بتوجّهات تصدير الثورة، وتلك ركيزة راسخة عند الملالي، يتم تفعيل نشاطها عبر المراكز الثقافية الإيرانية في الخارج. في السودان، تمدَّدت نشاطاتْ مركزهم الثقافي، ليس حصولهم من الحكومة في الخرطوم وحدها، بل إلى ما وراءها من قرى ومناطق حضرية، إلا أن عيون الأمن السوداني لم تغفل عن رصد تلك الأنشطة. في الوقت نفسه، بدأت تتكشَّف للخرطوم تحفظات طهران في تنفيذ تعهدات مُضمَّنة في مذكرات تفاهم سـهُلَ التملص منها. لم تجد مطالب الخرطوم للمساعدة في مجال التنقيب واستخراج النفط السوداني من استجابة، برغم حصولهم من حكومة الخرطوم على كل وثائق “شيفرون” عن حقول النفط في السودان، وظلت أبواب العون المادي الإيراني موصدة أمام المطالب السودانية، بحجّة ضرورة تسوية الديون القديمة المتراكمة على السودان، منذ سنوات السبعينيات!.
اتضح لنظام الإسلامويين في الخرطوم أن نظام الملالي باعهم أوراقاً موقعة مجانية، ولم يظفروا بأيِّ عونٍ منهم، إذ إن مؤسَّساتهم الاقتصادية والمالية، والتي يمسك بها مهنيون عُتاة في إيران، هم من يقرِّرون كلّ شيء مما يجيزه الجهاز التشريعي، وليس ما يقوله الملالي والسياسيون.
بدأ الفتور يعتري العلاقات، خصوصاً وقد أحسَّتِ الخرطوم أن الخناق والمحاصرة قد هدَّا كاهلها، جرَّاء العزلتين، الدولية والإقليمية، علاوة على العقوبات الأميركية بعد تهمة رعاية الإرهاب التي واجهت السودان. بدأ يتبيّنُ للنظام الذي يقوده البشير والترابي معاً أنه يسدّد فاتورة علاقة مع إيران، لم يجـنِ منها شيئاً، فيما الحرب في جنوب السودان قصمتْ ظهر اقتصاد البلاد. وهكذا وبعد أن اتضح للخرطوم خلـو الجُراب الإيراني، يمَّم النظام شطر الشرق الأقصى البعيـد: إلى الصـين، تلـك الـتي تبحـث عن فرص الاستثمار العاجل، وهيَ تـقـدّر بحصــافـة أنْ تفـتح لها آفاقاً لنـفـوذ سـياسي آجـل.
(6)
بدأ الفتور في علاقات السودان مع طهران منذ أواسـط تسعينيات القرن الماضي، ومن أمثلة وشواهد عليه: وافقت طهران على صيانة طائرة عسكرية سودانية سِرّاً، ثم جرى احتجازها بعد اكتمال الصـيانة أكثر من عـام كامـل، لأنَّ السُّـــودان عجز عن ســـداد التكلـفـة… واقـعـة أخرى مُخـزية، كنتُ شــاهداً عليها بشـخصي في 1993. تجاهلتْ طهران مغادرة سفير سوداني معـتمد، قضى بيـن ظهـرانيهـم نحـو ثلاثة أعـوام، ثمَّ غـادر، من دون أن يودِّعه في المطار ولا حتى موظـف صغير من مراســـم وزارة الخارجية الإيرانـية. ظلتْ قاعة كبـار الزوَّار والتي تفـتح عــادة للسُّفـراء مغـلـقة في وجوه سُــفـراءَ عرب وأجـانب، جـاؤوا لوداع ســـفـيـر الســودان، الدولة التي كان الجميع يحســبها الأقرب ومن بيــن جمــيع الدول العربيــة إلى قلب طهران. غادر السفير وكأنَّهُ غير مرغوبٍ فيه. لم تسـكت الدبلوماسـية السُّــودانية، وجرى توبيخ السّــــفيــر الإيراني في الخرطوم. وقـتها، ظلتِ الولايات المتحــدة توقـع عقــوباتـها الأشـدَّ على السُّـودان، بحيثيات تحالـفـه لرعاية الإرهــاب مــع إيران!
(7)
تواصل الفتور في العلاقات، فابتعد النظــام في السودان عــن الجمهورية الإسلامية، في مسعى بدا متأخّراً للخروج مـن دوائر العقوبات والمحاصرة الأميركية، إلى أن وصل النظام إلى حالةٍ صار معها رئيسه مطـارداً وملاحقـاً من المحكمة الجنائية الدولـية، يتخفّى في أسفاره. جرتْ محاولات شــبه يائسـة لاستعادة علاقاته مع دول عربية، فبادر النظام إلى قطع عــلاقاته الدبلوماسية مع إيران نهائيــاً بعد 2017، وفـتح حواراً مـع واشنطن قصد الخروج من دائرة عـقوباتها. لكـن جمـيع تلـك المحاولات جاءت متأخّرة وفي السَّـاعــة الخـامسـة والعـشرين، والنظام قد اسـتنفـد أسـباب بقـائه.
برزتْ إخفاقات النظام جليَّة في عِـدَّة شــواهد، منها انفصال جنــوب الســودان وخروجــه دولـةً مسـتقـلة بعــد استفتاءٍ عجِلٍ، وافقـتْ نتيجته الأهواء الأميركية. فشلٌ ذريع في إيجاد حلّ لأزمة دارفور، بعد التورّط في ما يشبه الإبادة الجماعية في أنحاء إقليمٍ، يقارب مساحة فرنسا. تواصل القمع واستشراء الفــساد، فهـبَّ الشعب في انتفاضة عارمة، أســقطتْ حكم البشير، بعد 30 عاماً في سُـــدة حكم البلاد.
(8)
بعد فترة انتقالية مرتبكة، تعقّد المشهد السياسي وجرى اختطاف ثورة الشارع السوداني بواسطة كبار ضباط الجيش. وبعد الاختلاف حول المسروق، احتدم الصراع الداخلي بين السَّارقين إلى ما يشبه الحرب الأهلية بين جيش الســودان الرسمي وقــوات الدعــم الســريع غير الرســمــية التي أنشأها الجيش نفسه وتمرَّدت عليه، ثمّ كُتب على الشعب صاحب الحق أن يُقتل أو يُطرد أو يَنزح مشرّداً. وها هي الحرب تدور بلا أفق لإيقافها. اضـطـرّ الجيــش إلى البحث عمَّن يعيـن في التسلّح والتصنيع الحـربي والمسيّرات، فكانت العودة إلى إيران، من دون أن يتذكر العسكريون، البعيدون عن الدبلوماسية، أن مآسي المحاصرة والعقوبات التي طاولت السودان بدأت تاريخياً بالعلاقة مع إيران، وارتاب منها المجتمع الدولي. أجل، لا يأبه الجنرالات بالدبلوماسية، بل أرسلوا ســفـيراً مهــنيّاً إلى طهــران. وأرجِّح أنَّ الـتعاون المحـدود في ذلك المجال، هـذه المـرّة، تـمّ عــبر صــفـقـات شـراء مباشرة. ومــن متــابعاتي، لم يرشح فـي الأخبــار ذِكرٌ عن اتفاقيات لتعاون مالي أو قروض بين البلدين، بل هي صفقة بين محتاج وتاجـــر.
(9)
لم تكن حرب السودان داخل حدوده، بل تداخلتْ أطرافٌ أجنبية في مجرياتها، وفاقمت تعقيداتها تلك الاضطرابات التي انتظمتْ بيئة المجتمع الدولي، والذي اشتعلت أطرافه في صراعاتٍ وحروبٍ كشفتْ بجلاء عجز آليات حفظ السِّلم والأمن الدوليين. لقد شهدت السَّاحة الدولية اســتقواء زعاماتٍ في بعض الدول الأقوى بغطرسةِ القوة، وباستخفافٍ متعمَّد، أدّى إلى إضعاف الأمم المتحدة، وتركها محض شاهد على مشاهد ستفضي بالعالم إلى فناءٍ قادم، إلا أنْ يستعيد عقلاء العالم الحكمة الغائبـة.
الحروب بأسماء الشعوب التي ظلمتها غطرسة القـوّة: هيَ حربُ السُّودان، وحرب غزَّة، وَحرب أوكرانيا، وأخيراً حرب إيران. لكن الحرائق لا ولن تقـف عند شعوب هذه البلدان، بل ستلتهم الظالمين مثلما التهمتِ النيران غابات كاليفورنيا، وستجرفهم مثل ما جرفتِ السيول والأعاصير شتى بقاع الأرض، وكلَّ ما بقي من عُمران الأرض التي خرّبتها البشـرية بأيدي بنيها.
(10)
فيما يتصل بحرب إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، سارعت “حكومة الأمر الواقع” في السودان، وهي في معمعة معاركها مع من تمرَّد عليها، إلى إدانة هجمات إيران على مواقع في بلدان الخـليج العربية، غــير أن بيان الخارجية السودانية تضامن مع تلك البلدان، مستثنياً الإمارات. ولم يحمل البيان إدانة للعـدوان الأميركي/ الإسرائيلي على إيران، وهو العدوان الأكثر فداحة.
وربما يعكس عدم إصدار “حكومة الأمر الواقع” التي تلقّت مساعدات عسكرية من طهران في أثناء الحرب السودانية الماثلة، ما يدين العدوان الأميركي الإسرائيلي مجامــلة وتعاطفاً طبيعيّاً مع السعودية وقطر والكويت، ولكنه باستثنائه الإمارات عكسَ ارتباكاً ظلت تعـانيه الدبلوماسية السودانية التي صار يديرها الجنرالات بسوء تقــدير. ولعلَّ هذا الارتباك بدا جلياً في عدم إبداء أقلِّ تعاطفٍ مستحقٍّ أيضاً مع دولةٍ استأنف الجنرالات علاقة تعاون معها، وتلقوا عوناً تسليحياً منها، وبعثوا سفيراً نشطاً إليها، فلم يهتموا بما وقع علـيها من عدوان خالف المواثيق والمبادئ والقيم الدولية.
… قد تتوقّف حرب أوكرانيا، وحرب غزّة، وحرب إيران، وحرب لبنان، لكن متى تتوقّف حرب السودان؟
نقلا عن العربي الجديد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم