في ذكرى الاستقلال المجيد: خضر حمد (المُغيّب) (2) .. بقلم: غسان علي عثمان
5 فبراير, 2015
منشورات غير مصنفة
36 زيارة
صاحب نشيد (إلى العلا) ما الذي يجعل خضر حمد شديد الحساسية في مسألة عروبة السودان من أفريقانيته؟!
خضر حمد نموذج مثالي لأصحاب المشاريع الإصلاحية فأياديه امتدت لاصلاح الغناء والسينما والتعليم..
المجدي في سيرة رجال الحركة الوطنية وفي جوهرهم خضر حمد ليس انتماؤهم الحزبي الضيق، بل باعتبارهم رموزاً قومية، أسهمت بقدر وافر في تعميق الشعور الوطني..
مطلبنا ألا نجعل أحكامنا المستندة إلى قياسات تخصنا الآن هي الفيصل في تقييم أدوار رموز الحركة الوطنية..
في ذكرى الاستقلال المجيد
خضر حمد (المُغيّب) (2)
غسان علي عثمان
ghassanworld@gmail.com
(ومن النادر أن نجد أي نمط سلالي خالص وسط أي من شعوب السودان، إذ عانت هذه البلاد من العديد من منافذ التشتت السلالي، فكل سكانها تشكيلة ما بين السلالة القوقازية الخالصة والزنجية الخالصة، لذا فأبناء الشعوب سوداء البشرة في الجنوب عادة يعدون زنوجاً، أما مصطلح “عرب” فهو ذو دلالة لغوية ثقافية، أكثر من كونه مصطلحاً سلالياً..)
سبنسر تريمنجهام (الإسلام في السودان – 1946م)
إن ما يهمنا في سيرة رجال الحركة الوطنية ليست انتماؤهم الحزبي الضيق، بل نستعيد ذكراهم هنا باعتبارهم رموزاً قومية، أسهمت بقدر وافر في تعميق الشعور الوطني، لذا فخضر حمد (1910 – 1970م) ليس خضر حمد الاتحادي بل القومي السوداني العروبي الإسلامي، ونقول إن ما وقع لنشطاء الحركة الوطنية من موقف سالب تجاه الدين سببه نظرتهم بشيء من الاحتقار لأدوار الطائفية وزعماتها، فمن كيدهم وكيد الطائفية أن رسّموا الدين عبر نموذج القيادة الدينية، لذا قدر البعض بتفشي (العلمنة) في طرحهم، ونحن واجدون لهم العذر فالحقيقي أنهم كانوا متدينين بالشكل السوداني وليسوا ضد الدين، وتأتي عباراتهم الرافضة للقيادات الدينية في السياسة من قبيل رفض النموذج لا رفض الدين، فعندما وزع البطل عبيد حاج الأمين منشوره ضد زعماء الطوائف الثلاث بقوله: (إنهم يعبدون الملك جورج، وجريدتهم لسان حال الإمبريالية) فإن أثر الثورية واضح والتي من ميزاتها غياب القياس، أو عبارات من سبيل (لا قداسة في السياسة) أو تبكيت السيد يحي الفضلي على زعيم الختمية علي الميرغني بأنه لو كان له كرامة فليسخطه قرداً، ولذا فاتهام رجال الحركة الوطنية بالعمل على إقصاء الدين من الحياة السياسية فيه بعض تجني، إنهم كانوا يرفضون التعاون الفاسد بين زعماء الطائفية والاستعمار، وأيضاً لا يحق لنا محاكمة الطائفية بزعمنا أنها خائنة لوطنها، فكل تيار يملك تكتيكه الخاص ويشترط في فاعليته عقلاً يوفر المعنى المطلوب من الفعل، فالطائفية بنت العرفان والعقل الباطني كانت ترى أن الاستعمار قدر مكتوب، وعلينا الاستجابة له، وهذه الرؤية القدرية ملكت أيمانهم ولا يسعنا أن نطالب السمك بالخروج من النهر مرتين، والنخبة المتعلمة آنذاك كانت تحمل رؤى هجين تجمع بين دعاوي الكواكبي (توفي 1902م) في الإصلاح الراديكالي، وكذلك لا ننفي تأثير الحركة المصرية ممثلة في ثورة 1919م بقيادة سعد زغلول (توفي 1927م) المتأثرة بالثورة الفرنسية، ماذا نريد أن نقول؟ مطلبنا ألا نجعل أحكامنا المستندة إلى قياسات تخصنا الآن هي الفيصل في تقييم أدوار مجالنا التاريخي، بسبب أن ذلك يقف ضد العلمية أو حتى الموضوعية، فلنترفق في الحكم على تاريخنا أو أن نعيد درسه بواسطة مجاله الحضاري.
في الهوية، والهويات المشردة:
تحت باب (أمير الحج) نقطة بائنة وجب التوقف عندها وهي قضية، من هو السوداني؟ كتب خضر حمد أنه وبعد اختياره في سنة 1954م أميراً للحج، وهي المرة الأولى التي يختار فيها السودان أميراً لحجاجه، لأنه جرت العادة أن تذهب بعثة طبية ومعها أحد الإداريين فقط كما يقول، والإشارة المهمة هنا ما كتبه، يقول: (هيأت الوكالة مكاناً محترماً في (منى) من مناسك الحج، وكان صيوان السودان رحباً والمكان المحيط به فسيحاً وعلقنا علماً أبيضاً كتب عليه كلمة (السودان) لأنه لم يكن لنا علم، ولكن كل ما عملناه شوهه علينا أخوان لنا يأتون إلى الحج عن طريق السودان ويحسبون عليه، بل ضاع اسم السودان وطغى اسمهم علينا رغم كل ما عمل وبذل من جهد، لقد كانت لفظة (التكارنة) نسمعها في كل مكان، كما نسمع التكارنة يقال عنهم (سودانيين)… ويواصل: كانت هذه المسألة شغلي الشاغل وكنت أحاول في كل مكان وكل حديث ومع كل صحفي أن أوضح الفرق بيننا وبين التكارنة، وأشرح لهم عروبتنا.. ولكن كان عدد الحجاج السودانيين ستة آلاف بينما كان عدد القادمين عن طريق السودان ويحملون جوازات سفر حجاج سودانية يبلغون العشرين ألفاً..) المذكرات، صفحة 193.. أول ما سيتبادر إلى ذهن ما الذي يجعل خضر حمد شديد الحساسية في مسألة عروبة السودان من أفريقانيته؟! وأيضاً علينا ألا ننسى أنه صاحب النشيد الشهير (إلى العلا) والذي سيعد لاحقاً مانفستو (العوربة بالقوة) إذ ينفي أي إفريقية تصلنا ولو بالجغرافيا فنحن لديه عرب بالكامل، عرب بل وعرب جداً، يقول: (أمة أصلها للعرب – دينها خير دين يحب)، وقد لحنه إسماعيل عبد المعين الذي سيأتي ذكره لاحقاً.
نقول إن مشكل الهوية السودانية لا يتعلق بثنائية (عرب + أفارقة) ، ولعلني اتفق مع ما أورده سبنسر تريمنجهام (1904 1987 م) في كتابه (الإسلام في السودان – 1946م) إذ يقول: ( ومن النادر أن نجد أي نمط سلالي خالص وسط أي من شعوب السودان، إذ عانت هذه البلاد من العديد من منافذ التشتت السلالي، فكل سكانها تشكيلة ما بين السلالة القوقازية الخالصة والزنجية الخالصة، لذا فأبناء الشعوب سوداء البشرة في الجنوب عادة يعدون زنوجاً، أما مصطلح “عرب” فهو ذو دلالة لغوية ثقافية، أكثر من كونه مصطلحاً سلالياً..) الكتاب ص 14 ، ترجمة فؤاد محمد عكود.
عودة إلى الطائفية:
(كانت الطائفية هي كل شيء في نظر الحكومة وهي تريد بذلك أن تقوي من شأنها لتحقر أو تصغر الطبقة المتعلمة، وكان الاستعمار يشجع الطائفية ضد بعضها البعض…. وهكذا كان الاستعمار يضمن لنفسه الاستقرار فقد شغل الناس بأنفسهم عنه).. هذا هو رأي خضر حمد الذي لا يخفي موقفه الرافض للطائفية وبذل في ذلك قلمه إذ كتب في مقالة له بعنوان (لماذا التطاحن؟!): (لماذا يتطاحن هؤلاء القوم ولماذا يحشدون الأنصار والأتباع ولماذا يرغب شخص بكامل عقله ووافر ادراكه أن يندمج في هذا الركب الضال؟.. إن كانت الزعامات دينية فالدين واحد والله واحد والنبي الكريم وخلفاؤه من بعده لم يتركوا نقصاً نحاول تكملته.. أما إذا كان المتطاحنون يجرون وراء زعامة سياسية فللسياسة نظمها ومبادئها وجهادها، فليوضحوا للأمة برامجهم وطريق جهادهم..) المذكرات صفحة 56-58. بالطبع أي تحليل لهذه القطعة من المقال سيكشف إلى أي مدى كان خضر وزملاؤه ينظرون لرجال الدين في السودان، نظرة ملؤها الشك إن لم يكن الكراهية، وأنهم ينفذون بالحرف أفكار التيارات الليبرالية المصرية، والتي ترفض للدين دخول السياسة بحجة أن لكل منهما ميدانه ونظمه، ولكن لنكن عقلانيين لأنه يصعب اتهامهم بموقف سلبي من الدين، فالصحيح أنهم يرفضون هذه الصيغة الطائفية الوثوقية التي يجسدها زعماء الطوائف..
من صاحب فكرة مؤتمر الخريجين؟
بالطبع الإجابة جاهزة هو أحمد خير المحامي، لكن الصحيح الوقوف عند دور خضر حمد كذلك، وتتجلى براءة النص عند حمد أن قدم تحليلاً جديداً بمقاييس تلك الفترة كتب: ( ويخطئ من يدعي لنفسه وحده أنه أسس أو خلق عملاً عاماً يحس بالحاجة إليه كل الناس ويفكرون فيه فالأعمال العامة والحركات الوطنية لا تقوم إلا إذا كان هناك شعور عام مهيأ لها..) المذكرات؛ص 83 – ولذا فأننا بحاجة ماسة إلى تصحيح المقولات الفاسدة في تاريخنا والتي تُخلد بسبب هيمنة فكرة (البطل) والفردية المزيفة، ونعم لا يمكننا سلب الأشخاص أدوارهم الكبرى، ولكن كذلك يخيب ظن التحليل الاجتماعي قولنا بتأسيس فعل جماعي على أساس ذاتي أو فردي.
وأيضاً نود أن نحفظ للرجل حقه فقد نشر مقال في 14/7/1935م وفي 20/7/1935م بتوقيعه الشهير (طبجي) يدعو فيه إلى الخريجين الذين يجتمعون كل عام احتفالاً بذكرى تخرجهم بأن يستبدلوا الاحتفال بتأسيس دور جديد لهم يقول: (ومما يؤسف له أننا كل عام نجتمع لنعيد ذكرى الماضي الجميل ونبكي عهد الطفولة الذاهب الذي قطعناه… لم نفكر في أن نجعل هذا اليوم مؤتمراً نبحث فيه أمورنا الهامة التي تتعلق بماضي البلاد وحاضرها ومستقبلها، ونعرض أعمالنا في بحر العام المنصرم.. من المشين لهذه الأمة المسكينة أن يكون عيد الطبقة المتعلمة من أبناءها خلواً من الحديث في شؤونها والاهتمام بما يرفع رأسها..) ص 83-84 ، والحقيقة أن الرجل يمتاز بموضوعية وأمانة فقد ذكر أنه لم يكن باله أبداً إقامة مؤتمر للخريجين بل وردت كلمة (مؤتمر) هكذا عرضاً، ويعترف بفضل أحمد خير المحامي الذي التقطها وقام بتفعيلها وذلك في تعليقه على المقال.
سيد خليفة وإسماعيل عبد المعين (الموسيقى السودانية لا شرقية ولا غربية):
قلنا إن خضر حمد كان صاحب مشروع؛ مشروع ينظر في الإصلاح بشكل كلي، فنقرأ في مذكراته تحت عنوان (تطوير الغناء سنة 1935م) يقول فيه: (وظهر إسماعيل عبد المعين فيه رغبة وعنده علم أو ألمام بالموسيقى ولكنه لم ينل من العلم شيء.. كان هاوياً، وكان يجيد العزف على العود.. فأخذنا نشجعه على الهجرة إلى مصر ثم لحق به سيد خليفة ولكن كلا الشابين لم يخدم الغناء السوداني أما عن عجز أو عن ضعف وسبب هذا الضعف هو أنه بدلاً من أن يرتفعا بالجمهور نزلا إلى مستوى الجمهور وهذه وضحت في سيد خليفة أكثر من إسماعيل عبد المعين..) المذكرات ص 60.. والسؤال كيف ذلك؟ يقول صاحب المذكرات 🙁 وإسماعيل درس الموسيقى وتذوقها ولكنه بعد عن الذوق السوداني .. فالموسيقى السودانية لا شرقية ولا غربية، إنما هي نسيج قائم بذاته يميل أحياناً إلى الموسيقى الحبشية وأحياناً إلى الهندية..).
كانت هذه رحلتنا الأولى مع خضر حمد، والذي سنعمل بإذن الله في مقبل الأيام في دراسة مفصلة ليست فقط عن سيرة الرجل على ما في الأمر من ضرورة، ولكن عن طبيعة اللحظة التاريخية التي صنعت الفاعل الاجتماعي السوداني.