فَاطنَة أم زُميِّم وأحاجي من وسط السودان- 10
صَبِي زَمْزَم
تَروِيهَا مَيْ زُمراوِي
حرَّرها عَادِل سِيد أحمَد
وصَبِي زَمْزَم في حقيقته غول، لكن الناس لا يعرفون عنه ذلك لأنه كان دائماً ما يتشكل في هيئة شخصٍ عادي.
واعتاد صَبِي زَمْزَم أن يرسل أمه الغولة لتذهب وتدخل للناس في بيوتهم، فتعرف من فيه من البنات، وتختار له البنت التي تناسبه كصيدة سمينة، حجمها كبير وصحتها وافرة، لتكون له الوليمة اللذيذة الشهيَّة.
وكانت أمه دائما تتنكر في شكل عجوز ذات ملامحٍ طيبة وحَنِينة، حتى تُوهِم الناس بأنها مأمونةُ الجانب فلا يشكون فيها فيأخذوا حذرهم منها.
جاءت الغولة ذات يوم في حيٍ بعيد من منطقتها، ويحتاج قطع المسافة إليه لمدة يومين أو ثلاثة.
وعلى أعتاب الحي رأت بنتاً فيها نفس المواصفات التي يطلبها ولدها (صَبِي زَمْزَم)، فهي سمينة وموفورة الصحة. وكانت البنت كبيرة في العمر نوعاً ما بحيث إن قطار الزواج كاد أن يفوتها فصارت على أعتاب العنوسة.
دخلت الغولة عليهم بعد أن دقت على الباب، فدخلت وسلمت، ثم جلست وهي تمسح عرقها وقالت لصاحبات الدار:
- أتيت من مشوار بعيد وأنا عطشانة فاعطوني ماء.
ولحسن حظها، أو سوء حظ بقية البنات، وجدتهن كلهن مجتمعات في البيت عند الفتاة العانس السمينة، وكان أسمها (دِيِدَة)، وكانت هناك عادة عند نساء وفتيات ذلك الحي أن يجتمعن كل يوم عند الظهيرة في بيت واحدة منهن فيشربن القهوة ويتبادلن الأحاديث، هن وأمهاتهن وحبُّوبَاتهن.
وعندما دخلت هذه الغولة العجوز وجلست ضيَّفَنها، وشربت عندهن القهوة وهي لا ترفع عينيها عن دِيِدَة، حتى تأكدت من أنها تناسب طلب ابنها (صَبِي زَمْزَم).
ومثلت العجوز أنها عرَّافة ترمي الودع، وشافت لهن الودع، وقرأت عليهن حظهن، وقالت لهن: - نشوف لكُّن البخت.
المهم جلست ترمي الودع وتحادث البنات وأمهاتهن، وبعد قليل قالت لأم (دِيِدَة): - بنتك هذه ستتزوج في القريب، وسيأتي إليكم (صَبِي هَايِش وكبَّاب دَرَايِش) وهو شخص ممتاز ثري ووسيم.
وشكرَّت لها العريس، وهي كانت تقصد ولدها (صَبِي زَمْزَم)، لأنها سترجع إليه وتكلمه عن دِيِدَة، وتقول له أن هناك بنت في الحي الفلاني بالمواصفات الفلانية وتدعوه لأن يذهب ويتقدم لخطبتها.
وفرحت دِيِدَة وأمها لأنهما كانتا تعتقدان بالا أحد سيتقدَّم لخطبة دِيِدَة، وما هو إلا زمن وجيز يمر حتى تصير دِيِدَة عانساً بحق وحقيقة.
وأنهت الغولة جلستها بعد فترة وودعت نساء الحي ثم انصرفت راجعةً إلى ولدها.
ووصفت الغولة لولدها صَبِي زَمْزَم دِيِدَة، وقالت له: - دِيِدَة هذه غليدة (سمينة) شحمها كثير ولحمها وفير، وأنت تذهب لتخطبها وتتزوجها وتحضرها لنا.
- حاضر يا أمي.
فعلاً أوفى صَبِي زَمْزَم بوعده لأمه، وأنطلق في الطريق نحو بلاد (دِيِدَة)، وأمضى فترة يومين أو أكثر حتى وصل أخيراً للمكان الذي وصفته له أمه. وسار نحو البيت مباشرة، وطرق الباب ففتح له أهل الدار فدخل حيث ضيفوه وأكرموه كعادة كل أهل السودان.
والتقى والد دِيِدَة، وتكلم معه وقال له: - لقد سمعت عنكم سيرةً طيبة سابقاكم، وعرفت إنكم ناس أصيلين، وأنا اسمي (صَبِي زَمْزَم) وأنا راغب في الزواج من بنتكم دِيِدَة.
وكان قد (صَبِي زَمْزَم) قد تنكر في هيئة شخص وسيم وأنيق في ملبسه، تبدو عليه مظاهر الثراء.
وواصل صَبِي زَمْزَم حديثي لوالد العروس المرتقبة، وعدد له ثروته وما يملك، فوعده الرجل خيراً وطلب مهلة يومين يشاور فيها أهل العروس.
وفعلاً طرح أبو دِيِدَة الموضوع عليها وعلى أمها وأعمامها وأبناء عمومتها ولم يكن فيهم من اعترض أو أبدى رأياً مخالفاً غير الموافقة ومباركة هذا الزواج الميمون المرتقب.
عندما جاء صَبِي زَمْزَم بعد انقضاء المهلة المحددة، وافقوا عليه، وبعدها أقاموا مراسم الزواج، وصارت دِيِدَة زوجة له شرعاً وقانوناً. وأخطر صَبِي زَمْزَم أهل دِيِدَة بأنه يقيم في بلدة بعيدة على مسيرة يومين أو ثلاثة، وأنه سيسافر إلى هناك ومعه زوجته، لأن أمه وحيدة، ولابد أن يعيش هو وزوجته عندها ليرعوها، وطمأن العريس والدها وقال له إن لديه بيت واسع وجميل، وإن أوضاعه التجارية ممتازة وإن أحواله المالية على أحسن ما يكون، فأذنوا له ودعوا لهما بالرفاه والبنون.
وكانت لدِيِدَة أربع صاحبات، كلهن في نفس العمر والمحطة الأخيرة لقطار الزواج. فالبنات قررن أن يذهبن مع دِيِدَة ويرحلنها إلى بيتها الجديد، ويتعرفوا على الوضع هناك، ويطمئنوا عليها ثم يجئن راجعات، ولو كان لدى العريس أصحاب ينوون الزواج، فمن الممكن أن يستفدن، هن ذاتهن، من هذه الفرصة، فأحلامهن كانت، ككل البنات، هي الزواج، وتكوين الأسرة، والاستقرار. وعلى ذلك فقد ذهبن وسافرن معها.
ومضت يومين أو ثلاثة وهم في الطريق حتى وصلوا إلى هناك لبيت العريس، وهناك وجدوا عريشة كبيرة من الحصير في مدخل الدار، مقفلة جيداً ومفروشة بالرمل، وأرضها ذاتها كانت رملية، وفي داخل تلك العريشة فرشت خمسة أسرَّة، وكان ملحقٌ بالعريشة غرفة صغيرة.
أدخلهن العريس وقفل الباب من الخارج بالترباس (المزلاج)، فأثار ذلك التصرف استغرابهن طبعاً، وبعض لحظات ومن داخل الغرفة الصغيرة خرجت عليهن المفاجأة، فقد جاءت العجوز التي جاءت قبل أيام لبيت دِيِدَة، وقالت إنها قادمة من مكانٍ بعيد وأنها تريد ماء. المهم تفاجأت البنات، وسألنها بدهشة كبيرة: - هي يا حَبُّوبة! ما الذي أتى بك إلى هنا؟
فقالت لهن: - هذا داري، وصَبِي زَمْزَم هو ولدي!
فسألوها في حيرة: - طيب، أنت لم تقولي لنا ذلك.
- أن جئت لأرى، إن عجبتموني وأردت أن أخطب منكم خلاص، ولو لم تعجبوني أخرج دون أي مسؤولية وأسبب لنفسي أي إحراج ولا أسبب لكم إحراج، والحمد لله إنكم عجبتموني.
- الحمد لله، وربنا جعله خيراً إن شاء الله.
كانت دِيِدَة وصاحباتها قد وصلن إلى دار الغولة قبيل العشاء، وكنَّ مرهقات وجائعات. فقالت لهن الغولة: - خلاص، سأعد لكن طعام العشاء، فتأكلن وترتحن من هذه السفرة الطويلة، والصباح رباح، ونرى عندها ما علينا عمله.
فدخلت المطبخ، وبدأت تطحن العظام البشرية المتبقية من الموتى الذين أكلتهم مع ولدها.
ولكن دِيِدَة، باعتبارها ست البيت أو المرأة التي ستستقر هنا في هذه الدار، تبعتها لترى ما يحدث، فرأت العجوز وقد طحنت تلك العظام الآدميَّة، ومن شَطُرها (ثديها) ابتدأت تعصر لتحلب اللبن، يعني كان العشاء عصيدة هي خليط من طحين عظام الموتى من البشر مع لبن الغُولاويَّة.
وكانت دِيِدَة قد سمعت من أمها عن هذا النوع من عصيدة الغوالي، وكيف أنها تكسر من يأكلها فتُقعِد به وتشلَّه فلا يقدر على الحركة، وبذلك يصبح صيداً سهلاً وفريسة دانية في متناول الغُولاويَّة. وعرفت على الفور إن الغُولة وابنها (صَبِي زَمْزَم) يخططان لأن يأكلانها هي وصاحباتها. رأت دِيِدَة كل ذلك، فجاءت وأخبرت صاحباتها بهدوء عما شاهدته وعرفته، وقالت لهن: - حاصل، وحاصل، وحاصل ويبدو أننا وقعنا في شرِّ أعمالنا، وإن هؤلاء ليس بشر، وهذه المرأة غُولاويَّة ومن المؤكد إن ولدها هو أيضاً برضو غول.
- وما هو الحل يا دِيِدَة؟
- لا تقلقن، ويجب ألا يظهر علينا شيء من الخوف أو الفزع، بل نكون عاديات، لكيلا يشكوا في أمرنا، ويعرفوا إننا قد كشفنا حقيقتهم إلى أن نجد مخرجاً ونهرب منهم.
وكانت دِيِدَة أكبر أولائي البنات عمراً وحجماً، وكان عندها حكمة بحكم إن عمرها أكبر وتجاربها أكثر، وحسها الأمني كان مرتفعاً، فقالت لهم وهن قادمات إلى بيتها الجديد: - خذوا معكم زُوادة، حتى ولو كانت قَرقُوش (خبز جاف)، خُذُوها معكم، فهي تنفع ولا تضُر، فإن وجدنا الأكل أكلنا وألا فسنأكل من زُوَادتنا هذه.
وفعلاً، كل واحدة من البنات الأربعة حملت معها كمية من القرقوش، وعندما جاءت قالت لهن: - حذارِ أن تأكلن من عصيدة هذه العجوز الغولاوية، لأن ذلك سيسبب لكن الشلل، ولن تقدرن على الحركة فتأكلكن الغولة، فلنأكل فقط من القَرقُوش الذي أحضرناه معنا، ونشرب الماء، إلى أن يأتينا فرجٌ من الله.
وطلبت دِيِدَة من كل واحدة من صاحباتها أن تحفر حفرة في الأرض الرملية زي ما قلت لك، وتكب فيها العصيدة وتدفنها وكررت عليهن بألا يمدن أياديهن ويأكلن منها ولو كمية صغيرة، فقط يأكلن من القرقوش الذي يحملنه معهن.
وفي منتصف الليل، بعد أن ضمنت الغولة إن البنات قد نُمن أو تخيلت إنهن قد نمن، جاءت لترى هل أكلن أم لم يأكلن. وعندما رأت الأواني التي قدمت لهن فيها العصيدة فارغة اطمأنت لأن البنات قد أكلن. ولملمت الغولة أوانيها وانتظرت إلى آخر الليل لتتأكد من أن كل البنات قد نمن.
لكن دِيِدَة بسبب من يقظتها وحذرها لم تنم، نامت صاحباتها ولكن هي ظلت مستيقظة تتوجس شراً من العجوز الغولة وابنها (صَبِي زَمْزَم).
جاءت العجوز وجاء معها ولدها ذاته بأشكالهم الحقيقية هذه المَرَّة، وكانوا عمالقة أحجامهم ضخمة، وهيئتهم مخيفة تجمع بين صفات البشر والحيوانات، بأطراف غير متناسقة وأقدام غريبة، يغطي أجسادَهم شعرٌ كثيفٌ أشعث، ولهم أنيابٌ بارزة وحادة، وعيونُهم حمراءُ مشتعلة تتوهج في الظلام. جاءوا نحو البنات على أساس أن يهجموا عليهن ويأكلوهن، وبمجرد أن رأتهم دِيِدَة وهم يحملون السكاكين نهضت وجلست على السرير، فأحسوا هم بحركتها، ورجعوا في لحظاتٍ لهيئة البشر ودخلوا إلى العريشة.
قالت لها العجوز: - مالك يا دِيِدَة؟ لِــمَ لَـــمْ تنامي حتى الآن؟
- والله يا حَبُّوبة، أنا طبعي في اليوم الأول في أي مكان أذهب إليه لا أقدر أن أنام، ولا أستطيع النوم إلا في اليوم الثاني، لأنني أكون قد اعتدت على المكان فأقدر على النوم.
ودخلت الغولة مع ولدها للغرفة، وقامت قالت له: - خلاص، نصبر لباكر، فلن يفرق هذا اليوم الواحد.
ولكنه هَاجَ فيها ومَاجَ، وصاحَ في وجهها: - أنا مجهز نفسي للوليمة، ومشتهي هذا اللحم الطري، فلن أستطع صبراً.
- أصلاً لم نكن نحلم بأن تجئ إلينا خمس بنات مرةً واحدة، وكنا نعشم في واحدة وهي دِيِدَة، والآن وقت أن وهبنا الله الخمس بنات فلنصبر هذا اليوم الواحد، ولنرى ماذا يحدث في الغد.
واقنعه كلامها، فبات وهو على أحر من الجمر في انتظار الغد.
وكان الغول قد اعتاد أن يذهب منذ الصباح الباكر للصيد، على أن يعود لبيت أمه في الليل، وقد كانت هي مرابطة ومنقطعة لحراسة البنات، تصنع لهن العصيدة ليأكلنها فتضمن أنهن سيتكسرن فلا يقدرن على الحركة، فيسهل لها ولولدها الانقضاض عليهن دون أن تكون هناك مقاومة.
أما البنات فقد قررن أنه من المفروض أن يتخلصن من العجوز في الأول، لأنها هي التب تراقبهن، فلن يقدرن في وجودها أن يتحركن فيهربن، فالحل، بادئ ذي بدء أن يخلصن منها، ويبحثن عن الطريقة المُثلى ليُبعدنها عن طريقهن، ثم بعد ذلك يأتي الدور على ولدها (صَبِي زَمْزَم)، وكيف يمكنهن الهروب منه. فقالن لها: - يا حَبُّوبة، نحن عطشانين ونريد ماء.
- الماء في الزير، وهو بارد فاشربن منه.
- لا يا حَبُّوبة، نحن لا نشرب ماء الزير، نحن نشرب الماء بالغربال، فأهلنا يشربوننا الماء بالغربال. فلابد لك أن تحضري لنا الماء من البحر بالغربال.
واستجابت لشرطهن، فأخذت غربالاً وذهبت به إلى البحر.
في هذه الأثناء قالت لهن دِيِدَة: - الأرض هنا رملية ويسهل أن نحفرها، فلنجهز للغولة قبرها فننالُ منها قبل أن تنال منا.
ودخلن إلى غرفتهن، وبدأن يحفرن هن الخمسة، فحفرن وحفرن وحفرن طول اليوم، وجهزن حفرة عميقة جداً، والغُولاويَّة في البحر تغرف الماء بالغربال، وطبعاً لا أحد يستطيع أن يجلب ماء بالغربال لأن الغربال يسرب الماء فيندفق كله، وفي النهاية ضاقت العجوز ذرعاً بمحاولتها لجلب الماء بالغربال، وطفح كيلها، وضجرت فجاءت راجعةً، قائلةً لنفسها: - عليهن أن يشربن ماء الزير، شربنها… شَرِبنها، أو فليمتن من العطش.
وجاءت راجعة، وكانت البنات في غيابها قد أتممن الحفر، وجهزن لها قبرها، وما أن أَحَسَّن بخطواتها وهي قادمة وقفن لها وراء الباب، وعندما خطت خطوتها الأولى داخل الغرفة، ضربنها في رأسها، وخبطوها بيد الفُنْدُك، فأغمى عليها ووقعت، وقبل أن تتأكد البنات من أنها ماتت أم لا، حملنها وربطنها وأنزلنها في تلك الحفرة بعد أن حشين فمها وأنفها بخرقة من القماش، وأَهِلن عليها التراب، ثم جلسن وهن في حالة ترقبٍ وانتظار.
وفي الليل جاء (صَبِي زَمْزَم) من الصيد، وصاح بهن: - هَلَّا هَلَّا يا البَايْرات،
أدَّانِي ليكم الله!
فرددن عليه بأهزوجة قصيرة، وأنشدن: - جينا من بلداً بعيد لي زمزم
نحسبه صبياً زين
تَارِيهُ غُولاً بصايد الليل.
جاء صَبِي زَمْزَم وهو يصيح وينادي على أمه، ولكنها لم ترد عليه. فهمسَ لنفسه قائلاً: - أمي عندها كل أولائي البنات، فهل أعجزها أن تذبح واحدة منهن، وتجهز لنا طعاماً شهياً آتي فأجده، بدلاً عن أن تخرج لتصاد، ألم يكن من الأحسن لها الصيد المتوفر عندها في البيت؟ (وقد كان صَبِي زَمْزَم يحسب إن أمه قد ذهبت لتصطاد).
فسأل البنات عن أمه وأين ذهبت، فقالن له: - لا نعرف والله، هي خرجت منذ الصباح ولم تعد حتى الآن.
- يعني لم تأكلن، وهي لم تطبخ لكن طعامكن؟
- أكلنا فقط وجبة الصباح، ونحن الآن جائعات ونريد شيئاً نأكله.
- ماذا تردن أن أُحضِر لكن من طعام؟
- نريد بطيخاً، فقط احضر لنا بطيخ، فالبطيخ يساعدنا ويزيد من وزننا، وهناك عند أهلنا يقدمونه لنا لنسمن ونشحم.
قلن له ذلك، وهن يردن إغراءه وليفهم أن وزنهم سيزيد بالبطيخ، ولكن كانت تدور في رؤوسهن خطةٌ معينة.
وذهب الغول وجلب لهن كمية كبيرة من صناديق البطيخ، أنزلها لهن، وقال لهن: - يلا أكلن لتشحمن!
وأقبلت أولائي البنات على البطيخ، وبدأن يأكلن ويأكلن، وعلى طول ذلك اليوم الأول كان طعامهن فقط البطيخ مع القرقوش.
كانت الفكرة التي دارت في رؤوسهن من أكل البطيخ إنهن أردن أن تمتلئ مثاناتهن بالبول، للقيام بأمر محدد جال بخاطرهن.
في اليوم الثاني دخل عليهن الغول وقال لهن: - هَلَّا هَلَّا البايرات
الجابكن لي الله
لحمكن زاد
شحمكن فات
نَجُو ناكلوكم في الميعاد
فردن عليه هن أيضاً وهزَجْن له: - جينا من بلداً بعيد لصَبِي زَمْزَم
نَحَسْبو صبياً زين
تاريه غُولاً بصايد الليل
لحمنا قلَّ
وشحمنا ولَّى
البايرات ليهن الله
وهكذا صار الأمر واضحاً واللعب على المكشوف، فقد عرفن إنه غول وفهموا إنه أحضرهن ليأكلهن، وأرد أن يوصلن له معلومة أنهن قد كشفن أمره، وأنهن منتظرات رحمة ربنا حسب الأهزوجة التي ردَّن بها عليه.
والبنات طبعاً كنَّ محتاجات ليومين أو ثلاثة ليصلن إلى ديارهن، ولابد أن يتركن شيئاً يطمئن الغول بأنهن لا زلن موجودات، فيلهيه بذلك عن متابعتهن واللحاق بهن، فماذا كانت الخطة؟
كانت الخطة أن يتحركن، بعد أن يذهب الغول في الصباح للصيد، وقبل أن يغادرن يملأن الأرضيَّة بالبول، كمية كبيرة من البول من البطيخ الذي أكلنه، وأن يوصين البول ليرد عليه، وفعلاً أوصن البول بالرد على الغول عندما يأتي إليهن ويقول لهن: - هَلَّا هَلَّا البايرات
الجابكن لي الله.
فصبن كمية كبيرة من البول على الأرضية، وقدرن إن البول سيظل موجوداً لمدة الأيام الكافية لوصلهن لأهلهن قبل أن يجف. وفي صباح اليوم الثاني غادرن في طريقهن إلى الديار.
وجرت البنات بأقصى سرعة، وجرن، وجرن. لأنهن أردن أن يصلن في أقصر فترة قبل أن يجف البول، فيتابعهن الغول، وكن يعرفن أنه بمجرد وصلهن عند أهلهن لن يستطع الغول أن يفعل لهن سوءاً أو يضرهن بشيء. لأن ناس الحي كلهم سيتكاثرون عليه، وكما يقولون: (والكثرة غلبت الشجاعة)، وينتهوا منه ويقتلوه. لكن هن لن يستطعن هزيمته والقضاء عليه لوحدهن.
جاء في الليل إلى العريشة، وأخذ يصيح بالبنات: - هَلَّا هَلَّا البايرات
الجابكن لي الله
لحمكن زاد
شحمكن فات نجي
ناكلوكم في الميعاد
فرد عليه البول بصوت صاحباته، وأنشد: - جينا من بلداً بعيد لِصَبِي زَمْزَم
نحسبو صبياً زين
تارِيهُ غُولاً بصايد الليل
فأطمأن صَبِي زَمْزَم لأ البنات لا زلن موجودات، هذا في اليوم الأول من هروبهن. وافتقد الغول أمه طبعاً ولم يعرف أين ذهبت، فقرر أن يذهب ليبحث عنها في الصباح الباكر.
في اليوم الثاني جاء الغول في الصباح، قبل أن يخرج للبحث عن أمه، ليتأكد من وجود البنات، وأخذ يصيح بهن أمام العريشة: - هَلَّا هَلَّا البايرات
الجابكن لي الله
لحمكن زاد
شحمكن فات
نجي ناكلوكم في الميعاد
ود عليه البول بصوت البنات: - جينا من بلداً بعيد لصَبِي زَمْزَم
نحسبو صبيا زين
تاريه غولاً بصايد الليل.
فأيقن إنهن موجودات، وقرر أن يذهب ليرى أين هي أمه، وظل يبحث عنها ويبحث في كل الأماكن التي اعتادت الغولة أن تصطاد فيها، يبحث ويبحث ولكنه لم يجدها بل ولا أي أثر لها. فلم يكن يعرف أنها مدفونة تحت تراب العريشة، فرجع خائباً إلى الدار.
وأمام العريشة صاح بالبنات: - هَلَّا هَلَّا البايرات
الجابكن لي الله
لحمكن زاد
شحمكن فات نجي
ناكلوكم في الميعاد
وبعد أن رد عليه البول: - جينا من بلداً بعيد لصَبِي زَمْزَم
نحسبو صبيا زين
تاريه غولاً بصايد الليل.
قال لهن: - صبرنا قلَّ
ونومنا ولَّى
ناكلوكم هسَّة والله.
وكان متخيل إنهن بالداخل طبعاً، فأشعل ناراً ليحرق العريشة، وفعلاً شبَّ اللهب في الحصير بسهولة. وصار البطيخ يتطاير ويطرشِق (ينفجر)، وهو يقول: - هَلَّا هَلَّا
- دا شَطُر دِيِدَة الغَلِيدَة
فقد كان يسمي عروسته (دِيِدَة الغَلِيدَة). وككان لما طرشقت بطيخة يقول: - هَلَّا هَلَّا
دة شَطُر دِيِدَة الغَلِيدَة.
ثم انطفأت النار بعد أن التهمت العريشة وحرقت كل شيء. ودخل الغول ليبحث في المكان وهو يمني نفسه بوجود كمية كبيرة من لحم البنات المشوي، فيأكل ويشبع، وأمه تأكل، بعد عودتها، وتشبع. ولكنه لم يجد شيئاً مما توقع فقط بقايا البطيخ الذي طرشق أو القشر المتبقي من أكل البنات، ولا أي شيء هناك. فأدرك إن أولائي البنات قد هربن.
ونجحت البنات في الهرب من صبي زمزم ووصلن لأهلهن، وهناك حكين لهم القصة، وكيف أن صَبِي زَمْزَم هذا ما هو إلا غول، وإن العجوزة التي كانت قد زارتهم ورمت عندهم الودع، كانت هي أمه الغولة، وكيف أنها خدعتهم، وحمدن الله على نَجَاتهن.
ومنذ ذلك الوقت قررت البنات ألا يجرين وراء الأحلام، ولا يلهثن وراء فرصة الزواج وتكوين أسرة كيفما أتفق. وأهلهن ذاتهم اقتنعوا بألا يثقوا في أي شخصٍ غريب يتقدَّم لخطبة بناتهم أولائي، ولابد أن يكون العرسان أشخاص معروفين، ومن أسر معروفة.
انتهت الحكاية
amsidahmed@outlook.com
