الجريدة هذا الصباح..
الأجهزة الأمنية وسلطاتها تحاول إخضاع المجتمع حتى لا يقول «لا للحرب».
وهذا ليس عارًا على القضاء كمؤسسة فحسب، بل على سلطة عطّلت استقلاله وجعلته أداة في يد الأجهزة الأمنية.
أطياف
صباح محمد الحسن
قانون البراء
طيف أول:
كلُّ ليلٍ فيك سينجلي،
وكلُّ ظلامٍ فيك عابر،
وكلُّ شروقٍ وإن تأخّر حينه،
لا بدَّ أن صبحه آتٍ.
والقرار الذي ناقشه المجلس الانقلابي قبل أسابيع برئاسة الفريق البرهان، واستعرضناه هنا، كان يتحدّث عن ضرورة مراجعة عملية الاتهام بالتعاون مع الدعم السريع التي تُوجَّه للمواطنين. وذكرنا أن انتباهة المجلس المتأخرة بعد ثلاث سنوات تؤكد أن الاتهامات السابقة منذ بداية الحرب قامت على أساس خاطئ.
ولكن يبدو أن المجلس ناقش القضية، لكنه لا يملك القرار فيها.
فإعادة تعريف تهمة التعاون وضبط استخدامها جاءت بعد انتقادات واسعة للأحكام القاسية والاعتقالات العشوائية.
والآن تحوّلت المحاكم السودانية إلى ساحة فوضى تعكس أن السلطات لا تملك مستقبلًا طويلًا، لأنها فقدت أهم أدوات البقاء، وهي الثقة بالنفس التي تدفعها إلى التهور، فيجردها ذلك من القدرة على إدارة الخلاف.
فالآن تجري محاكمات في عدة ولايات، يواجه فيها الشباب عقوبة الإعدام، منهم شاب يُحاكم بتهمة التعاون مع النور قبة الذي يجلس يمين البرهان الآن.
فالمجلس ناقش الفكرة لكنه لم يحوّلها إلى قرار نافذ لأنه مشلول الإرادة، ولم يصدر منشورًا قضائيًا يلزم النيابات بإيقاف أو مراجعة الاتهامات لأنه لا يسيطر على الأجهزة العدلية.
ولم تُصدر وزارة العدل أو النائب العام تعريفًا جديدًا للتهمة، لأنه لا توجد عدالة ولا وزارة.
فالأجهزة الأمنية والنيابات الآن تعمل بقانون البراء القائم على التشفي والانتقام.
وفي دنقلا تجري الآن محاكمة الطبيب الصيدلي أحمد شفا، التي تكشف انهيار القضاء أمام النفوذ الأمني والسياسي وتسلط الضوء على سلطة خائفة
وفي ذات الوقت أصدرت محكمة كوستي حكمًا بالإعدام بحق القيادي بحزب الأمة القومي والضابط السابق في الشرطة السودانية صديق سنادة، بعد إدانته بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع خلال فترة سيطرتها على محلية القطينة بولاية النيل الأبيض.
وهذا يكشف أن المحاكم الآن تُستخدم كأداة سياسية لتصفية الخصوم؛ فالسلطة الواثقة لا تحتاج إلى القضاء لإسكات معارضيها.
لذلك فإن هذا الاتجاه يؤدي إلى تآكل شرعيتها حتى في عيون مناصريها، مهما امتلكت من قوة عسكرية أو أمنية.
وتُوجَّه أحيانًا الاتهامات وتُعرقل العدالة بناءً على انطباعات قائد البراء ومنشوراته على فيسبوك، وهذا يعني أن الكتائب كانت ولا تزال جهاز تشفٍّ يحرّك الاتهامات كما يشاء.
فالطبيب أحمد شفا يُحاكم لأنه قال إن الحرب عبثية، وشباب يُعتقلون لأنهم كتبوا «لا للحرب»، ومحاكم تُعرقل عندما يكتب البراء منشورًا، واتهامات تُلفّق بلا أدلة وبلا تعريف قانوني واضح.
ولا تُستخدم المحاكم لتحقيق العدالة، بل كأداة لإخضاع المجتمع وإسكات الأصوات التي ترفض الحرب أو تنتقد السلطة.
فتحويل الرأي السياسي إلى جريمة يعني أن الأجهزة الأمنية وسلطاتها تحاول إخضاع المجتمع حتى لا يقول «لا للحرب».
وهذا ليس عارًا على القضاء كمؤسسة فحسب، بل على سلطة عطّلت استقلاله وجعلته أداة في يد الأجهزة الأمنية وكتائب البراء.
فهذا الفراغ القانوني المريع يسمح للسلطة بأن تُحوّل التهمة إلى سلاح سياسي تُشهره في وجه كل من يعارض الحرب أو ينتقد السلطة.
وأخطر ما يمكن أن يحدث في دولة منهارة: أن تتحوّل العدالة إلى أداة في يد مجموعة من العصابات الأمنية، هي ذاتها تواجه اتهامات وتلاحق دوليًا بسبب ارتكابها الفظائع.
فالبراء الذي طاف الدول يبحث عمّن يشفع له، لماذا يمارس غلّه على المواطنين الأبرياء!!
فأغلب المتهمين في السجون الشاكي ضدهم عناصر من كتائب البراء.
فطالما أن أغلب الاتهامات هي «التعاون مع الدعم السريع»، فلماذا لا تكون المؤسسة العسكرية هي الشاكي ولماذا عناصر البراء هي دائمًا التي تعتقل المواطنين؟
أما السلطات التي احتضنت المنشقين من الدعم السريع، فهي اعترفت ضمنيًا بأن الإنتماء ليس جريمة مطلقة، بل حالة يمكن تجاوزها إذا تغيّر الموقف السياسي.
فالاعتراف يجب أن يمتد إلى المواطنين الذين لم يحملوا سلاحًا ولم ينضمّوا إلى الدعم السريع.
ولا شك أن تصفية الخصوم تُحوّل السلطة إلى طرف في الصراع لا حكمًا فوقه.
وهذا التخبط لا يخدم السلطة التي تحاول كسب ودّ المواطن لتحكمه من جديد، بل يجعلها وحيدة في مواجهة الأزمات.
فالقمع يعطي السلطة وقتًا… لكنه لا يعطيها مستقبلًا.
طيف أخير:
لا_للحرب
يعقد مجلس حقوق الإنسان جلسة النقاش الخاصة بمدينة الأبيض، وذلك يوم الجمعة ٣ يوليو، في تمام الساعة العاشرة صباحًا.
