قبل أن يذبل القلب
سعاد الراعي
تقديم: حامد فضل الله – البرليني
صدر هذا العام عن دار نشر “باكنانغ في ألمانيا رواية جديدة، للروائية والناقدة العراقية سعاد الراعي بالعنوان أعلاه.
تقع الرواية في 156 صفحة من الحجم المتوسط، وتضم، إلى جانب الإهداء والتقديم، ثمانية عشر فصلًا، وتُختتم بآراء وملاحظات عدد من الكتّاب والنقاد حول العمل.
وجاء في الإهداء:
“إلى التي ألهمتني حكايتُها، فرافقتْ خُطاها كلَّ سطرٍ في هذا الأثر، إلى الذين حزموا أوطانهم في حقائب الغربة، ومضوا يقاومون صقيع المنافي وثقل العنصرية دون أن تنحني كرامتُهم…
إلى كل قلبٍ هائمٍ يأبى أن يذبل، وينقّب في عتمة هذا العالم عن مرفأٍ أخيرٍ للنجاة.
إليكم جميعًا أشرَعُ أبوابَ هذه الرواية”.
لقد كرّمتني الكاتبة بدعوتها إلى كتابة تقديم لهذه الرواية. إنها ثقة أعتز بها كثيرًا، وأشعر تجاهها بامتنان خاص، لما تحمله الرواية من جمال، وما تتيحه لي من صحبة نصٍّ أدبيٍّ أحببته، وتأملت عوالمه وشخصياته وأسئلته الإنسانية.
ويسعدني أن أنشر هنا نصّ التقديم الذي كتبته للرواية، راجيًا أن يجد فيه القارئ بعضًا من مفاتيح هذا العمل، وأن يكون مدخلاً إلى عالم، وإلى التجربة الإبداعية للروائية سعاد الراعي.
نص التقديم
ليست مهمة التقديم أن يكشف أسرار الرواية أو أن يسبق القارئ إلى تأويلها، بل أن يفتح له باب الدخول إلى عالمها. ومن هذا المنطلق، تأتي رواية “قبل أن يذبل القلب” لتطرح سؤالاً إنسانياً بالغ الراهنية:
كيف يستطيع الاِنسان أن يحافظ على كرامته وهُويته في مواجهة الاغتراب والعنصرية والانكسار المتلاحقة؟
تنسج الكاتبة سعاد الراعي عالمها السردي من تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان، وتلامس قضايا يعيشها كثير من المهاجرين والمنفيين في عالمنا المعاصر.
فبطلتها “ندى” ليست شخصية فردية فحسب، بل تمثل شريحة واسعة من البشر الذي يحملون أوطانهم في ذاكرتهم، ويبحثون عن الاعتراف بإنسانيتهم قبل أي شيء أخر.
وتقوم الرواية على لغة ذات نفس شعري واضح، تتكئ على الصورة والاستعارة والاِيقاع، فتمنح السرد بعداً وجدانياً ينسجم مع طبيعة التجربة التي تعيشها البطلة.
كما يلاحظ القارئ حرص الكاتبة على جعل الألم الاِنساني محوراً للرواية، لا بوصفه غاية، وإنما طريقاً إلى المقاومة والأمل والاِنبعاث.
ويبرز في العمل اهتمام واضح بقضايا الاندماج والاغتراب، وما قد يتعرض له الاِنسان من صور الاِقصاء والعنصرية إلى جانب نقد بعض الممارسات البيروقراطية التي تُفقد المؤسسات رسالتها الاِنسانية، وهي موضوعات تمنح الرواية بعداً اجتماعياً وإنسانياً يتجاوز حدود الحكاية الفردية، مع بقاء أي عمل إبداعي مفتوحاً على تعدد القراءات واختلاف التأويلات.
ولعل من المهم ان يُترك للنص حقه في مخاطبة قارئه مباشرة، فبينما يفضل بعض القراء أن يطلعوا مسبقاً على ملامح رؤية الكاتبة وقضاياها، يختار آخرون أن يخوضوا تجربة القراءة من دون وسائط، تاركين للنص وحده مهمة الكشف عن دلالاته وبناء معانيه. ومن هنا فإن هذه الصفحات ليست سوى إضاءة أولى، لا تغني عن متعة الاكتشاف التي تمنحها الرواية لقارئها.
و قد يلمس القارئ عناية الكاتبة بالتوكيد على بعض القضايا الإنسانية، من خلال العودة إليها في أكثر من موضع، بما يعكس إصرار النص على ترسيخ قيم الكرامة والعدالة والتسامح.
أن هذه الرواية تنتمي إلى ذلك اللون من السرد الذي يجعل الاِنسان محور اهتمامه الأول، ويؤمن بأن الأدب لا يكتفي بسرد الواقع، بل يسعى أيضاً إلى مساءلته وإضاءة جوانبه المعتمة.
ولهذا فأن ” قبل أن يذبل القلب” ليست مجرد حكاية عن الغربة، بل هي دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الانتماء، وفي مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه الآخر، أيا كان أصله أو هُويته.
وأحسب أن القارئ سيجد بين صفحات هذا العمل تجربة تستحق التأمل، لأنها تنطلق من وجع إنساني صادق، وتطمح إلى أن تفتح نافذة على الأمل، مؤكدة أن القلب، مهما أثقلته الجراح، يبقى قادراً على مقاومة الذبول متى تمسك بكرامته واِنسانيته.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أحيى الكاتبة سعاد الراعي على هذا الجهد الاِبداعي، الذي يجمع بين صدق التجربة ودفء الاِحساس، ويطرح قضايا الاِنسان بلغة مشحونة بالعاطفة والتأمل. لقد استطاعت أن تنسج عملاً يلامس الوجدان ويثير الأسئلة، ويمنح القارئ فرصة للتفكير في قضايا الغربة والانتماء والكرامة الاِنسانية، وهي بذلك تضيف إلى تجربتها الأدبية عملاً جديراً بالقراءة والتقدير، ومتمنياً لها دوام الاِبداع والتألق.
برلين ــ ألمانيا، 23. 07 . 2026
E-mail: hamidfadlalla1936@gmail.com
سعاد الراعي، قبل أن يذبل القلب، مطابع باكنانغ \ ألمانيا،
Backnang Press / Germany
الطبعة الأولى: ايلول \ سبتمبر 2026
