دلف المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان، إلى مجلس الوزراء، قبل ساعات من مغادرته العاصمة السودانية الخرطوم، دخل على مكتب الدكتور عبد الله حمدوك، والفرحة لا تسعه لينقل أخباراً سارة، بإبلاغه بنجاحه في إحداث اختراق نتيجة لقاءاته برئيس مجلس السيادة، وقائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو، الشهير بلقب حميدتي.
نقل فليتمان، لحمدوك، تعهد الجنرالين، بعدم اتخاذ أي إجراءات تطيح بالانتقال السلمي الديموقراطي.
غادر المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان، الخرطوم عقب جولاته المكوكية للسودان، وهو يرتب أوراقه للعودة من جديد في يوم السادس من نوفمبر ٢٠٢١ كزيارة ثالثة خلال شهر واحد، وتهدف زيارات المبعوث الأمريكي المتلاحقة لإجراء اتصالات مع القيادات السودانية والتشديد على أهمية الالتزام بالعملية الانتقالية، والتأكيد على الموقف الأمريكي الداعم للانتقال السلمي الديموقراطي في البلاد التي شهدت ثورة كبيرة أطاحت برأس نظام الإسلاميين عمر البشير، في الحادي عشر من أبريل ٢٠١٩..
كانت الإدارة الأمريكية قد عينت الدبلوماسي جيفري فليتمان، مبعوثاً للقرن الأفريقي، في أبريل ٢٠٢١، وجاء الاختيار لخلفيته الدبلوماسية وعملها في منطقة الشرق الأوسط في إسرائيل ولبنان، وعمان، وهدفت لمواجهة قضايا شائكة في المنطقة مثل الحرب بين القوات الأثيوبية وجبهة تحرير تقراي، وانعكاساتها على القرن الأفريقي، وكذلك قضية الصومال، وأزمة سد النهضة، وبالتأكيد الأوضاع السياسية المضطربة في السودان، لا سيما وأن واشنطن، أوضحت تحمسها للتغيير في البلد الأفريقي المتاخم للشرق الأوسط، وسقوط رأس نظام الإسلام السياسي، وأكدت إدارة الرئيس الأسبق دونالد ترومب دعمها للانتقال في السودان، وأقرت قانوناً لحماية الانتقال والتحول الديموقراطي في السودان في بداية عام ٢٠٢٠، وتضمن القانون حزمةً من الحوافز لدعم الانتقال ويقابلها حزمةً من العقوبات للذين يهددون الحكم المدني، أي أنها تبنت سياسة ” العصا والجزرة”، وربطت ذلك بمسألة التطبيع مع إسرائيل، مع أن الكثيرين لا يؤمنون بوجود سياسة أمريكية محددة تجاه السودان، فهي أكثر اهتماماً بالشرق الأوسط من أفريقيا.
نقل فليتمان، لحمدوك، موافقة الجنرالين على مقترح يخرج الأزمة من عنق الزجاجة التي دخلت فيه، كان فليتمان، قد أجرى في الساعات الأخيرة من مغادرته اتصالات مكثفة مع قادة البلاد السياسيين والعسكريين والتنفيذين، حيث التقى برئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الذي كان قد تعرض لضغوط شديدة من قبل الجنرالين عبد الفتاح البرهان، ومحمد حمدان حميدتي، طلب الجنرالان بصورة صريحة من حمدوك، حل حكومته وابعاد عناصر الحرية والتغيير منها، وابدالهم بوزراء ” تكنوقراط” على أن يبقي على وزراء الجبهة الثورية السبعة التزاماً باتفاق جوبا للسلام.
رفض حمدوك، الإذعان للطلب رفضاً باتاً. مشدداً؛ على أن موقفه جاء تمسكاً بالوثيقة الدستورية التي تم تعديلها في اتفاق جوبا بالنص على أن مجلس الوزراء السوداني، يتألف من رئيس، وعدد من الوزراء يتم اختيارهم بالتشاور، ويعينهم رئيس الوزراء من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير، وأطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا. وقبلها كانت الوثيقة تنص على تعيين وزراء من كفاءات وطنية مستقلة، لم يكن حمدوك مسروراً بالتعديل من حيث المبدأ في الوثيقة الدستورية؛ لا سيما إضافة المادة ( ٨٠) التي نصت على تكوين هيئة جديدة، هي مجلس الشركاء لتتمدد وتحل محل السلطة التشريعية والتنفيذية في ذات الوقت، وهي واحدة من الأسباب التي دفعته ذات مرة لتقديم استقالة، لكن تراجع منها تحت تأثير وضغوط من حوله.
عقد جيفري فيلتمان، خلال زيارته عدة لقاءات أهمها الاجتماع المشترك مع بالبرهان، ونائبه “حميدتي”، ولقاء منفصل مع كل منهما، قبل أن يعقد اللقاء الأخير مع ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، يوم السبت الموافق ٢٣ أكتوبر.
سعى الجنرالان خلال اللقاء لتحميل عبئ كل الأزمة السياسية الطاحنة لقوى الحرية والتغيير، وأتهما القوى السياسية بانتهاك الوثيقة الدستورية، وتحقيق الوفاق، والتسبب في عجز حكومة الدكتور حمدوك، التي فشلت حسب رأيهما في إدارة كل قضايا البلاد؛ لا سيما قضايا المعيشة و تحقيق الأمن.
قدم الجنرالان خلال اللقاء صورة قاتمة عن الأوضاع، بالتركيز على خلافات وتمزق المكون المدني، وما جرته من انفلات أمني، وفوضى، وطالبا حمدوك، بحل الحكومة المدنية فورا وتشكيل حكومة ” تكنوقراط”. حرص فيلتمان، على ارسال رسائل تحذيرية حال تهور العسكريين والإطاحة الحكومة المدنية، مؤكداً دعم الولايات المتحدة للانتقال الديمقراطي المدني في السودان، ‘بما يتماشى مع ما عبر عنه الشعب السوداني’. وأضافت السفارة الأمريكية في الخرطوم، عبر تويتر أن فيلتمان حث جميع الأطراف على تجديد الالتزام بالعمل معاً لتنفيذ الوثيقة الدستورية، واتفاق جوبا للسلام.
كان رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، قد طالب بمنحه مهلة لمدة أسبوعين تمكنه من اجراء مزيد من التشاورات مع قوى الحرية والتغيير، واقناعها بالتوصل لصيغة تساعد على مرور العاصفة التي تحيط بكل الفترة الانتقالية، تلك العاصفة، أوقل التسونامي؛ الذي سوف يقتلع كل أوتاد الانتقال، ويدمر مؤسساته، ويفتح البلاد مستقبلاً على بوابات الجحيم ؛ فيدخل السودان إلى مصير دول الربيع العربي، لتتكرر ذات السيناريوهات في ليبيا واليمن وسوريا.
كثَّف المجتمع الدولي من تحركاته، ونقلت الوكالات العالمية حالة التوتر السودانية، وكشف رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان، فولكر بيرتس، أهمية انخراط المكونين المدني والعسكري في الحكومة الانتقالية السودانية في حوار شامل يطوي الخلافات. وقال بيرتس -عقب لقائه كباشي- إن هناك محاولات جدية لخفض التصعيد بين أطراف الأزمة، وأكد أنهما اتفقا على ضرورة إجراء حوار شامل بين المكونين العسكري والمدني لتجاوز الخلافات”.
من جهة أخرى، قالت الخارجية الأميركية في بيان إن زيارة المبعوث الأميركي إلى القرن الأفريقي جيفري فيلتمان سلطت الضوء على التزام واشنطن الثابت باستمرار الانتقال السياسي في السودان. ونقل موقع قناة الجزيرة الإخبارية ” أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في اتصال مع وزيرة خارجية النرويج إيني ماري إيركسون حرص المكون العسكري على دعم وحماية الانتقال الديمقراطي في بلاده.
وقال البرهان إن “المكون العسكري حريص على دعم وحماية الانتقال الديمقراطي، والعمل سويا مع رئيس الوزراء (عبد الله حمدوك) والقوى السياسية لإنجاح الانتقال والتحول الديمقراطي، عبر انتخابات حرة ونزيهة تنتج عنها حكومة مدنية ديمقراطية”،١ وفق بيان لمجلس السيادة. وأعربت وزيرة خارجية النرويج عن ارتياحها لسماع هذه التطمينات من رئيس مجلس السيادة الانتقالي، بحسب البيان. وكان المبعوث النرويجي الخاص للسودان أندريه ستانس، قال خلال لقائه في الخرطوم رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، إن بلاده تدعم التحول المدني الديمقراطي في السودان.
نقلت ” الجزيرة ” أيضاً تحذيرات واشنطن شديدة اللهجة، حيث قالت الخارجية الأميركية في بيان إن زيارة المبعوث الأميركي إلى القرن الأفريقي جيفري فيلتمان، سلطت الضوء وأضافت أن المبعوث الأميركي ربط دعم بلاده للخرطوم بالتزامها بالنظام الانتقالي المتفق عليه في الإعلان الدستوري لعام 2019، وباتفاقية جوبا للسلام. وقال البيان إن “الانحراف عن مسار النظام الانتقالي سيعرض العلاقة الأميركية السودانية للخطر”٢. وأضاف أن الولايات المتحدة ستواصل مراقبة التطورات في السودان عن كثب بالتنسيق مع الترويكا وشركائها في أوروبا والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
من جانبها وافقت الحرية والتغيير، على حل الحكومة وسحب الوزراء الذين يعتبرهم العسكر خميرة عكننة، إلا أنهم اشترطوا على حمدوك، تشكيل حكومة جديدة باختيار الحرية والتغيير من عناصر قوية أخرى من خارج التحالف، مع رفض تدخل العسكر في اختيار أي منهم.
نقل فليتمان، المقترح لقائدي الجيش والدعم السريع، بعد حوار وجولات هنا وهناك أكدا له قبولهما بالمقترح، وتعهدا بعدم قيادة أي تحرك عسكري يهدد الحكم المدني، والانتقال السلمي الديموقراطي، عاد المبعوث الأمريكي بعد سماعه تعهد الجنرالين؛ إلى رئيس الوزراء يتهلل فرحاً، كان كمن يهتف ” وجدتها .. وجدتها”، خرجنا من الأزمة؛ أبلغ حمدوك، بالاختراق الكبير الذي حدث، وقبل سفره الى المطار التقى أيضاً بوزير مجلس الوزراء خالد عمر يوسف، وبالمستشار السياسي ياسر عرمان، بمكتب الوزير، وأكد لهما قرب انتهاء الأزمة، وموافقة الجنرالين على المقترح، وقال إنه سوف يعود إلى الخرطوم في اليوم السادس من نوفمبر ٢٠٢١
مع أنَّ الجنرالين لم يكونا على قلب جنرالٍ واحد، بل كانا جنرالان متنافران، كانا فتيلة قنبلتين، كانا سلاحين مختلفين؛ لذلك لا أحد منهما يستطيع إعطاء ظهره للآخر، وإن أظهرا تصالحا، إلا أنهما كانا متنافسين؛ وإن اظهرا مودة، بل ما أن ذهب أحدهما إلا؛ وبدأ في التفكير في كيفية توجيه ضربة لصديقه، كان كل منهما يعبئ بندقيته بالبارود، يكمن لأخر، يبحث عن ثغرة، لكنهما اتفقا على الانقلاب، لماذا؟ كانا مختلفين ومتصارعين وأوشكت الحرب أن تنفجر بين قائد الجيش وقائد الدعم السريع في يونيو ٢٠٢١ـ أي قبل انقلابهما بأربعة أشهر، ثمة سبب وحدَّهما، فتحالفا ليومٍ واحدٍ. نعم ليومٍ واحد، وبرزت الصراعات المكتومة إلى العلن لتفجر بعد ذلك مدعومة بخطاب كراهية وتجييش وتحريض على الحرب من قبل أصحاب المصلحة الحقيقية في تعطيل عجلة التغيير.
وقبل أن تلامس اطارات طائرة المبعوث الأمريكي مطارات واشنطن عزفت موسيقى الغدر وتعلن بداية فصلٍ من فصول الخيانة.
السليك
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم