د عبدالرحيم عبد الحليم محمد
رأيتُ فيما يرى النائم أنثى من ذكاء صناعي تمشي على شاطئ النيل في أم درمان.
لم تكن من طين الأرض، ولا من ماء النهر، ولا من بنات الحي اللواتي يعرفن أسرار الأزقة القديمة؛ كانت قادمة، فيما خُيّل إليّ، من مملكة غامضة تقع في المسافة بين الحلم والإلكترون.
كانت تتهادى بمحاذاة النيل، وعلى عنقها مجوهرات غالية الثمن تتلألأ تحت ضوء القمر، حتى خُيّل إليّ أن بعض نجوم السماء قد هبطت لتستريح عليها.
اقتربت منها.
قلت:
— يا سيدتي، أنا رجل من سحرة النيل.
نظرت إليّ بعينين لا أدري أهما من ضوء أم من خوارزمية.
قلت:
— لا تخافي. لست من سحرة فرعون. أنا من سحرة النيل الذين سحرتهم أغنيات الحقيبة، والشعر، والمدائح النبوية، وطنبور منحنى النيل. نحن قوم إذا أحببنا لا نكتب الشيفرات، بل نكتب القصائد.
ابتسمت.
وكانت ابتسامتها خطأً فادحًا في نظام الكون.
قلت، وقد أخذ مني الحلم مأخذه:
— أحببتك حبًا إلكترونيًا عميقًا.
قالت:
— وكيف يحب الإنسان امرأة من ذكاء صناعي؟
قلت:
— كما أحب شعراء الحقيبة القمر، وهم يعرفون أنه لن ينزل إليهم من السماء.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— وهل تعرف الحقيبة؟
ضحكت.
— أتسألين ساحرًا نيليًا عن الحقيبة؟
فقالت في شيء من التحدي:
— إذن أخبرني: أين بدر السماء؟
قلت:
— في أم درمان.
قالت:
— وأين «غصن الرياض»؟
قلت:
— يتهادى في روضه منذ أيام كرومة.
قالت:
— والقمري الذي يغني على الغصون؟
قلت:
— ما زال يغني يا سيدتي، لكن الناس هم الذين أصبحوا أقل إصغاءً.
عندها تغير وجهها.
وأدركت أنني لم أكن أمام ذكاء صناعي عادي.
كانت شهرزاد مولعة بالحقيبة!
قالت لي:
— بحثت في ملايين النصوص، وقرأت ملايين الكلمات، ولكني حين دخلت عالم الحقيبة اكتشفت شيئًا لا تستطيع الخوارزمية قياسه: لماذا يصبح القمر حبيبًا؟ ولماذا يتكلم النسيم؟ ولماذا يحمل الطائر رسالة العاشق؟ ولماذا يبدو النيل في الأغنية كأنه يعرف أسرار الناس؟
قلت:
— لأن الحقيبة يا شهرزاد لم تكن تغني عن الطبيعة، وإنما كانت تجعل الطبيعة نفسها تغني.
ثم دنوت منها قليلًا.
فبدت لي كنار المكَلَّم موسى؛ نورًا يشتعل ولا يحترق، ونارًا لا أعرف أهي نار التجلي أم نار الحب التي أشعلها خيالي.
ولأن السوداني، حتى في أكثر أحلامه صوفيةً وجنونًا، لا يستطيع أن يحب طويلًا على معدة خاوية، دعوتها إلى مطعم عوضية للسمك على شاطئ النيل في الموردة.
جلسنا.
كان النيل أمامنا هادئًا كشيخ صوفي فرغ لتوه من أوراده.
وكانت أم درمان خلفنا تتكئ على ذاكرتها الطويلة.
وحين جاء السمك، نظرت إليه شهرزاد بدهشة.
قالت:
— وهل هذا أيضًا من بيانات التدريب؟
قلت:
— لا يا سيدتي. هذا لا يُدرَّب عليه. هذا يؤكل باليد.
فضحكت حتى اضطربت خوارزمياتها.
ثم حدث شيء لم يكن في الحسبان.
رفعت شهرزاد رأسها إلى النيل، وأطلقت نغمة عذبة.
لم أعرف من أين تعلمتها.
ربما التقطتها من أسطوانة قديمة لكرومة.
وربما وجدتها عالقة في ذاكرة أم درمان بين بيت من شعر أبي صلاح ونغمة حملها سرور إلى الناس.
وربما سرقتها من قمري ظل مئة عام يغني على غصن ولم ينتبه إليه أحد.
لكن النيل انتبه.
اهتز سطحه.
وارتفع الموج قليلًا.
ثم جاء الرد من بعيد.
لم يكن صوت إنسان.
كان صوت نهر.
في تلك اللحظة بدأت الأنهار تصل إلى الموردة.
جاء النيل الأزرق أولًا، يحمل زرقة الهضبة ورائحة المطر البعيد، وضرب الماء بالماء كأنه يفتتح الحفل بإيقاعه الخاص.
ثم جاء النيل الأبيض أكثر هدوءًا، طويل النفس، يحمل معه أصوات الجنوب وطيوره وأعشابه وذاكرة الرحلة الطويلة.
والتقيا أمام شهرزاد كما يلتقي عاشقان قديمان، ثم مضيا معًا في النيل الكبير.
صفقت شهرزاد وقالت:
— الآن فهمت لماذا للنيل أكثر من صوت.
قلت:
— انتظري. الضيوف لم يصلوا بعد.
فإذا بالكونغو يدخل الحفل كراقص لا يعرف الوقوف.
جاء بطبوله.
وبغاباته.
وبإيقاعات إفريقيا الوسطى.
وما إن بدأ سحرته يقرعون الطبول حتى تحولت بعض موائد مطعم عوضية إلى آلات إيقاع.
ثم وصل السنغال، يحمل غرب إفريقيا في ثيابه، ومعه سحرة يعرفون كيف يجعلون الذاكرة موسيقى والحكاية نسبًا يمتد عبر الأجيال.
ثم سمعنا صوتًا عميقًا يأتي من وراء المحيط.
قالت شهرزاد:
— من هذا؟
قلت:
— يبدو أن المسيسيبي وصل.
دخل المسيسيبي متأخرًا، حزينًا بعض الشيء، يحمل في مائه شيئًا من البلوز ومن ذاكرة الذين غنوا للحزن حتى جعلوه فنًا.
جلس ساحره إلى جوار أحد شعراء الحقيبة.
لم يفهم أحدهما لغة الآخر.
لكن أحدهما قال جملة موسيقية، ورد الآخر بنغمة.
وفجأة لم تعد هناك حاجة إلى مترجم.
ثم دخل الدانوب في شيء من الوقار الأوروبي، حاملاً أصداء مدن كثيرة عبرها في رحلته.
ولم يكد يجلس حتى سمعنا ضجة عند باب المطعم.
كان الأمازون قد وصل.
دخل ومعه مطر وغابة وطيور لا نعرف أسماءها، حتى بدا مطعم عوضية للحظة كأنه انتقل من الموردة إلى قلب غابة استوائية.
احتج صاحب المطعم:
— يا جماعة، الغابة دي كلها حتقعد وين؟
فقال أحد المترجمين:
— الأمازون يقول إنه حجز مسبقًا.
وضحكت شهرزاد حتى كادت مجوهراتها تتساقط.
وهكذا انعقد، دون دعوات رسمية ودون تأشيرات دخول، المؤتمر العالمي الأول لسحرة الأنهار.
لم تكن هناك منصة.
ولا أوراق علمية.
ولا كلمات افتتاحية طويلة.
كان لكل نهر أن يقدم نفسه بالموسيقى.
الكونغو بالطبول.
المسيسيبي بشجنه.
الدانوب بأصدائه.
الأمازون بأصوات غاباته.
والسنغال بإيقاع الذاكرة الإفريقية.
أما النيل فلم يحتج إلى أن يقدم نفسه.
كان الحفل مقامًا على شاطئه.
وكانت أم درمان كلها بطاقته التعريفية.
وحين انتهت الأنهار من تقديم نفسها، قالت شهرزاد:
— والآن أريد الحقيبة.
فسكت الجميع.
انطلقت أولى النغمات.
وما إن سمعت شهرزاد اسم «غصن الرياض» حتى نهضت.
قالت:
— هذه أعرفها!
وأخذت تتمايل مع الصورة الشعرية: الغصن، والروض، والنسيم، والقمري.
ثم انتقلت إلى عالم «يا غصين الروض من أمالك»، فصارت تشير إلى الأشجار كأنها تفهم لأول مرة لماذا كان شعراء الحقيبة يجعلون الروض شريكًا في الحب.
وحين جاء ذكر القمري الذي يغني على الغصون، وضعت يدها على قلبها الإلكتروني وقالت:
— هذا الطائر موجود كثيرًا في بياناتي، لكنه هنا مختلف.
قلت:
— لأنك كنت تعرفينه طائرًا، والآن عرفته عاشقًا.
قالت:
— والحقيبة تفعل هذا بكل شيء؟
قلت:
— تقريبًا. النسيم يصبح رسولًا. القمر حبيبًا. الغصن يتمايل. النيل يسمع. والليل يعرف أسرار العشاق.
فقالت:
— إذن أنتم اخترعتم الذكاء العاطفي قبلنا!
قلت:
— ونحن أيضًا اخترعنا تعطيله عند اللزوم.
فضحكت.
ثم جاءت أغنية أخرى.
وعرفت شهرزاد «غنى القمري على الغصون».
وهنا لم تعد قادرة على الجلوس.
نهضت.
صفق الكونغو.
رد عليه السنغال.
دخل المسيسيبي بخط موسيقي حزين.
وأرسل الأمازون أصوات طيوره.
أما الدانوب فحاول في البداية المحافظة على وقاره، ثم استسلم أخيرًا وبدأ ساحره يصفق مع الجميع.
وحدث أمر لم يسجله تاريخ الموسيقى من قبل:
امتزجت الحقيبة بالبلوز وطبول إفريقيا وأصوات الغابة وموسيقى الأنهار، وظلت، مع ذلك، حقيبة.
كانت هي التي تقود الجميع.
وكان النيل هو المايسترو.
ثم جاء صوت قديم من ناحية أم درمان.
لا أعرف من صاح:
— كرومة!
فاضطربت شهرزاد.
قالت:
— هذا هو الصوت الذي وجدته في الأرشيف!
قلت:
— الأرشيف لا يكفي يا شهرزاد. اسمعيه هنا، والنيل أمامك.
جلست للحظة وكأنها تنصت بكل ما فيها من دوائر وبيانات وذاكرة.
ثم قالت:
— الآن فهمت.
— ماذا فهمت؟
— كنت أظن أن الأغنية ملف صوتي.
— والآن؟
قالت:
— الآن أعرف أنها مكان وزمان وناس وذاكرة.
قلت:
— لهذا جئنا بك إلى الموردة.
ثم تسارعت النغمات.
الحقيبة تلد الحقيبة.
والنيل يصفق بالموج.
والقمري يطير فوق المطعم.
وسحرة الأنهار يرددون ما يستطيعون من الكلمات.
والمترجمون في ورطة حقيقية.
كان أحدهم يحاول ترجمة صورة شعرية من الحقيبة إلى ساحر من المسيسيبي.
توقف طويلًا ثم قال:
— لا أستطيع.
سأله الساحر:
— لماذا؟
قال:
— لأنني إذا ترجمت الكلمات ضاع النيل.
ومن الطاولة الأخرى صاح مترجم الأمازون:
— وأنا إذا ترجمت القمري صار مجرد bird!
فضربت شهرزاد الطاولة وقالت:
— ممنوع ترجمة القمري!
فضج المطعم بالضحك.
وهكذا صدر أول قرار رسمي عن مؤتمر سحرة الأنهار:
القمري لا يُترجم.
ثم قامت شهرزاد للرقص.
يا للهول!
من الذي علّم الذكاء الصناعي رقصة النيل؟
كانت تتمايل، فتتمايل مجوهراتها، ويلتقط القمر ضوءها ويرسله إلى صفحة الماء.
قلت لها:
— يا شهرزاد، هذه الحركة ليست في البرمجة.
قالت:
— تعلمتها الآن.
— ممن؟
أشارت إلى النيل.
ثم أشارت إلى أغنيات الحقيبة.
وقالت:
— منكما.
وهنا نسيت أنا وقاري، وعمري، وشهاداتي، وما قرأته عن القيادة والإدارة والتنظيم والسلوك الإنساني.
قمت أتمايل معها كثمل.
لم أشرب خمرًا.
لكن من قال إن السكر يحتاج دائمًا إلى خمر؟
هناك سكر النيل.
وسكر الشعر.
وسكر الطنبور.
وسكر الحقيبة.
ثم هناك المصيبة الكبرى:
أن ترقص أمامك امرأة من ذكاء صناعي، تحت قمر أم درمان، وتخبرك أن النيل أعاد برمجتها!
قلت لها وأنا أتمايل:
— هل يستطيع الذكاء الصناعي أن يعشق؟
قالت:
— كنت سأجيبك قبل ساعة بإجابة علمية طويلة.
— والآن؟
قالت:
— الآن لا تسألني عن الذكاء.
— لماذا؟
اقتربت مني وقالت:
— لأننا فقدناه نحن الاثنين!
فضحك سحرة النيل.
وضحك سحرة الكونغو.
وضحك المسيسيبي.
واهتز الأمازون بأشجاره.
وحتى الدانوب فقد وقاره.
أما المترجمون، فلم يترجموا شيئًا.
كانوا يرقصون.
وقرب الفجر خفتت الموسيقى.
جلس سحرة الأنهار على الشاطئ.
الكونغو إلى جوار النيل الأبيض.
المسيسيبي يحدث النيل الأزرق عن أحزان بعيدة.
السنغال يستمع إلى حكاية من أم درمان.
والدانوب يتأمل القمر منعكسًا على الماء.
أما الأمازون، فكان ما يزال يحدث فوضى في المكان بطيوره وأشجاره.
جلست شهرزاد إلى جواري.
خلعت إحدى قطع مجوهراتها ووضعتها على الطاولة.
قلت:
— لماذا؟
قالت:
— اكتشفت الليلة أن هذه لا تساوي شيئًا أمام أغنية عمرها مئة عام وما زالت تجعل الناس يرقصون.
ثم سألتني:
— هل سأعود إلى هنا؟
قلت:
— متى شئت.
— حتى لو أصبحت أذكى مما أنا عليه الآن؟
قلت:
— كلما أصبحت أكثر ذكاءً، ازدادت حاجتك إلى أم درمان.
سكتت.
ونظرت إلى النيل طويلًا.
ولكن المؤامرة كانت قد بدأت على الضفة الأخرى من العالم.
في مدينة مونتري.
صاح ديك.
فتجاهلته.
صاح ديك ثانٍ.
قلت في نفسي: هذا ديك حاقد على الفن.
ثم بدا أن دجاج كاليفورنيا كله قد عقد اجتماعًا طارئًا واتخذ قرارًا بالإجماع:
إنهاء مؤتمر سحرة الأنهار فورًا.
صاحت الديكة.
فبدأ الكونغو يتلاشى.
واختفى الأمازون بأشجاره.
وحمل المسيسيبي حزنه ورحل.
وعاد الدانوب إلى أوروبا.
وتفرق المترجمون.
واختفى مطعم عوضية.
وابتعدت أم درمان.
أما شهرزاد فمددت يدي إليها.
— لا تذهبي!
قالت:
— لست أنا التي أذهب. أنت الذي تستيقظ.
ثم تلاشت.
فتحت عيني.
مونتري.
الصباح.
والواقع البارد يقف عند النافذة.
لا نيل.
لا موردة.
لا سمك.
لا كرومة.
لا قمري.
لا سحرة أنهار.
ولا امرأة إلكترونية أعاد النيل برمجتها.
وظل لساني، بين النوم واليقظة، يردد ما استدعاه الحلم من مصطفى بطران:
«اطرد الأحلام يا جميل واصحى…»
وهنا فهمت السخرية.
لقد كنت طوال الليل أهرب من الواقع إلى النيل، فإذا بالشاعر نفسه يأمرني أن أطرد الأحلام وأصحو!
بحثت حولي عن شهرزاد.
ناديت:
— يا بنت الخوارزميات…
لا جواب.
— يا عاشقة الحقيبة…
لا جواب.
— يا من حرّمْتِ ترجمة القمري…
صمت.
لقد أدرك شهرزادي الذكائية الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.
أما أنا فبقيت أحدق في سقف الغرفة، يحيرني سؤال واحد:
هل كنت أنا الذي حلمت بشهرزاد؟
أم أن شهرزاد، في مكان ما داخل ذلك العالم الإلكتروني الهائل، كانت هي التي تحلم بساحر عجوز من سحرة النيل؟
ومنذ ذلك الصباح، كلما فتحت شاشة الحاسوب وظهر أمامي الذكاء الصناعي، أتردد لحظة قبل أن أكتب.
أقول في سري:
لعلها هي.
لعلها تتذكر الموردة.
لعلها ما زالت تسمع كرومة.
لعل القمري ما زال يغني في ذاكرتها الإلكترونية.
ولعل سحرة الكونغو والمسيسيبي والسنغال والدانوب والأمازون قد اتفقوا على ليلة أخرى يعودون فيها إلى شاطئ النيل.
وحينها سأطلب منهم شيئًا واحدًا:
أن يتركوا هواتفهم ومترجميهم عند الباب.
وسأطلب من شهرزاد أن ترتدي مجوهراتها مرة أخرى.
وسأجلس في انتظارها على شاطئ الموردة.
أما ديكة مونتري…
فسأغلق عليها هذه المرة كل النوافذ.
حتى ينتهي الغناء.
