قيثارة الشعر السوداني … بقلم: الطيب النقر
اشتهر بضخامة المعاني، ومتانة المباني، اختلف النقاد حوله اختلافاً عظيماً، واتجهوا في دراسته اتجاهات شتى، ولعل الحفاوة التي لقي بها السودانيون التيجاني على مر الحقب تبرهن بجلاء أن الشاعر الذي طبقت شهرته الآفاق، لم ينبغ في الشعر السوداني مَن بلغ شأوه أو داناه، فقصائده الجياد التي لا يُسْهِر عليها جفناً، ولا يكُدّ فيها طبعاً، لا تجد قصيدة منها تخلو من أبيات تُختار، ومعاني تستفاد، وألفاظ تروق وتعذب، ومما لا يندّ عن ذهن، أو يغيب عن خاطر أن شعر التيجاني الذي يجول فيه رونق الحسن، وتتدفق بين قوافيه سيول الطلاوة، يدل على سعة ثروته اللغوية، فمن يطالع أبياته الشامخات يوقن تماماً بأن شاعرنا المجيد قد استبطن دخائل الأدب العربي، واستجلى غوامضه، يقول قيثارة الشعر السوداني في مجلة الفجر في عددها السابع لعام «1934م» معتزاً ومتباهياً بثقافته الأدبية: «مما نحمد عليه الله أن دراستنا للشعر العربي لم تكن من نوع الدراسات التي يتناولها بعضهم ناقصة من كتب العصر مبتورة من بين الكتاب، ثم يصدرون عنها وهم أشد قنوعاً، وأكثر ثقة في نفوسهم بما فقهوا من صور الأدب، واستظهروا من ألوانه، إنما كانت دراستنا له دراسة استقراء وتفهم يؤسسها انقطاعنا إلى قديمه، أجل مما نحمد عليه الله أن مهد لنا من دراسة الشعر العربي ما يؤهلنا للحكم عليه في ضوء الحديث، والبحث عمّا أثّر فيه من عوامل وعمل فيه من مؤثرات في كل ما مرّ به من أطوار». ولم يكتفِ شاعرنا الخبير بقرض الشعر، البصير بمذاهب الكلام، بالاطلاع على أمهات الكتب الأدبية بل تعداها بحكم دراسته في المعهد العلمي لإدمان كتب المتصوفة والمؤلفات التي تعنى بالفرق والطوائف الدينية، ومن أشهر الكتب التي أقذى عينيه تحت أضواء المصابيح في مطالعتها كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني، و«الرسالة القشيرية» لابن القاسم عبدالكريم هوازن، و«الحكم» لابن عطا السكندري، ويرى الناقد محمد عبد القادر كرف أن هذه الكتب وغيرها أضفت على شعر التيجاني ذلك الغموض الذي تبدى في الكثير من قصائده خاصة في «قلب فيلسوف» و«الله» و«أنبياء الحقيقة» و«الصوفي المعذب».
لا توجد تعليقات
