كتيبة البراء بن مالك في السودان: (الجزء الثاني)

كتيبة البراء بن مالك في السودان: النشأة، البنية، الأدوار، والتأثيرات في سياق النزاع والتحولات السياسية (الجزء الثاني)

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

  1. الأدوار والأنشطة

4.1 الدور العسكري

يتجسد الدور العسكري لكتيبة البراء بن مالك ضمن بنية الحرب السودانية الممتدة منذ 15 أبريل 2023، والتي أعادت تشكيل المجال العسكري في البلاد عبر تفكك احتكار الدولة للعنف وظهور شبكات مسلحة متعددة تعمل في تداخل مع القوات النظامية وغير النظامية. وقد برزت الكتيبة كأحد أبرز التشكيلات المساندة للقوات المسلحة السودانية في هذا السياق، ضمن ما يوصف بـ“قوات المقاومة الشعبية”، التي توسعت بشكل كبير في مناطق الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان ودارفور (International Crisis Group، 2023؛ Reno، 2011).

تشير البيانات الميدانية إلى أن الكتيبة شاركت في العمليات العسكرية منذ الساعات الأولى للقتال في الخرطوم، خصوصًا في محاور القيادة العامة وسلاح المدرعات جنوب الخرطوم، إضافة إلى أم درمان وبحري، حيث تركزت المعارك الحضرية ذات الطابع الكثيف. ومع تقدم الحرب، توسع نشاطها ليشمل ولايات الجزيرة (ود مدني)، سنار (مايرنو وغرب سنار)، جبل موية، كردفان، وصولًا إلى الفاشر في دارفور، في إطار حرب متعددة الجبهات (Al Jazeera، 2026؛ EUAA، 2024).

وتشير تقارير ميدانية وتحليلية إلى أن الكتيبة لعبت دورًا في عمليات استعادة السيطرة على مواقع استراتيجية، مثل جسر الحلفايا (سبتمبر 2024)، ومناطق وسط الخرطوم في 2025، إضافة إلى عمليات في محيط سلاح المدرعات الذي يمثل أحد أهم مراكز الثقل العسكري في العاصمة. كما ارتبط اسمها بعمليات في معارك سنار وجبل موية، حيث قُتل بعض قادتها الميدانيين خلال الاشتباكات، ما يعكس الطبيعة المباشرة لانخراط القيادة في القتال (Al Jazeera، 2026).

وتُظهر المصادر أن الكتيبة استخدمت تكتيكات حرب المدن مثل الكمائن، والتحرك الخاطف، والانتشار السريع داخل الأحياء السكنية، إضافة إلى الاعتماد على وحدات صغيرة مرنة، تعمل بشكل شبه مستقل في بيئة تتسم بانهيار البنية الأمنية التقليدية. كما تشير بعض التقارير إلى استخدام الطائرات المسيّرة في الاستطلاع والهجوم، ما يعكس إدخال عناصر تكنولوجية في القتال غير النظامي (Staniland، 2014).

وتتراوح تقديرات القوة البشرية للكتيبة بين 20,000 و35,000 مقاتل في عامي 2024–2025، مع تقديرات أعلى غير مؤكدة في بعض الخطابات الإعلامية، وهو ما يعكس الطابع غير الرسمي لبيانات التجنيد والتوسع السريع خلال الحرب (Al Jazeera، 2026؛ Assayha، 2024).

4.2 الدور السياسي

لا يظهر الدور السياسي للكتيبة ككيان مؤسسي مستقل، بل يتجسد بوصفه امتدادًا مباشرًا للدور العسكري، حيث يتم إنتاج خطاب تعبوي يربط بين القتال والشرعية السياسية والدينية، مع التركيز على مفاهيم الدفاع عن الدولة ومواجهة “التمرد”.

ويستند هذا الخطاب إلى الإرث التاريخي للحركة الإسلامية السودانية، التي لعبت دورًا مركزيًا في الحياة السياسية والعسكرية منذ تسعينيات القرن الماضي، ما يجعل الكتيبة جزءًا من إعادة تفعيل شبكات الإسلام السياسي داخل الحرب الحالية (Marchal، 2011).

كما يتم توظيف الرمزية الدينية لشخصية “البراء بن مالك” لتأسيس شرعية رمزية للقتال، في إطار نمط معروف في الحروب الأهلية حيث يتم دمج الدين بالعنف السياسي لتعبئة المقاتلين وتبرير المشاركة في الحرب (Juergensmeyer، 2003).

ورغم هذا الدور، لا توجد بنية سياسية رسمية أو حزب سياسي تابع للكتيبة، كما لا تشارك في العملية السياسية المؤسسية للدولة، بل يبقى نشاطها السياسي جزءًا من وظيفتها القتالية داخل سياق الحرب.

4.3 الدور الإعلامي

يمثل الدور الإعلامي للكتيبة أحد أهم أدواتها في التأثير والتعبئة، حيث تعتمد على منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تيليغرام، يوتيوب) لنشر مقاطع مصورة للعمليات العسكرية وبيانات ميدانية وأناشيد تعبئة.

ويتميز الخطاب الإعلامي بطابع تعبوي عالي الكثافة، يهدف إلى تعزيز الدعم الشعبي وتجنيد المقاتلين وإبراز الانتصارات الميدانية، مع استخدام واسع للرموز الدينية والعسكرية. وتشير تحليلات إلى أن هذا النوع من الإعلام أصبح جزءًا من أدوات الحرب النفسية في النزاعات الحديثة، حيث تتنافس الأطراف على إنتاج سرديات النصر والسيطرة (EUAA، 2024).

كما ساهم هذا الخطاب في تضخيم صورة الكتيبة في الفضاء الرقمي، حيث نُسبت إليها أحيانًا عمليات عسكرية كبرى لم تكن منفردة بها، وفق تقارير تحقق إعلامي، ما يعكس وجود “حرب سرديات” موازية للحرب الميدانية (Beam Reports، 2025).

  1. العلاقات والتشابكات

5.1 العلاقة مع القوات المسلحة السودانية

تتسم العلاقة بين كتيبة البراء بن مالك والقوات المسلحة السودانية بطابع وظيفي غير رسمي يقوم على التعاون العملياتي داخل مسارح الحرب منذ 2023، دون اندماج مؤسسي كامل داخل هيكل الجيش. وقد برز هذا التعاون في جبهات الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان، حيث اعتمد الجيش على تشكيلات مساندة لتعويض نقص القوة البشرية وتوسيع نطاق العمليات (Al Jazeera، 2026).

وتشير تقارير تحليلية إلى أن هذا النمط من التعاون يعكس حالة “التحالفات الهجينة”، حيث تعتمد الجيوش في الحروب الأهلية على فاعلين غير نظاميين، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل بنية الاحتكار العسكري داخل الدولة (Staniland، 2014).

كما ظهرت نقاشات داخل المؤسسة العسكرية حول مستقبل هذه التشكيلات بعد الحرب، خاصة فيما يتعلق بدمجها أو تفكيكها، بسبب مخاوف من تضخم نفوذها الميداني واستقلاليتها العملياتية (Sudan Tribune، 2025).

5.2 العلاقة مع القوات المشتركة لحركات دارفور المسلحة

تتسم العلاقة مع القوات المشتركة التابعة لحركات دارفور المسلحة بطابع غير مستقر، يجمع بين التنسيق الميداني المحدود في بعض الجبهات مثل الفاشر ودارفور، وبين التباين في الأهداف السياسية والتنظيمية.

ويعود هذا التباين إلى اختلاف المرجعيات؛ إذ تعمل القوات المشتركة ضمن إطار اتفاق جوبا للسلام 2020، بينما تعمل الكتيبة ضمن سياق تعبوي مرتبط بالحرب الحالية، ما يجعل العلاقة أقرب إلى تنسيق ظرفي وليس تحالفًا استراتيجيًا ثابتًا.

5.3 العلاقة مع الفاعلين الإسلاميين

ترتبط الكتيبة بعلاقات رمزية وأيديولوجية مع الفاعلين الإسلاميين في السودان، خاصة الحركة الإسلامية السودانية، التي أعيد تنظيم حضورها السياسي والعسكري بعد 2019 داخل سياقات غير رسمية مرتبطة بالحرب.

ولا توجد بنية تنظيمية موحدة، بل تعمل هذه العلاقات ضمن شبكة تاريخية ممتدة من الإسلام السياسي السوداني، حيث يتم توظيف هذه الشبكات في التعبئة والتجنيد والخطاب الإعلامي خلال الحرب (Marchal، 2011).

5.4 البعد الإقليمي

يرتبط البعد الإقليمي للكتيبة بالسياق الأوسع للحرب السودانية التي أثرت على استقرار منطقة القرن الإفريقي والساحل، من خلال تدفقات اللاجئين إلى دول الجوار (تشاد، جنوب السودان، مصر)، وانتشار السلاح، وتداخل شبكات التهريب عبر الحدود.

ورغم عدم وجود نشاط إقليمي مباشر للكتيبة، فإن وجودها داخل حرب ممتدة يجعلها جزءًا من ديناميات عدم الاستقرار الإقليمي غير المباشر، حيث تتحول الحرب السودانية إلى عامل تأثير في البيئة الإقليمية الأوسع (International Crisis Group، 2023).

  1. التأثيرات والنتائج

6.1 على النزاع

أدى تشكل كتيبة البراء بن مالك ضمن سياق الحرب السودانية الممتدة منذ أبريل 2023 إلى تعميق التحول البنيوي في طبيعة النزاع من صراع ثنائي (الجيش مقابل قوات الدعم السريع) إلى نزاع شبكي متعدد الفاعلين، يتداخل فيه العسكري النظامي مع التشكيلات شبه النظامية والمجموعات المسلحة المساندة. وتشير بيانات حديثة إلى أن النزاع امتد فعليًا إلى معظم أقاليم السودان مع تصاعد العنف في الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان ودارفور، بما في ذلك مناطق الفاشر وكادوقلي ونيالا، مع تسجيل موجات متكررة من المعارك الحضرية والريفية (EUAA، 2025؛ ACLED، 2025).

وتُظهر الإحصاءات أن الحرب أسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى؛ حيث قدّرت بعض المصادر عدد القتلى بأكثر من 59,000 قتيل على الأقل، بينما تشير تقديرات أوسع إلى أن العدد قد يتراوح بين 150,000 و400,000 وفاة نتيجة القتال والجوع وانهيار الخدمات الصحية (ACLED، 2026؛ The Times، 2025). كما وثقت تقارير أممية مقتل أكثر من 28,000 شخص بشكل مباشر في العمليات القتالية حتى 2024، مع استمرار ارتفاع الأعداد في 2025 (EUAA، 2025).

كما أدى توسع الفاعلين المسلحين إلى تعقيد إدارة العمليات العسكرية، خاصة في الخرطوم التي شهدت تغيرات متكررة في السيطرة بين 2023 و2025، بما في ذلك استعادة الجيش لمناطق وسط العاصمة في مارس 2025 بعد نحو 23 شهرًا من القتال (ACLED، 2026).

وتشير بيانات الرصد إلى تسجيل أكثر من 204,000 حادثة عنف مسلح عالميًا خلال عام واحد، مع كون السودان أحد أكثر بؤر العنف كثافة، ما يعكس حجم التداخل العملياتي بين الفاعلين داخل الحرب (ACLED، 2025).

6.2 على الدولة

أدى انتشار التشكيلات المسلحة غير النظامية، ومنها الكتيبة، إلى تآكل بنيوي في احتكار الدولة للعنف، حيث أصبحت الدولة تعتمد بشكل متزايد على فاعلين مسلحين غير رسميين لتعزيز قدراتها الميدانية في مواجهة قوات الدعم السريع.

كما أدى ذلك إلى تفكك المركزية الأمنية، حيث لم تعد السيطرة العسكرية محصورة في قيادة مركزية واحدة، بل توزعت بين الجيش والتشكيلات المساندة والمجموعات المحلية المسلحة، ما خلق نموذجًا هجينًا للدولة الأمنية. ويعكس هذا التحول ما يُعرف في أدبيات الحروب الأهلية بانهيار احتكار العنف السيادي وتحول الدولة إلى شبكة من الفاعلين المسلحين المتداخلين (Reno، 2011؛ Staniland، 2014).

وتشير تقارير إنسانية إلى تدمير واسع للبنية التحتية الصحية، حيث تعرضت مئات المستشفيات للهجوم أو التدمير، مع تسجيل أكثر من 1,600 وفاة مرتبطة بانهيار النظام الصحي في عام 2025 وحده، ما يوضح مدى تراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية (WHO، 2026).

6.3 على المجتمع

أدى تصاعد النزاع إلى استقطاب اجتماعي حاد داخل المجتمع السوداني، حيث انقسمت المجتمعات المحلية بين مؤيدين ومعارضين للأطراف المتحاربة، إضافة إلى إعادة تشكيل الانتماءات على أسس جغرافية وعرقية وسياسية.

كما أدت الحرب إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع أكثر من 14 مليون نازح داخلي وخارجي، إضافة إلى أكثر من 25 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ما يعكس حجم الانهيار الاجتماعي والاقتصادي (UN OCHA، 2025؛ UNHCR، 2025).

وتشير التقارير إلى أن مدنًا مثل الخرطوم وأم درمان وود مدني تحولت إلى مناطق شبه خالية أو مدمرة، مع انتقال السكان إلى مخيمات مكتظة في دارفور وكردفان وتشاد وجنوب السودان، ما أدى إلى تفكك شبكات الحياة الاجتماعية التقليدية (Reuters، 2025).

6.4 على حقوق الإنسان

أدى غياب الأطر التنظيمية الموحدة للفاعلين المسلحين، بما في ذلك الكتيبة، إلى صعوبة كبيرة في تحديد المسؤوليات القانونية عن الانتهاكات، في ظل تعدد الأطراف وتداخل مسارح العمليات.

وتشير تقارير حقوقية دولية إلى تصاعد الانتهاكات الجسيمة خلال الحرب، بما في ذلك القتل الجماعي، والعنف الجنسي، والتطهير العرقي في بعض مناطق دارفور، خاصة في الفاشر ومخيمات النزوح، حيث سجلت حالات قتل جماعي في هجمات على المدنيين تجاوزت مئات الضحايا في هجوم واحد (UN Human Rights Office، 2025؛ AP News، 2025).

كما وثقت تقارير أممية ارتفاعًا كبيرًا في القتل خارج نطاق القانون خلال النصف الأول من 2025، حيث شكلت عمليات الإعدام الميداني نسبة كبيرة من الضحايا المدنيين، خاصة في الخرطوم ودارفور (Reuters، 2025).

  1. الإطار التحليلي المتكامل

يمكن فهم كتيبة البراء بن مالك ضمن إطار أوسع لتحول الدولة السودانية خلال الحرب الحالية إلى نموذج “الدولة المتشظية” التي تتقاسم فيها السلطة العسكرية بين فاعلين نظاميين وغير نظاميين.

تتشكل هذه الحالة عبر أربعة مستويات مترابطة:

أولًا، انهيار جزئي لاحتكار الدولة للعنف نتيجة الحرب الممتدة منذ 2023، مع انتقال جزء من وظائف الأمن إلى تشكيلات مسلحة غير نظامية تعمل بالتنسيق مع الجيش.

ثانيًا، ضعف البنية الأمنية المركزية وتعدد مراكز القرار العسكري، ما أدى إلى نشوء نظام عسكري متعدد الطبقات بدلًا من قيادة موحدة.

ثالثًا، تداخل البعد العقائدي مع العسكري، حيث يتم توظيف الرموز الدينية والخطاب الأيديولوجي في تعبئة المقاتلين وإضفاء الشرعية على العنف، وهو نمط معروف في حروب الهوية (Juergensmeyer، 2003).

رابعًا، غياب تصنيف دولي موحد لهذه التشكيلات المسلحة، حيث لم يتم إدراج الكتيبة ككيان مستقل في القوائم الدولية، رغم الجدل السياسي والإعلامي حول طبيعتها، ما يعكس تعقيد بيئة النزاع وتعدد مستويات الفاعلين.

ويؤدي هذا التداخل إلى إعادة توزيع القوة داخل الدولة، حيث تنتقل وظائف العنف من المؤسسة الرسمية إلى شبكات مسلحة متعددة، ما ينتج نموذجًا هجينيًا يجمع بين الدولة واللا-دولة في إدارة العنف.

كما تتحول الدولة من نموذج احتكار مركزي للعنف إلى نظام تعددي مسلح تتنافس فيه الفواعل المختلفة، ما يؤدي إلى حالة عدم استقرار بنيوي طويل الأمد.

وتتعمق هذه الحالة مع تلاشي الحدود بين الدولة والفاعل غير الدولتي، حيث تصبح الحرب نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا قائمًا بذاته يعيد إنتاج العنف والسلطة في آن واحد داخل المجتمع السوداني (Staniland، 2014).

  1. السيناريوهات المستقبلية (إطار لإعادة ضبط القطاع الأمني ورفض دمج المليشيات المؤدلجة)

تشير التطورات الميدانية في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 إلى أن استمرار التعدد المسلح خارج إطار الدولة يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في إطالة أمد النزاع وتعميق انهيار مؤسسات الدولة. ومع توسع رقعة القتال في الخرطوم ودارفور وكردفان وشرق السودان، برزت عشرات التشكيلات المسلحة غير النظامية ذات الطابع الأيديولوجي أو القبلي أو السياسي، بما في ذلك كتيبة البراء بن مالك، وبعض المجموعات المحلية المسلحة المرتبطة بفاعلين في شمال وشرق السودان أو مجموعات تعبئة محلية ظهرت خلال الحرب.

في هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين الفاعلين المسلحين الذين نشأوا ضمن نزاعات سياسية/عسكرية طويلة الأمد وتم الاعتراف بهم في مسارات سلام سابقة، وبين المليشيات الجديدة المؤدلجة أو ذات الطابع الحزبي أو العقائدي أو القبلي التي تشكلت أثناء الحرب الحالية خارج أي إطار تفاوضي أو مؤسسي.

تشير الأدبيات المقارنة إلى أن دمج المليشيات غير النظامية ذات الطابع الأيديولوجي أو الحزبي داخل الجيوش النظامية يؤدي غالبًا إلى تقويض احتكار الدولة للعنف وإعادة إنتاج دوائر الصراع داخل المؤسسة العسكرية نفسها (Reno، 2011؛ Kalyvas، 2006).

وعليه يمكن تحديد الموقف التحليلي التالي:

أولًا: رفض دمج كتيبة البراء بن مالك وكل المليشيات المؤدلجة أو الحزبية أو القبلية

يشمل ذلك بشكل واضح:

كتيبة البراء بن مالك بوصفها تشكيلًا مسلحًا ذا طابع أيديولوجي مرتبط بالحركة الإسلامية السودانية وشبكاتها السياسية السابقة.

أي تشكيلات مسلحة ظهرت خلال الحرب الحالية دون تفويض سياسي أو اتفاق سلام.

المليشيات ذات الطابع القبلي أو المحلي في شمال وشرق السودان أو غيرها من الأقاليم، بما في ذلك المجموعات التي نشأت كقوات تعبئة محلية أو دفاعات أهلية تحولت إلى تشكيلات قتالية مستقلة.

أي فاعلين مسلحين يعملون خارج التسلسل القيادي الرسمي للقوات المسلحة السودانية.

إن إدماج هذه التشكيلات داخل الجيش يعني عمليًا إعادة إنتاج “جيش متعدد الولاءات”، وهو نموذج أثبت تاريخيًا أنه يؤدي إلى تفكك الجيوش الوطنية أو تحولها إلى ساحات صراع داخلي (Staniland، 2014).

كما أن استمرار هذه التشكيلات داخل المؤسسة العسكرية يقوض أي عملية انتقال سياسي، ويحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى تحالف فصائل مسلحة متنافسة.

ثانيًا: التفريق المؤسسي بين المليشيات غير المؤهلة للدمج والقوى ذات الوضع التفاوضي

في المقابل، يجب أن ينحصر مسار الدمج وإعادة التسريح (DDR) في ثلاث قوى رئيسية فقط، باعتبارها أطرافًا موقعة أو ذات وضع تفاوضي معترف به في مسارات السلام السابقة:

  1. قوات الدعم السريع
    بوصفها قوة نشأت ضمن ترتيبات رسمية سابقة، مع ضرورة إعادة هيكلتها أو دمجها تدريجيًا وفق ترتيبات أمنية صارمة تضمن خضوعها الكامل لقيادة الدولة.
  2. حركات دارفور المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام
    بما يشمل الفصائل التي دخلت في اتفاقات سياسية وعسكرية رسمية، والتي تمتلك مسارًا تفاوضيًا سابقًا يؤهلها للدمج المشروط داخل القوات النظامية أو إعادة التسريح.
  3. الحركة الشعبية شمال (جنوب كردفان والنيل الأزرق)
    باعتبارها طرفًا تاريخيًا في نزاع سياسي-عسكري طويل الأمد، وضمن مسار تفاوضي ممتد يشمل قضايا الحكم الذاتي والترتيبات الأمنية.

أما خارج هذه الفئات الثلاث، فإن جميع التشكيلات الأخرى يجب أن تخضع لمسار تفكيك كامل وليس دمجًا، بما في ذلك المليشيات المؤدلجة أو القبلية أو الحزبية التي نشأت خلال الحرب الأخيرة.

ثالثًا: مخاطر الدمج غير المشروط للمليشيات غير النظامية

إن دمج المليشيات المؤدلجة أو القبلية في الجيش يؤدي إلى مجموعة من المخاطر البنيوية:

تفكيك التسلسل القيادي العسكري

إدخال الولاءات السياسية داخل المؤسسة العسكرية

إعادة إنتاج الصراع داخل الجيش نفسه

إضعاف الاحتراف العسكري والانضباط

تحويل الجيش إلى ساحة تنافس بين فصائل مسلحة

وتشير دراسات النزاعات المسلحة إلى أن هذه الأنماط تؤدي غالبًا إلى “عسكرة الدولة من الداخل” بدلًا من استقرارها (Reno، 2011).

  1. الخاتمة: إعادة تعريف الدولة ومنع عسكرة السياسة

إن مستقبل الدولة السودانية يعتمد على إعادة بناء احتكار مركزي للعنف، وليس على دمج الفصائل المسلحة المؤدلجة أو القبلية داخل المؤسسة العسكرية. فاستمرار وجود كتيبة البراء بن مالك وغيرها من التشكيلات المشابهة داخل المشهد العسكري يعزز نموذج “الدولة المليشياوية” بدل الدولة الوطنية الحديثة، ويؤدي إلى تطبيع العنف السياسي داخل مؤسسات الدولة نفسها.

في المقابل، يجب أن تُبنى عملية إعادة الهيكلة على مبدأ واضح:
الدمج فقط للقوى ذات المسار التفاوضي، والتفكيك الكامل لبقية التشكيلات.

وبذلك يصبح الهدف ليس إدارة المليشيات، بل إنهاء شروط إنتاجها داخل الدولة.

المراجع

  1. ACLED. Global Conflict Index Report. 2025. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  2. ACLED. Sudan Conflict Data Analysis. 2025–2026. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  3. Al Jazeera. كتيبة البراء بن مالك في الحرب السودانية: التوسع والدور العسكري. 2026.
  4. Al-Tamimi AJ. Armed Groups in Sudan’s War: An Interview With the al-Bara’ bin Malik Corps. 2026.
  5. AP News. Sudan RSF attacks and civilian killings reports. 2025. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  6. Assayha Newspaper. تقارير حول أعداد المقاتلين في كتيبة البراء بن مالك. 2024.
  7. Avant D. The Market for Force: The Consequences of Privatizing Security. Cambridge: Cambridge University Press; 2005.
  8. Beam Reports. حملات التضخيم الإعلامي في الحرب السودانية. 2025.
  9. Donner F. Muhammad and the Believers: At the Origins of Islam. Cambridge: Harvard University Press; 2010.
  10. European Union Agency for Asylum (EUAA). Country Guidance: Sudan – Security Situation. 2025.
  11. European Union Agency for Asylum (EUAA). Sudan Security Situation Report. 2024. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  12. Gerring J. Case Study Research: Principles and Practices. Cambridge: Cambridge University Press; 2007.
  13. Hafryat. كتيبة البراء بن مالك. 2024.
  14. Human Rights Watch. World Report 2023. New York: HRW; 2023.
  15. International Crisis Group. Sudan’s Descent into War. Brussels: ICG; 2023.
  16. Juergensmeyer M. Terror in the Mind of God: The Global Rise of Religious Violence. Berkeley: University of California Press; 2003.
  17. Kalyvas SN. The Logic of Violence in Civil War. Cambridge: Cambridge University Press; 2006.
  18. Krippendorff K. Content Analysis: An Introduction to Its Methodology. Thousand Oaks: Sage; 2018.
  19. Marchal R. The militarization of Sudanese politics. African Affairs. 2011;110(440):403–420.
  20. Oxfam International. Sudan Conflict Report. 2026.
  21. Reno W. Warfare in Independent Africa. Cambridge: Cambridge University Press; 2011.
  22. Reuters. Sudan Human Rights and Civilian Casualties Report. 2025. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  23. Rotberg RI. State Failure and State Weakness in a Time of Terror. Washington: Brookings Institution Press; 2003.
  24. Small Arms Survey. Small Arms Survey 2012: Moving Targets. Cambridge: Cambridge University Press; 2012.
  25. Staniland P. Networks of Rebellion: Explaining Insurgent Cohesion and Collapse. Ithaca: Cornell University Press; 2014.
  26. Sudan Tribune. Debates on armed group integration in Sudan. 2025.
  27. The Times. Sudan war death toll estimates. 2025. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  28. Tubiana J, Tanner V, Tubiana C. Darfur after Doha: What Next? Geneva: Small Arms Survey; 2012.
  29. UN Human Rights Office. Sudan Human Rights Situation Report. 2025. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  30. UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (UN OCHA). Sudan Humanitarian Update. 2025.
  31. United Nations. Integrated Disarmament, Demobilization and Reintegration Standards. New York: UN; 2010.
  32. United Nations. Security Council Reports and Sanctions Lists. New York: UN; 2022.
  33. United Nations. Sudan Crisis Situation Report. 2025.
  34. UNHCR. Sudan Situation Report. 2025. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  35. Weber M. Economy and Society. Berkeley: University of California Press; 1978.
  36. WHO. Sudan Health System Collapse Report. 2026. تاريخ الوصول: 28 أبريل 2026.
  37. Washington Post. Global Conflict Trends 2025. 2026.
  38. Yin RK. Case Study Research and Applications: Design and Methods. Thousand Oaks: Sage; 2018.
  39. Young J. The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. London: Zed Books; 2012.

عن عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع في السودان

الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع في السودان: الدولة داخل الدولة، مصادر التراكم، شبكات النفوذ، وتحولات …