بثينة تروس
أرسل لي الصديق نضال عبد الوهاب، المهموم بقضايا السلام والوطن، مكتوباً في نقد الذين كتبوا لافتضاح كذب السفير الحارث إدريس (لا تجعلوا الصدق والحقائق معيارًا لنزاهة العسكر والسياسي والحلول، فالجميع للأسف لأجل السلطة يكذبون؟؟ البرهان يكذب (نعم)، حميدتي يكذب (نعم)، حمدوك يكذب (نعم)، قيادات بارزة في تحالفات القوى السياسية المدنية الحالية والسابقة تكذب (نعم)، قيادات بارزة في الحركات المسلحة تكذب (نعم)، الكيزان وقيادات بارزة فيهم تكذب (بالطبع) أخيرًا، من لم يكن منكم بلا كذبة فليرمِ الحارث بحجر).. انتهي
فكتبت له قناعتي أن هنالك أمرين لا يجوز فيهما غير تحري الصدق، الوطن والمعتقد، إذ إن الكذب في كليهما يُخرج المرء من حياضهما، نعم، نختلف في الرؤى وسبل التغيير السياسي، لكن لا مصلحة لإنسان خرج من أجل قضايا الناس والالتصاق بهموم المساكين أن يكون من الكذابين، إذ إن الكذب يسقط صاحبه في قاع هرم القيم والأخلاق، ولا يجعل منه شخصاً يؤتمن على مصلحة البلاد. وإذا كذب السيد السفير، مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، لان لا حيلة له بحسب قولك! إذن يحق لكل من يحسب أنه من الصادقين أن يرميه بحجر، وألا يخشى لومة لائم في الحق. فهو في موقع يوجب عليه أن يتحدث بلسان وطن ويعلم إن الكذب اليوم مفضوح، في زمان يسهل فيه معرفة الصادق من المحتال بنقرة على زر في لوحة المفاتيح، مثل تصريحه أمام مجلس الأمن عن انقلاب 25 أكتوبر 2021، حين قال (إن القوات المسلحة لم تأتِ إلى السلطة عبر انقلاب. وإنما اختيرت عقب ثورة ديسمبر مع حكومة مدنية، وقدمت الحكومة المدنية استقالتها طواعية، وبالتالي كان لزامًا عليه أن يملأ الفراغ، لذلك لم يكن متاحاً للقوات المسلحة أن تهرب بشكل جبان).
وطبعاً، الحارث إدريس، الحوار الغلب شيخه في الكذب، هنا، إذ أعلن البرهان بنفسه عن الانقلاب بصحبة حميدتي والدعم السريع والأجهزة الأمنية، وتم حل مجلس الوزراء ومجلس السيادة. وناهض الثوار ذلك الانقلاب في 25 أكتوبر، وخرجوا إلى الشوارع وأقاموا المتاريس والهتاف ضده، سنداً ودعماً للحكومة المدنية. بل سخر الراي العام من الحارث إدريس والسياسيين الذين أيدوا الانقلاب، فأسموهم (تحالف الموز). فكذب السفير خطيئة وجرم عظيم في حق ثورة ديسمبر، التي أعلت من شأن هؤلاء الذين صاروا اليوم في مواقع الدولة، بعد أن كان بعضهم قد أُقيل سابقاً على يد حكومة الإخوان المسلمين، أو كانوا من قادة الحركات المسلحة التي كانت في نظر الجيش متمردين وخونة، ممنوعين من دخول أرض الوطن.
والحارث إدريس لا يعمل في فراغ، وإنما هو سفير ضمن حكومة تدعي تحكيم الشريعة الإسلامية، اشتهرت بالكذب على الله وعلى السودانيين، وفساد طال حتى الحج والعمرة والزكاة والأوقاف، وأكل المال العام بالباطل، وكذب دام ثلاثين عاماً ولا يزال، ولم نشهد منهم استغفارا أو اعتذاراً. كان نذارة الكذب لم تمر عليهم، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: نعم، أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: نعم، فقيل له، أيكون المؤمن كذاباً؟ قال لا. وتناهض قيام حكومة علمانية في السودان، وتصف حربها بأنها حرب كرامة مقدسة، تستنفر فيها الشباب لتقديم أرواحهم في حروب جهادية عبثية. فكيف يعجز السفير عن الترفع عن أسوأ الرذائل، ولا يستحي أن يجاري سوء حكومة الحركة الإسلامية المشهود.
معلوم أن الساسة يكذبون وفي مقدمتهم حكومات الدول الغربية الرأسمالية، رغم ممارستها للديمقراطية، لكن الفارق أن شعوبها تمتلك مساحة أوسع لمحاسبة حكوماتها، وكشف الفساد وكذب الساسة، في ظل دساتير تحفظ حقوق المواطنة وتتيح مساحة للحريات. أما أن نستخدم كذب الآخرين مبرراً لكذبنا، فهذه ليست حجة، إذا كان البرهان وحميدتي وحمدوك وقيادات القوى السياسية والمدنية والمسلحة والكيزان قد كذبوا، فذلك سبب لإدانتهم جميعاً ومحاسبتهم حين تتوفر سبل العدالة، وليس سبباً لمنح أحد حصانة من النقد. فالحارث فارق الموضوعية والكفاءة والمهنية، لذا استحق أن يدان، لا أن يدافع عنه بحجة أن غيره يكذب أيضاً، وحداة الوعي من واجبهم ألا يضللوا الرأي العام بالمحاباة والمداهنة التي تسوق إلى مصاف الكذب. فالرائد لا يكذب أهله.
