بقلم : تاج السر عثمان
١
أدت فترة الاحتلال التركي – المصري للسودان (1821 _ 1885) إلى نهب ثروات البلاد ودمار كبير في البنية الاقتصادية والاجتماعية ‘ فقد جاء احتلال محمد على باشا للسودان عام 1821 في إطار إستراتيجيته لنهب ثروات السودان المادية والبشرية باعتباره أحد مصادر التراكم لتحقيق النهضة الصناعية والزراعية وبناء الجيش العصري في مصر، أما عن طبيعة الاحتلال فهو استعمار تركي _ مصري قام على القهر والقمع.
عرف السودانيون خلال فترة الحكم التركي الملكية الخاصة للأرض وبيع الأراضي ورهنها وتوريثها حسب الشريعة الإسلامية ، وكان ذلك من التطورات التي شهدها السودان في نظام ملكية الأرض ، أو تعبيرا عن ارتباط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي نتيجة لإدخال المحاصيل النقدية ( قطن ، صمغ ، نيلة ، قصب السكر ، … الخ ).
(للمزيد من التفاصيل راجع تاج السر عثمان الحاج ‘ التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي في السودان’ مركز محمد عمر بشير ٢٠٠٦).
شهدت فترة الحكم التركي توسعا في زيادة مساحات الأراضي الصالحة للزراعة مما أدى إلى زيادة المحاصيل الزراعية في الأسواق ، فنجد الحكومة في هذه تجلب عددا من خولية الزراعة وتعمل على تطوير زراعة القطن وتشق القنوات للتوسع في زراعة الأحواض وتشجيع تعمير السواقي ، وترسل الطلاب إلي مصر للتعليم والتدريب الزراعي ، وتجلب المحاريث لحراثة الأرض ، وتعمل على بناء المخازن في المراكز الرئيسية على طول الطريق إلى مصر لتوفير مياه الشرب لتسهيل الحركة التجارية وتصدير الماشية بشكل خاص ، كما اهتمت الحكومة بإدخال محاصيل نقدية جديدة مثل الصمغ ، السنامكى ، النيلة ، … الخ ، واهتمت بالتقاوي المحسنة والأشجار المثمرة واهتمت بمكافحة الجراد .
ولكن رغم التحسينات التي أدخلتها الحكومة بهدف تطوير القوى المنتجة في الزراعة والإنتاج الحيواني ، إلا أن الضرائب الباهظة التي كانت تفرضها الحكومة على المزارعين والرعاة أدت إلى هزيمة هذا الهدف ، فقد هجر آلاف المزارعين سواقيهم في الشمالية ، كما
هرب آلاف الرعاة بمواشيهم إلى تخوم البلاد ، وهكذا نجد أن سياسة الحكومة التي كانت تعتمد على القهر والضرائب الباهظة أدت إلى انخفاض الإنتاج الزراعي والحيواني ، وبالتالي أدى ذلك إلى تدهور الأحوال المعيشية والمجاعات والأمراض والخراب الاقتصادي ، وغير ذلك مما شهده السودان في السنوات الأخيرة للحكم التركي _ المصري .
٢
توسع السوق الداخلي :
بعد ضم دار فور والمديريات الجنوبية توسع السوق الداخلي ونشا في السودان مثال نموذجي لوجود مناطق متفاوتة في التطور ، وبالتالي توسعت التجارة الداخلية والأسواق في المدن الرئيسية مثل : الأبيض ، بربر ، سواكن ، القضارف ، القلابات ..الخ ، ومن الأسواق الرئيسية كان سوق الخرطوم الذي كان يعرض فيه الاحذيه ، الملابس ، الجواهر وبعض السلع المعدنية ، بالإضافة إلى مجموعة من السلع الغذائية ، كما قامت أماكن مخصصة (( أسواق )) لبائعي الملابس ، صيدليات ، خضر وات ، أملاح ، لحوم ، ذهب ، وفضة وحدادين ، نجارين ، ترزية ، حلاقين ، مقاهي ، مطاعم ، صانعي الأحذية ( تيم نبلوك : صراع السلطة والثروة في السودان ص 17 )
أدى ذلك إلى تطور الطبقة التجارية ، واصبح التجار يشكلون طبقة مرموقة في المجتمع .وفى عام 1863 أسست شركة تجارية سميت باسم (( شركة السودان التجارية )) برأسمال مليون من الجنيهات لتنمية موارد السودان ، وإدخال التجارة المشروعة في مختلف أنحائه ، وكان عقد الشركة يبيح لها مد الخطوط الحديدية ، وتسيير البواخر النيلية لنقل الغلات التجارية التي راجت في السودان (( القطن ، الصمغ ، الجلود ، الأخشاب ، ريش النعام ، البن ، الحبوب )) . أسهمت في شركة السودان التجارية البيوت التجارية في الإسكندرية وبعض المصارف الأوربية ، وكان للشركة توكيلات في سواكن والخرطوم (( د .شوقي الجمل : تاريخ سودان وادي النيل ، الجزء الثاني ، القاهرة 1969 ، ص 130 _ 131 ) )
يقول كاتب وثيقة ( على تخوم العالم الإسلامي ) : بدأ احتكار الدولة للتجارة عام 1824 م ، وكان ينحصر في بدايته على الصمغ العربي وسن الفيل وريش النعام ، ثم أضيف إليه مؤخراً منتجات البلاد الأخرى : السنامكه ،الجلود الخام ، الماشية والإبل .
وكانت تجارة السودان الخارجية محتكرة بواسطة الدولة المصرية التي تحصلت على أرباح ضخمه ، إضافة لأرباح التجار الأجانب ( مصريون وغيرهم ) والتجار المحليين الذين حصلوا على بعض الأرباح ، وبعد عام 1838 م تخلت الدولة تدريجياً عن احتكارها لعمليات التجارة ، فظهر تجار من بريطانيا والنمسا وإيطاليا واستوطنوا في الخرطوم وعملوا في تصدير سلع : العاج ، الصمغ العربي ، ريش النعام ، كما ازداد نفوذ التجار الأجانب بعد قيام القنصليات الحكومية الأوربية في الخرطوم ، وهذه القنصليات لم يقف نشاطها التجاري قي حدود مصالح التجار الأجانب ، فقط ،بل كانت تمارس النشاط التجاري في بعض الأحيان ، وكانت تجارة العاج تمثل السبب الرئيسي الذي جذب هؤلاء التجار للسودان ( تيم نبلوك : المرجع السابق ، ص 15 )
وفى البداية احتكر محمد على باشا تجارة الرقيق بمنع الجلابة اخذ الأرقاء إلى مصر أو الاتجار بهم في السودان ، ولكن بعد مطالبة حكومة بريطانيا وافقت الحكومة المصرية على إلغاء احتكار التجارة ، كما ألغي عباس باشا في عام 1849 م احتكار الحكومة لتجارة الصمغ في السودان ، أدى ذلك إلى تعاظم نفوذ الأوربيين في السودان وتكونت الغرفة التجارية (( التجار الأجانب )) في الخرطوم بهدف حماية مصالحهم ، كما حاولوا أيضا إنشاء مصرف تجارى تحت اسم بنك السودان ( Banquet du Sudan ) ، وفى سبعينيات القرن التاسع عشر تكررت المحاولة مرة أخرى ولم تنجح (( تيم نبلوك : ص 15 )).
كما ظهرت أيضا فئة التجار المحليين التي استفادت من تجارب التجار الأجانب ، وكانت لهم مراكز تجارية مثل الزبير باشا رحمة منصور ، وقد اسهم هؤلاء التجار في إضعاف سلطنة دارفور حتى تم إسقاطها عام 1874 تحت قبضة قوات الحكم التركي .
ومن المشاكل التي عاقت التجارة ارتفاع ( النولون ) أو أجرة النقل والرسوم الأخرى على الواردات خلاف الرسوم الجمركية مثل (( عوائد الرحول )) وهى ضريبة كانت تؤخذ عن كل جمل يخرج ببضاعة من ثغر سواكن إلى أسواق السودان ، أي أن التاجر كان يدفع عوائد ورسوم متنوعة في مكان واحد (( بشير كوكو حميدة : ملامح من تاريخ السودان فى عهد الخديوي إسماعيل ، ص 111 _ 112 )) .
٣
العملة:
كانت العملة المتداولة في ذلك العهد مختلفة من شتى أقطار العالم مثل الدولار النمساوي (( ماريا تريزا )) والريال المجيدى والدولار الأسباني وبعض العملات المصرية مثل (( الفرج الله ، الجنية ، الجنية البنت ، البندق ، المحمودى ، المجرى ، السعدية ، البرغوتة ، الظرفية ، ربع المصري ، الخيرية ، العين المصرية ، الفرينى ،الطير الإسماعيلي ، الريال أبو نقطة ، الشينكو المصري ، القرش ،جرقندى ، …الخ ))
وهكذا يتضح لنا ارتباط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي وعن طريق تصدير سلع هامة مثل الصمغ والعاج .
٤
العمل المأجور
أدت الصناعات التي ادخلها نظام الحكم التركي في السودان مثل صناعة البارود والنيلة وحلج القطن والذخيرة وملابس وأحذية الجنود ، أدت إلى ظهور العمل المأجور في الصناعة والزراعة ، هذا إضافة إلى أن مرتبات العلماء والجنود وبقية العاملين في جهاز الدولة كانت تدفع نقدا ( في حالة عدم توفر النقد كانت تدفع عينا : أراضي ، رقيق ، …الخ )
وساعد في اتساع دائرة العمل المأجور حاجة الناس للنقد لتسديد الضرائب الباهظة التي كان يفضل دفعها نقدا ، هذا إضافة إلى أن الضرائب الباهظة على المزارعين أدت إلى هجرة أعداد كبيرة من المزارعين لاراضيهم وسواقيهم ، وبالتالي تحولوا إما إلى العمل التجاري أو العمل في جيش الحكومة وغير ذلك .
ما يهمنا هنا تلك العملية التي تم فيها اقتلاع أعداد كبيرة من المزارعين من أراضيهم وسواقيهم وهروبهم إلى مناطق أخري ، تلك العملية أدت إلى اتساع العمل المأجور ، وساعدت في تخطى الانغلاق والارتباط بالأرض ، وأدت إلى اتساع السوق الداخلي والقومي ، كما ساعد إدخال بعض المحاصيل على اتساع دائرة التعامل بالنقد بشكل أوسع عما كان الحال في سلطنة الفونج ، وإذا أخذنا في الاعتبار ارتباط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي ، وظهور الطبقة التجارية المحلية واتساع التعامل بالنقد وظهور العمل المأجور ، أي أن قوة العمل نفسها تحولت إلى سلعة ، يمكن أن نقول : أن فترة الحكم التركي شهدت غرس البذور لأسلوب الإنتاج الرأسمالي في السودان ، وظهر جنين أسلوب الإنتاج الرأسمالي إلى جانب الأساليب الإنتاجية الأخرى .
صحيح أن ممالك السودان السابقة ( النوبة ، الفونج ، الفور .. ) عرفت اقتصاد السلعة _النقد والتجارة مع العالم الخارجي ، ولكن لايمكن أن نقول أنها عرفت أسلوب الإنتاج الرأسمالي ، لأنه في أسلوب الإنتاج الرأسمالي تتحول قوة العمل إلى بضاعة ، وهذا ما بدأ يحدث في فترة الحكم التركي.
