🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ليست الكراهية مجرد إنفعالٍ عابر يمر في وجدان الإنسان ثم ينطفئ، ولا هي عثرة في اللغة تمحى بانتهاء لحظتها؛ بل هي تشوه عميق في طريقة النظر إلى الآخر، وإنحراف في ميزان الإدراك الأخلاقي، يعيد صياغة العلاقة الإنسانية من فضاء الأعتراف إلى منطق الإقصاء، ومن رحابة التعدد إلى ضيق العداء. وإن أخطر ما في خطاب الكرأهية أنه يبدأ بالعدوان، وبعملية أكثر خفاء وخطورة : نزع الإنسانية عن الآخر. فحين يختزل الإنسان في عرقه أو فكره أو موقفه، لا يعود في الوعي الجمعي كائنًا له تعقيده وذاكرته وأحلامه، بل يتحول إلى صورة ذهنية جامدة، وإلى “فكرة خصم” يمكن مهاجمتها دون شعور بالذنب. وهنا تكمن اللحظة التي تنكسر فيها مرآة الإنسان أمام أخيه الإنسان.
فاللغة ليست مجرد أداة لنقل المعاني، بل هي المجال الذي يصنع الإدراك ويعيد تشكيل المشاعر. فالكلمات التي تُطلق في المجال العام لا تنتهي بانتهاء لحظة التلفظ بها، بل تترك آثارًا عميقة في النفس، وتعيد ترتيب نظرة الإنسان إلى الآخر. ومن هنا فإن خطاب الكراهية لا ينتج مجرد خلاف بين أفراد أو جماعات، بل يؤسس لبنية ذهنية تتراجع فيها قيمة الإنسان أمام هيمنة التصنيف، ويصبح الحكم المسبق بديلًا عن المعرفة، والانطباع بديلًا عن الحقيقة.إن المجتمعات لا تفقد تماسكها فقط عندما تتعدد خلافاتها، بل عندما تفقد قدرتها على احتمال هذا الاختلاف وإدارته. فالتنوع ليس عيبًا، بل هو أحد أسرار ثرائها. أما النزعة الإقصائية فتسعى إلى اختزال البشر في قوالب مغلقة، فلا ترى العالم إلا من خلال ثنائيات حادة: صديق مطلق وعدو مطلق، انتماء نقي وآخر مرفوض.
وفي جوهر هذه الظاهرة يكمن فقر في الخيال الأخلاقي؛ فالإنسان الذي لا يرى خلف هوية الآخر أو موقفه قصة إنسانية يصبح أكثر استعدادًا لإدانته قبل فهمه. ولهذا فإن مواجهة ثقافة العداء لا تقتصر على مقاومة العبارات الجارحة، بل هي دفاع عن قدرة الإنسان على رؤية الوجه قبل الانتماء، والسيرة قبل الحكم، والإنسان قبل التصنيف.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين ترتدي قناع الفضيلة، فتقدم الإقصاء بوصفه دفاعًا عن الحقيقة، وتمنح التعصب مظهر الحماية للقيم. فالتجارب التاريخية تؤكد أن انهيار الحس الإنساني لا يحدث فجأة، بل يبدأ بتطبيع الاحتقار، وجعل الانتقاص من الآخر أمرًا مألوفًا، حتى تتحول القسوة من سلوك مرفوض إلى ثقافة متداولة.
إن بناء مجتمع قادر على تجاوز هذه النزعات لا يعني إلغاء الاختلاف، بل يعني الارتقاء بطريقة التعامل معه؛ بحيث يصبح النقد ممكنًا دون تجريد، والخلاف ممكنًا دون تحقير، والانتماء ممكنًا دون تحويل الآخر إلى نقيض يجب محوه.
فالأمم لا تقاس فقط بما تمتلكه من قوة مادية أو تقدم تقني، بل بما تحمله من رقي أخلاقي في لحظات الاختبار، وبقدرتها على صون كرامة الإنسان عندما يكون مختلفًا. فإحترام الإنسان لا يتجزأ، ومن يفتح باب إهانة الآخر يهيئ الطريق لإهانة الجميع. وإن أعظم إنتصار على خطابات الإلغاء ليس انتصار صوت على صوت، بل بلوغ مرحلة يصبح فيها الحوار علامة قوة، والاختلاف مصدر ثراء، والإنسان قيمة لا تختصرها هوية ولا تسقطها خصومة.
alrakobasite@hotmail.com
