كيف يمكن استعادة الوعي في بلدٍ يريد له الكيزان أن ينسى نفسه؟
(البلبسة أو حين يصبح العقل آخر ضحايا الحرب)
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يكون الخطر فيها في الرصاص ولا في المدافع، بل في العقول التي يعاد صياغتها. والسودان اليوم يعيش أخطر هذه اللحظات: لحظة يصبح فيها الخراب “إنجازًا والانسحاب تكتيكًا وعبور جسر في الخرطوم فتحًا يستحق الهتاف.
في لحظات الانهيار الوطني الكبرى، لا تكون المعركة الحقيقية على الأرض فقط، بل على العقل. فالحروب لا تخاض بالسلاح وحده، بل بالدعاية التي تعيد تشكيل الوعي، وتعيد تعريف الهزيمة كنصر، والكارثة كإنجاز، والخراب كضرورة. وما يعيشه السودان اليوم مثال صارخ على هذا التحول الخطير.
ما يؤلم السودانيين اليوم ليس فقط الحرب، بل الهوة بين تاريخهم وواقعهم. بلدٌ كان يضرب به المثل في الوعي السياسي، أصبح اليوم ممزقًا بين دعايات متصارعة، وكل طرف يصنع جمهوره الخاص، ويعيد تعريف الوطنية وفق مصالحه.
ما يحدث في السودان اليوم ليس حربًا فقط. إنه اغتيالٌ جماعي للوعي، ترتكب جريمته على الهواء مباشرة، وتبث على مواقع التواصل والشاشات، ومنابر النقاش ويطلب من الناس أن يصفقوا للجثة وهي تغسَّل. السوداني الذي كان يومًا يقف في وجه الديكتاتور أعزلًا، أصبح اليوم تحت ضغط الدعاية يصفق لعبور جسر، ويحتفل باستعادة شارع، ويعتبر الخراب تكتيكًا، ويقنع نفسه أن الهزيمة نصر مؤجل. هذه ليست صدفة. هذه هندسة نفسية كاملة.
فدعاية الحرب التي قادها الكيزان لا تهدف إلى الإقناع فقط، بل إلى إلغاء القدرة على المقارنة. فحين تنهك الحرب الناس، يصبح أي خبر جيد ولو كان عبور شارع مادة للاحتفال هذه ليست ظاهرة سودانية خالصة، إنها سمة كل الحروب الطويلة. لكن في السودان، أخذت شكلًا أكثر قسوة، لأن الدعاية لم تكتفِ بتجميل الواقع، بل صنعت قطيعًا سياسيًا من البلابسة يرى في كل ما يُقال له حقيقة مطلقة، وفي كل نقد خيانة.
الدعاية الكيزانية للحرب لا تأتيك بوجهٍ قبيح. تأتيك بوجهٍ يشبهك. تأتيك بصوتٍ يشبه صوتك. تأتيك بعباراتٍ تحفظها منذ الطفولة. تأتيك بوعودٍ تشبه أحلامك القديمة. ثم تبدأ في العمل، تقصّ أجنحة عقلك، وتطفئ مصابيح ذاكرتك، وتعيد ترتيب الخراب في داخلك حتى يبدو منطقيًا، وتعيد تشكيل الألم حتى يبدو واجبًا” وتعيد تعريف الهزيمة حتى تبدو فتحًا وحين تكتمل العملية، تصبح أنت دون أن تدري جنديا في جيش البلابسة.
تبدأ رحلة البلبسة بمرحلة التفرج. ثم يتحول المتفرج إلى مُصفّق، ثم إلى مُبرّر، ثم إلى مُنظّر، ثم إلى جزء من ماكينة الدعاية نفسها. وفي هذه الرحلة يصبح القتل ضرورة، ويصبح النزوح تفصيلًا ويصبح الخراب ثمنًا مقبولًا ويصبح الجيش الذي كان يومًا من أقوى جيوش إفريقيا موضوعًا للاحتفال حين يستعيد شارعًا أو مبنى أو قرية نائية
الخطر الأكبر ليس في الكذب، بل في تحول الكذب إلى هوية سياسية وحين حدث ذلك، أصبح البلبوس مستعدًا للدفاع عن الرواية، حتى لو كان يعلم أنها غير صحيحة. أصبح مستعدًا لتبرير الجرائم، وتجميل الهزائم، ومهاجمة كل من يرفض التصفيق.
الخطر ليس في أن يصدق الناس رواية مضللة، بل في أن يتحولوا إلى قطيع في خدمة هذه الرواية. أن يدافعوا عنها، ويهاجموا من يشكك فيها، ويعتبروا النقد خيانة. هنا تتجلى أخطر مراحل الدعاية الكيزانية حين يصبح الكذب هوية، ويصبح التصفيق واجبًا، ويصبح العقل عبئًا يجب التخلص منه.
البلبسة في الحرب لا تقتل الناس فقط، بل تقتل قدرتهم على التفكير. تقتل قدرتهم على رؤية الصورة كاملة. تقتل قدرتهم على السؤال. وحين يموت السؤال، يولد القطيع. قطيع يصفق. قطيع يهتف. قطيع يبرر. قطيع يحتفل بما لا يستحق الاحتفال. قطيع يرى الخراب ولا يرى نفسه. فالقطيع يُصنع. حين يُقال لك كل يوم لا تفكر… نحن نفكر عنك، لا تسأل… الأسئلة خيانة، لا ترى… الرؤية تضعف الإيمان، لا تقارن… المقارنة تضعف الروح وحين تُصدّق، تبدأ رحلتك من إنسانٍ كامل إلى متفرج، ثم إلى مُصفّق، ثم إلى مُبرّر، ثم إلى بوق، ثم إلى ظلٍّ لا يعرف أين يقف ولا لماذا يقف.
الدعاية الكيزانية في السودان لا تحاول إقناعك. هي لا تحتاج إلى ذلك أصلًا. هي تعمل على شيء آخر تمامًا تخديرك، إرهاقك، إغراقك في التفاصيل الصغيرة، منعك من رؤية الصورة الكبيرة، ما يحدث اليوم هو أن الكيزان يحاولن إقناع السوداني بأن الخراب بطولة والنزوح تضحية والجوع صمود واستمرار الحرب كرامة والاحتفال بالفتات وطنية وهذا أخطر من الحرب نفسها. لأن الحرب تقتل الجسد… لكن هذا النوع من الدعاية تقتل الروح.
وحين تُنهك، تصبح مستعدًا لتصديق أي شيء. تصبح مستعدًا للاحتفال بأي شيء. تصبح مستعدًا للدفاع عن أي شيء.حتى لو كان هذا الشيء هو هزيمتك أنت.
حين يحتفل الناس بعبور جسر، فهذه ليست مشكلة سياسية. هذه علامة انهيار وعي
حين يصبح استعادة قرية نائية في ربوع السودان (فتحًا)، فهذه ليست دعاية عابرة. هذه إعادة برمجة كاملة للعقل
حين يصبح الخراب (ضرورة)، فهذه ليست رواية رسمية. هذه عملية تطبيع للهزيمة
وحين يصبح السؤال (خيانة)، فهذه ليست حالة استقطاب. هذه ولادة القطيع
ليس السؤال: لماذا أصبح الناس قطيعًا؟ بل السؤال: كيف يمكن استعادة الوعي في بلدٍ يريد له الكيزان أن ينسى نفسه؟
استعادة الوعي لا يأتي بالدعاية المضادة، بل بالصدق وبكشف آليات التلاعب وبإعادة تعريف الكرامة والمواطنة بعيدًا عن الحرب وبخطاب يرفض تحويل الناس إلى أدوات ومن قبل ذلك محاسبة الذين قادوا هذه الدعاية الكيزانية بأقلام ضالة وأصوات ناعقة ودعم من مال حرام
فهذه الحرب لم تُخض بالسلاح وحده، بل بجيوش من الأصوات والأقلام التي تمّ دفعها إلى الساحة لتبرير كل شيء. أصواتٌ تكتب وتصرخ وتهاجم وتخوّن، وتُستخدم كأدوات لإشعال الحرب وإسكات كل من يرفع شعار السلام. هؤلاء لم يكونوا مجرد مؤيدين، بل جزءاً من ماكينة الحرب: يبرّرون، يلمّعون، يشيطنون، ويحوّلون القتل إلى بطولة، والاعتراض إلى خيانة.
إن تجاوز آثار الحرب يتطلب إعادة النظر في البنية الإعلامية نفسها، عبر تعزيز استقلالية المؤسسات، وترسيخ معايير المهنية، وتطوير آليات للتحقق من المعلومات، إضافة إلى بناء وعي مجتمعي قادر على مقاومة الخطابات التحريضية. فالإعلام، في نهاية المطاف، يمكن أن يكون أداة لإعادة إنتاج الصراع، كما يمكن أن يكون رافعة للسلام إذا توفرت له البيئة المهنية والأخلاقية المناسبة.
فما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد حرب، بل معركة على الوعي. وما لم يستعد السودانيون قدرتهم على التفكير الحر، سيظل قطيع البلابسة يكبر، وستظل الدعاية تنتصر، حتى لو خسر الجميع.
السودان اليوم يخسر وعيًا. والوعي حين يهزم، لا تعيده الجيوش ولا تعيده البنادق. تعيده الحقيقة… مهما كانت قاسية.
عبد الله جعفر
الرياض 25 ابريل 2026
abdalla_gaafar@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم