لبنى أحمد حسين
س: لبنى، كتبتِ مقالاً طويلاً عريضاً عند تعيين امجد فريد مستشاراً للبرهان، ولم تفعلي نفس الشيء عند تعيينه بمكتب حمدوك؟
ج: أظنني أعرف الفرق بين النقاش المشروع حول أهلية شاغلي المناصب العامة بعد ثبوت الإدانة، فأكتب “مقالاً طويلاً عريضاً”، وبين جريمة التشهير بشخص قبل إدانته من المحكمة. فالإجابة تكمن في الفارق القانوني والمهني بين وضع “المتهم” ووضع “المدان”. هناك مبدأ قانوني أساسي يُعرف بقرينة البراءة، أي أن الشخص يُعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي.
عندما تم تعيين أمجد فريد مساعداً لمستشار رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، كان متهماً في قضية عنف أسري وأذى، ولم يكن قد صدر بحقه حكم قضائي بعد. وفي مثل هذه الحالات، سواء في دول مثل الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وهولندا، أو حتى في مصر والمغرب والسودان، فإن مجرد التحقيقات والتحريات لإثبات الاتهام لا تؤدي تلقائياً إلى الإقصاء الفوري من الوظيفة العامة، خاصة إذا كان المُعتدَى عليه أو الضحية المفترضة بالغاً.
فالقاعدة العامة في معظم الأنظمة الإدارية هي أن الاتهام وحده لا يعني الإيقاف أو الفصل. في العادة يستمر الموظف في عمله لحين صدور نتيجة التحقيقات أو الحكم القضائي. ويُترك تقدير الإيقاف الاحترازي أو منح عطلة مؤقتة قبل صدور الإدانة لتقدير المؤسسة. حيث يصبح الامر أكثر تشدداً إذا كان الضحية المفترض قاصراً، أو إذا كانت الوظيفة تتعلق بفئات ضعيفة أو معرضة للخطر (Vulnerable People)، مثل العمل في دور الحضانة، والمدارس، ودور رعاية المسنين، أو مع المرضى وذوي الإعاقة. في هذه الحالات تميل المؤسسات في كثير من الدول إلى الإيقاف الاحترازي حتى قبل انتهاء التحقيقات، نظراً لحساسية هذه الفئات وارتفاع معايير الحماية المطلوبة، وكذلك في حال تكرار الاتهامات.
لذلك لم يكن الاعتراض في زمن حمدوك بنفس القوة (شخصياً كتبت تعليقاً وتضامنت مع طليقته)، لأن القضية كانت لا تزال قيد الاتهام ولم تُحسم قضائياً بعد. كما أن علاقة أمجد فريد بمكتب حمدوك انتهت في فبراير 2020، أي قبل انقلاب 25 أكتوبر بثمانية أشهر. وبعد ذلك عمل فريد لدى بعثة الأمم المتحدة بالخرطوم، ومن المرجح أنه تم إبعاده فور صدور حكم الإدانة رسمياً.
ولو لم يتم إبعاده من البعثة الأممية بعد صدور حكم الإدانة في 29 مارس 2022، لرأيتم أيضاً المقال الطويل العريض، ليس بالعربية فحسب، بل في الصحف العالمية. إذ انتقل الرجل من وضع “المتهم” إلى وضع “المدان”، وهو فارق جوهري من الناحية القانونية والمهنية.
في معظم الدول، تُعد الإدانة القضائية في قضايا العنف الأسري عاملاً مهماً عند تقييم أهلية الشخص لشغل المناصب العامة الحساسة، خاصة المناصب السياسية أو الاستشارية العليا التي تتطلب مستوى عالياً من الثقة العامة والسمعة المهنية. لذلك، فإن الصمت أو الترقب عند التعيين في زمن حمدوك، مقابل المجاهرة الآن، ليس تناقضاً، بل انعكاس لتغير المعطيات نفسها. سابقاً كان فريد متهماً فقط، وكانت قرينة البراءة قائمة، أما الآن فهناك حكم قضائي بالإدانة، أي أن الوضع القانوني تغيّر بالكامل.
ثم، هب أنني امتنعت عن كتابة مقال طويل عريض لانني كنت أتحاشى الوقوع في مأزق قانوني تحسباً لتهمة التشهير، حال صدور الحكم – فرضاً – ببراءة المتهم، أو حال عادت المياه إلى مجاريها بينه وطليقته قبل صدور الحكم فتنازلت عن الدعوى.. أولم تقل العرب: “تجنُّبُ المِحَن من حُسنِ الفِطَن”؟
وبالتالي، فإن المقارنة بين الاكتفاء بكتابة منشور صغير أو تعليق تضامني مع طليقته عند تعيين أمجد فريد – الذي لم تثبت إدانته – في وظيفة مساعد قريب من مكتب حمدوك، بتوصية – كما رُشِّح – من الخضرين الشفيع خضر والشيخ خضر، وبين كتابة “مقال طويل عريض” عند تعيين ذات الشخص وفي سيرته إدانة قضائية بعنف أسري وأذى، هي مقارنة بين جريمة التشهير وبين الحق المشروع في تقييم أهلية و كفاءة من يشغل منصباً عاماً.
فالاعتراض الآن لا يتعلق بالشخص ذاته بقدر ما يتعلق بالمعيار المهني والأخلاقي في التعيين بعد صدور إدانة قضائية. وهو معيار معمول به في كثير من الدول والأنظمة الإدارية. و إن كان تطبيقه في السودان خيار و فقوس، فهو معمول به في الدول التي سيتواصل معها المدان بوصفه مستشاراً للعلاقات الخارجية.
ثم دعنا نسأل أهل الإدارة والقانون في السودان. فلست ممن يدّعي أن رأيه هو الفصل..
lubbona@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم