لرد على مقال الأستاذ صلاح الدين أحمد أبوسارة “الكفاءة وحدها لا تكفي: دعوة لتأهيل المعلم السوداني لسوق العمل في الخارج”

د. أسامة خليفة محمد

اطلعتُ على مقال الأستاذ صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة، المنشور بصحيفة سودانايل الألكترونية بتاريخ 25/03/2026 بعنوان “الكفاءة وحدها لا تكفي: دعوة لتأهيل المعلم السوداني لسوق العمل في الخارج”، الذي دعا فيه وزارة التربية والتعليم في السودان إلى إعداد دورات تدريبية لتأهيل المعلمين السودانيين للعمل في الخارج وتحديدا في بيئة التعليم في دول الخليج، على خلفية توجه الحكومة الكويتية للاستغناء عن المعلمين المصريين واستبدالهم بسودانيين.
ارجو ان يسمح لي الكاتب بأن أقدم وجهة نظر مغايرة تستند إلى قراءة واقعية لعمق التحولات التي شهدتها دول الخليج العربي خلال العقود الأخيرة خصوصا في مجال التعليم. أقول إن الركون إلى فكرة “سد الفراغ” بعد مغادرة جنسية معينة لم يعد رهاناً رابحاً، وإن كنتُ أقدّر حرص وهمّ الكاتب على رفع كفاءة المعلمين السودانيين، إلا أن هذا الطرح يحتاج إلى مراجعة جادة على ضوء تحولات كبرى يشهدها واقع التعليم في دول الخليج، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط جوهرية:
أولاً: سياسات التوطين والنهضة النوعية للكفاءات الوطنية
يجب أن ندرك أن دول الخليج اليوم ليست هي خليج السبعينيات أو الثمانينيات؛ فقد قطعت هذه الدول أشواطاً هائلة في استراتيجيات “توطين الوظائف” التعليمية. لم يعد الهدف مجرد إحلال موظف أجنبي بآخر، بل تم تأهيل الكوادر الوطنية في أرقى الجامعات الأمريكية والأوروبية والأسترالية عبر برامج ابتعاث ضخمة. اليوم، يتفوق الخريج الوطني في كثير من الأحيان على الوافد من حيث إجادة اللغة الإنجليزية، والتمكن من أدوات التكنولوجيا الحديثة، ومعايير الجودة العالمية. الخليج اليوم يكتفي بأبنائه الذين أصبحوا هم من يقودون العملية التعليمية بمهارة واقتدار.
ثانياً: تحدي الجودة ومعايير التنافسية الدولية
بكل شفافية، يجب أن نواجه حقيقة أن سمعة التعليم في السودان تأثرت سلباً وبشكل ملحوظ نتيجة الحروب والاضطرابات السياسية الطويلة التي انعكست على جودة المخرجات التعليمية. تقارير المنظمات الدولية (مثل اليونسكو والبنك الدولي) تشير بوضوح إلى تراجع تصنيف المؤسسات التعليمية السودانية، وهو أمر تضعه وزارات التعليم الخليجية في الحسبان عند وضع شروط الاستقدام، حيث أصبحت المعايير مهنية بحتة ولا تخضع للعواطف أو العلاقات التاريخية.
ثالثاً: فقه الواقع.. السودان أولى بجهد أبنائه
لا أحد ينكر حجم المعاناة والفقر الذي خلفته الحرب الطاحنة في السودان لأكثر من ثلاث سنوات، وحاجة المعلم الماسة لإعالة أسرته. لكن الحل لا يكمن في انتظار “أبواب مفتوحة” في الخليج لم تعد موجودة بذهنية الماضي. واقع الخليج الجديد يقول إن التنمية أصبحت “داخلية”، والنهضة التعليمية هناك غير مسبوقة. لذا، الأجدى أن تنصب الجهود والخطط التدريبية التي تطالب بها على إعادة بناء البنية التحتية للتعليم في السودان وتأهيل المعلم السوداني لقيادة مرحلة ما بعد الحرب في بلده، بدلاً من إعداده لسراب وظائف في سوق خليجي يتجه نحو الاكتفاء الذاتي الكامل.
خلاصة القول: إن دعوات التدريب من أجل الاغتراب هي استمرار لعقلية قديمة تجاوزها الزمن بعشرات السنين. العالم يتغير، ودول الخليج تمضي قدماً بسواعد أبنائها، والأولى بنا أن نستوعب هذا الواقع الجديد لنبني سودان المستقبل بعيداً عن أوهام “الهجرة الجماعية” للقطاع التعليمي.
د. أسامة خليفة محمد
أكاديمي مقيم في الخليج
abuduaa74@yahoo.com

عن أسامة خليفة محمد

أسامة خليفة محمد