لكسر قيود الفساد والأستبداد في السودان: ملف الانضمام الي منظمة التجارة العالمية

د. فضل محي الدين الطاهر
مع بدء موجة جديدة من حركة عودة اللاجئين والنازحين السودانيين إلى مدنهم وقراهم طوعا أو كرها، يطل الي الواجهة موضوع توفير الاحتياجات الأساسية والامن وسبل العيش الكريم بصورة عاجلة. هذا بالاضافة الي مسالةإعادة الإعمار والبناء ولا سيما اعادة بناء المؤسسات وسط غياب كامل لاي اجماع وطني او أسس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية . وعليه فان اي تحرك نحو إعادة الإعمار والبناء، بعد كل هذا الدمار غير المسبوق، ينبغي عدم حصره في مسائل تقنية فقط تتعلق باعادة إنشاء وترميم المباني والطرقات، بل لابد من استغلال هذا التحرك في كسر الحلقة المفرغة من النزاعات والأخذ في الاعتبار الجذور التاريخية المسببة لاندلاع الحروب المختلفة ووفقاً لتوافق سياسي عريض . مع مراعاة ان الامر يحتاج إلى عوامل مختلفة، علي سبيل المثال ايجاد عقد اجتماعي جديد وتصور مشترك لبناء مؤسسات جديدة فعاله كشرط أساسي لنجاح عملية إعادة الإعمار والبناء على اسس سليمة ووصولاً إلي السلام الدائم . وبالرغم من التحديات الوجودية الكبيرة التي تواجه الدولة السودانية ولا سيما الحروب والفساد وضعف الموسسات العامة وانعدام سيادة القانون فضلاً عن ما تشهدها القواعد والمبادئ الدولية من انتهاكات، فهناك ثمة أمل لاحداث اختراق في هذا المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي البائس.
ويتمثل هذا الامل في ملف انضمام السودان الي النظام التجاري الدولي المتعدد الأطراف لمنظمة التجارة العالمية .
ليس دفاعاً او حبا في النيوليبرالية، الا ان قواعد المنظمة وخاصة في مجال الشفافية في مجالات مثل الصادرات والورادات والمشتريات الحكومية وشركات الدولة التجارية وقواعد تيسير التجارة والغاء نظام الحصص هي افضل وسيلة ناجعة للحد من مستوى الفساد وتقليص هامش المناورة علي الفاسدين في الدولة. حيث ان ادماج المعايير الدولية في التشريعات الوطنية وتحت الرقابة المتعددة الاطراف بعد اكتساب العضوية، من شانه تضيق الحيز للممارسات الفاسدة.
هذا بدوره سيقلل كثيرا من الفساد الحكومي الذي دائمًا ما كان يتلاعب بالقوانين الوطنية لخدمة فئات معينة.
وكما سيساهم الانضمام كذلك في ايجاد بيئة اعمال مناسبة للقطاع الخاص ليقوم بدوره الاقتصادي والاجتماعي علي اكمل وجه.
وستساهم العضوية كذلك في وضع قواعد شفافة وتقنيين الاتجار بالموراد الطبيعية وبالتالي الحد من مستويات التلاعب فيها فضلا عن التقليل من التدخلات الاجنبية والتي دائما ما تستغل غياب اية قواعد لنهب تلك الثروات بشتي الطرق وبالتعاون من النخب الفاسدة. ونسبة للتحديات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد من المتوقع ان لا يتمكن السودان من الاستفادة علي المدي القصير من الانضمام حيث يتطلب ذلك نهج متكامل يشمل التجارة وتنمية القطاع الخاص والتمويل والامن والبنية الأساسية والتعليم.
غير ان الانضمام بقوانينه حول الشفافيه والحكم الرشيد، في المدي القصير سيعمل كحصان طروادة Trojan Horse-علي اختراق الحصون المنيعة للفساد من الداخل وابطال مفعوله المدمر علي الوطن وهذا بدوره سيمهد الطريق علي المدي الطويل، لجهود اعادة الاعمار والبناء علي ارضية موسسية صلبة. بيد ان الانضمام الي المنظمة كما ذكر سابقاً سوف لا يمثل حلا سحريا لمشاكلنا ما لم تكن عملية الانضمام نفسها تشاركية وشفافة ومبنية علي بيانات حقيقية وتاخذ في الاعتبار هشاشة الدولة السودانية وما لم تكون هناك رغبة او ارادة حقيقية لتفادي اخطاء الماضي ووضع الاجندة الوطنية فوق كل اعتبار
وفي ظل تعثر النهج الوطنية المختلفة في بناء دولة القانون والمؤسسات ، نري بان الاستغلال الامثل للاطار القانوني والمؤسسي لمنظمة التجارة العالمية سيمثل خيارًا إستراتيجيًا لاي جهد وطني صادق لوقف هذا السباق نحو الهاوية. ليس فقط لاعتبارات اقتصادية او تجارية، بل ايضا لوقف نهب ثروات السودان و لنقله من مربع النزاعات المسلحة الي مربع السلام الدائم والتنمية.
وللعلم فان الدول الاقل نموا والدول النامية بصورة عامة اصبحت تلعب دوراً اساسياً في التاثير في الاجندة العالمية ولا سيما في منظمة التجارة العالمية حيث يشكلون غالبية العضوية ونجحت في تضمين عدة احكام لصالحها تشمل المعاملة الخاصة والتفضلية وعدة تسهيلات اخري.

وعلي خلفية المرونة المتاحة حاليا لانضمام البلدان الأقل نمواً، السودان لديه فرصة كبيرة للمشاركة بفعالية في هذه المنظمة والاستفادة من المرونة المتاحة بالانضمام وفقاً لشروط تتماشى مع وضعه الخاص واستغلال الميزة النسبية لمواردنا الطبيعية بدلاً من نهبها من قبل الدول الاخري وبإعادة تصديرها للاسواق العالمية باعتبارها منتجاتها. حيث تعزز عضوية السودان ودمجه في سلاسل القيمة العالمية فرص لاضافة قيمة لتلك الموارد وتصديرها مصنعة وبالتالي
احداث حلقة حميدة و طفرة في التنمية والنمو الاقتصادي.
في الوقت الراهن كثير المنظمات الدولية بما فيها الWTO كلها معطلة بسبب التوترات الجيوسياسية والظروف الدولية المعروفة.
وبما ان عملية الإنضمام الي المنظمة بطبيعيتها طويلة ومعقدة جداً وهي Two-level game حيث يقف السودان حاليا في صفّ الانضمام ولاكثر من ثلاثة عقود من الافضل البدء فورا ،وضمن جهود اعادة الاعمار، بتحريك الملف داخليا والقيام بالاعداد الجيد وتفادي الاخطاء الماضية وذلك بنشر الوعي والمعلومات لكل الجهات الداخلية ذات الصلة واشراك الجامعات ومراكز البحوث واجراء الدراسات القطاعية لضمان الحصول علي شروط انضمام تنسجم مع اوضاع السودان وكونه من فئة الدول الأقل نمواً.

في ظل المخاطر الوجودية التي تواجه الدولة السودانية ، قد يبدو طرح موضوع ادماج السودان في النظام الدولي المتعدد الاطراف ضربا من الأوهام ولا سيما بان هذا النظام نفسه يتعرض لضغوط هائلة. ولكن من المهم جداً التاكيد بان لا تستخدم مشاريع وسياسات اعادة الاعمار في السودان لترسيخ سياسات الفساد والتهميش والإقصاء واعادة انتاج اسباب هشاشة الدولة . فضلاً عن ضمان ادارة الموارد الطبيعية لصالح الوطن والمواطن والتي تسبب نهبها والاتجار غير القانوني فيها من الاطراف المختلفة في عقود من الحروب والنزاعات المسلحة .
وعليه من الحكمه استغلال هذا الملف لتهيئة بيئة قانونية ومؤسسية مؤاتية لمشاريع اعادة البناء ولضمان إعادة الاستقرار وجذب الاستثمارات الوطنية والدولية وتحريك عجلة الاقتصاد وصولا الي ارساء قواعد صلبة للسلام الدائم.

eltahirfadil@hotmail.com

عن فضل محي الدين الطاهر

فضل محي الدين الطاهر

شاهد أيضاً

اتفاقية تيسير التجارة: فرصة لتفعيل دور القطاع الخاص السوداني في بناء السلام وتحقيق التنمية المستدامة.

د. فضل محي الدين طاهرeltahirfadil@hotmail.com إنما يجري في السودان للعام الثالث على التوالي ليس مجرد …