بقلم : تاج السر عثمان
١
أوضحنا في مقال سابق دعوات الحوار الكاذبة التي تشير إلى ان منسوبي نظام الانقاذ والحركة الاسلاموية يحاولون تكرار تجربة نظام الانقاذ الذي استمر لحوالي ٣٠ عاما ولم تجنى منه البلاد غير الخراب والدمار ‘ فهم” لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا “.. فمن بوابة الحرب يحاولون إعادة إنتاج نظامهم الذي قامت ضده ثورة ديسمبر التي مازالت جذوتها متقدة وستتظل مستمرة حتى التصفية الكاملة لذلك النظام.
٢
كان انقلاب 30 يونيو 1989م كارثة و الذي نفذته الجبهة القومية الاسلامية، بتخطيط كامل وتحت اشراف قيادتها، وفرضت ديكتاتورية فاشية بدأت بحل الجمعية التأسيسية ومجلس رأس الدولة وحل الأحزاب السياسية والنقابات وكل المؤسسات الدستورية التي كانت قائمة قبل الانقلاب، وتم تكوين مجلس انقلاب ( سلطة تشريعية)، ومجلس وزراء (سلطة تنفيذية)، وتم اعتقال قادة المعارضة مع مسرحية اعتقال د. حسن الترابي، وتم تشريد الالاف من المعارضين السياسيين والنقابيين. كما تمت مصادرة الحقوق والحريات الأساسية : حرية الصحافة والتعبير والنشر ومنع المواكب والمظاهرات والاضرابات، وفرضت مراسيم جمهورية حددت عقوبات معارضة أو مقاومة النظام( الاضراب…) بالسجن الطويل أو الاعدام، كما تم عقد مؤتمرات كانت قرارتها معروفة سلفا والدعوة فيها تتم علي أسس فردية ومن الاذاعة مثل: مؤتمرات الصحافة والاعلام والحوار الوطني..الخ، كما تم تكريس النظام الشمولي(نظام المؤتمرات الشعبية) مع روافد له (الشباب، النساء، اتحادات الطلاب والعمال والمهنيين السلطوية، والسلام والمجلس الوطني الانتقالي..) وكلها تنظيمات تابعة للدولة، كما تمت مصادرة جميع النشاط الثقافي والابداعي والرياضي المستقل عن السلطة، كما مارس النظام ابشع أساليب التعذيب للمعتقلين السياسين والنقابيين.
٣
وعندما تعود بنا الذاكرة الي صبيحة الانقلاب المشئوم الذي اذاع فيه رئيس مجلس الانقلاب البشير بيانه والذي جاء فيه: رفع المعاناة عن الجماهير، وفك عزلة السودان الخارجية وتحقيق السلام ودعم القوات المسلحة، نلحظ انه بعد ذلك ا زيادة المعاناة علي الجماهير والتي فقدت ابسط مقومات الحياة مثل: مجانية التعليم والعلاج وتزايد نسبة الفقر التي وصلت الي 95%، وتم تدمير المشاريع الزراعية والصناعية بعد سياسة الخصخصة التي اتبعها النظام وتشريد العاملين. كما فقدت البلاد سيادتها الوطنية حتي اصبح كل من هب ودب يتدخل في شئونها الداخلية، كما ازداد لهيب الحرب في الجنوب والتي اتسعت لتشمل دارفور وشرق السودان. اضافة الي تدمير الخدمة المدنية والقوات النظامية التي فقدت الالاف من خيرة كوادرها المؤهلة والمدربة نتيجة للفصل السياسي والتعسفي.
٤
ومن جانب آخر اتسعت المعارضة الجماهيرية والعسكرية للنظام، وتم توقيع ميثاق التجمع الوطني في اكتوبر 1989م، وكانت اضرابات الاطباء والمهندسين( في نوفمبر 1989م)، وعمال السكة الحديد(90/1991) ، وتواتر مقاومة الطلاب التي بلغت ذروتها في انتفاضة سبتمبر 1995م، وسبتمبر 1996م، وانتفاضات المدن من اجل خدمات المياه والكهرباء ومقاومة ارسال الطلاب الي محرقة الحرب….الخ.حتي انفجار ثورة ديسمبر ٢٠١٨.
٥
وكان من نتائج المقاومة الداخلية وضغط المجتمع الدولي أن تم توقيع اتفاقية نيفاشا في يناير 2005م، وتوفرت فرصة تاريخية للخروج بالبلاد من نفق الدكتاتورية والشمولية المظلم، بتنفيذ استحقاقات الاتفاقية التي تتلخص في: التحول الديمقراطي، والتنمية وتحسين الاحوال المعيشية وترسيخ السلام ووحدة البلاد القائمة علي اسس طوعية وديمقراطية. ولكن نظام الانقاذ استمر في طبيعته الديكتاتورية والشمولية والتي تقوم علي القمع ونقض العهود والمواثيق مثل: عدم تنفيذ اتفاقية السلام 1997م، واتفاقية جيبوتي، واتفاقية القاهرة وابوجا والشرق …الخ، والتي افرغها من مضامينها وحولها لوظائف ومناصب. كما ضرب بعرض الحائط الدستور الانتقالي لسنة 2005م بعدم انجاز التحول الديمقراطي وقمع المسيرات السلمية والرقابة علي الصحف، ولم تذهب عائدات البترول للتنمية في الشمال والجنوب، وتم تتويج ذلك بتزوير الانتخابات واعادة انتاج نسخة ثالثة من الانقاذ للسير في طريق القمع ومصادرة الحريات وزيادة اعباء المعيشة علي الجماهير، وكان من نتائج ذلك أن تم انفصال الجنوب.
٦
يحاول الاسلامويون تكرار التجربة السابقة التي تقوم علي النهب اقتصاديا والقمع سياسيا وتصعيد نيران الحرب التي تقود لتمزيق وحدة البلاد ‘والدعوات للحوار الكاذبة التي قراراتها معروفة مسبقا ‘ كما في دعوة البرهان الأخيرة’ لتكريس نظامهم الغسكري الشمولي الفاشي تحت مظلة مدنية مريفة. الذي يهدد بتقسيم البلاد
مما يتطلب مواصلة المقاومة الجماهيرية لتفكيك النظام ووقف الحرب واستعادة مسار الثورة وقيام الحكم المدني الديمقراطي.
