المقدمة:
نحن في عصر نخطط فيه لاستعمار المريخ، ونصنع ذكاءً اصطناعياً يُغير قواعد الحياة، ومع ذلك لا نزال نلجأ إلى أقدم وأبشع أدواتنا: الحرب. هذا التناقض هو جوهر مأساة الإنسان الحديث. كيف يمكن لعقل يصل إلى فهم طبيعة الكون، أن يظل أسير فكرة بدائية تتمثل في تدمير الآخر ليحيا؟ في هذه المقال ، نحاول فهم جذور هذا “التاريخ الأسود” المتكرر، ولماذا لا يزال إنسان القرن الحادي والعشرين يعيد إنتاج وحشية أسلافه، لكن بأدوات أكثر فتكًا.
أولاً: لماذا الحرب فكرة بدائية؟
الحرب بدائية لأنها تناقض كل معنى للتقدم والحضارة. لقد اخترعنا القوانين لحماية الضعيف، والمؤسسات الدولية لحل النزاعات، ووسائل التواصل لتقريب المسافات بين القلوب. لكن الحرب تأتي لتخبرنا أن كل هذا مجرد واجهة هشة. الحرب تعني العودة إلى منطق الغاب: “من يملك القوة يملك الحق”. إنها تمحو في ثوانٍ ما استغرق بناؤه عقودًا من جسور وبيوت ومكتبات، وتبرر باسم “الصالح العام” قتل أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا على الجانب الخطأ من الحدود.
ثانيًا: لماذا لا يتخلص منها الإنسان المعاصر؟ (الجذور العميقة)
رغم كل التقدم، هناك أسباب جوهرية تدفع الإنسان الحديث إلى تبني هذه الفكرة البدائية:
- الطبيعة البشرية لم تتغير: ما زلنا نرث من أسلافنا الخوف من الغريب، والرغبة في السيطرة على الموارد (النفط، الماء، المعادن النفيسة). هذه الغرائز لم تختفِ، بل تم قمعها مؤقتًا تحت طبقة رقيقة من الحضارة. وعند أول أزمة حقيقية (جفاف، مجاعة، انهيار اقتصادي)، تعود هذه الغرائز إلى السطح بعنف.
- القبلية تحت مسميات جديدة: لم نعد نحارب باسم القبيلة، لكننا نحارب باسم “الديمقراطية ضد الاستبداد”، أو “الأمة ضد الآخر”، أو “المعسكر الشرقي ضد الغربي”. الاسم تغير، لكن العقلية القبلية “نحن الخير وهم الشر” لا تزال هي المحرك الأساسي للصراعات.
- مصالح كبرى تستفيد من الحرب: هناك من ينام جائعًا بسبب الحرب، وهناك من يستيقظ على أرباح خيالية. شركات الأسلحة تربح المليارات من كل صراع، والزعماء الضعفاء يستخدمون “العدو الخارجي” لتوحيد شعوبهم وتغطية فسادهم الداخلي. الحرب تصبح أداة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية هائلة، بينما السلام يبدو “مملًا” وغير مربح للبعض.
- فشل النظام العالمي: الأمم المتحدة التي تأسست لمنع الحرب، كثيراً ما تصاب بالشلل بسبب حق النقض (الفيتو). عندما يصطدم قانون دولي بمصالح دولة عظمى، يتبخر القانون أولاً. عندها، لا يبقى أمام الأقوياء إلا خيار الحرب، وأمام الضعفاء إلا الاستسلام أو الموت.
الخلاصة: بين الأمل والواقع
إذا كان إنسان الكهف يبرر حربه بالجوع والبقاء، فبماذا يبرر إنسان القرن الحادي والعشرين حربه ونحن نملك من وسائل التعايش والرفاهية ما لم يحلم به أجدادنا؟ الحقيقة المرة أن الإنسان المعاصر لم ينضج بقدر ما تطورت أدواته. نحن لازلنا نعاني من أزمات نفسية وأخلاقية عميقة تجعلنا نرى في “الآخر” تهديدًا يجب إزالته، وليس إنسانًا نستطيع التعاون معه.
لن نخرج من هذا التاريخ الأسود إلا عندما نعيد تعريف معنى “القوة” و”النصر”. القوة الحقيقية ليست أن تدمر عدوك، بل أن تبني سلامًا عادلًا مستدامًا. النصر الحقيقي ليس أن تنتصر في معركة، بل أن تجعل الحرب غير ضرورية. الأمر لا يحتاج إلى أسلحة ذكية أو تقنيات ثورية، بل يحتاج إلى ثورة في الوعي الإنساني، والى شعوب لها الارادة على القول: “توقفوا، هذه البدائية تكفينا”. وإلا، فالتاريخ الأسود سيعيد نفسه بلا نهاية، وكل صفحة جديدة منه ستكون أشد سوادًا مما قبلها هل نسيتم مآسى الحروب العالمية التى مضت وباسلحة اقل فعالية بكثير عن عصرنا الراهن؟؟؟؟؟ .
د. عوض النقر بابكر محمد
المملكة العربية السعودية- الرياض-966537626864
awadelnager@gmail.com
