لماذا نطالب بالفيدرالية ؟

بقلم : حسن أبوزينب عمر

قومٌ إذا استنبحَ الأضيافُ كلبهُمُ
قالوا لأمّهِمِ: بُولي على النّارِ
فتُمْسِكُ البَوْلَ بُخْلاً أنْ تجودَ بهِ
وما تبولُ لهم إلا بمقدارِ

الأخطل غياث بن غوث التغلبي

اذا عادت الجيوش الى ثكناتها وتحررت ميليشيا آل دقلو من أوهامها ووضعت الحرب أوزارها فان طوق النجاة الوحيد الذي سيبقي السودان وطنا للجميع هو الفيدرالية بدون منازع ومن دونها فسوف يواصل سوس التهميش غرس أنيابه في عظام الأطراف المنسية و من دونها ستزداد اشتعالا خطابات الكراهية السامة التي تعصف بالنسيج الاجتماعي. صحيح ان السودان دولة نامية في حاجة الى التنمية والاستقرارباسثمار مواردها الاقتصادية المتنوعة التي حباها بها الله ولكن منذ فجرالاستقلال عام 1956 لا زال المواطن يتخبط بين المسبغة والحرمان ذات اليمين وذات اليسار بحكومات باهتة ابتلينا بها أضاعت جل وقتها في الصراع على الكرسي لا أرضا قطعت ولا ظهرا أبقت .
(2)
وعودة الى الوراء لاستحضار لقاء جمعني بالراحل المقيم محمد بدري أبوهدية في مدينة سنكات في منتصف التسعينات عرض لي خلاله الخطاب الذي بعثه للملكة اليزابيث ملكة انجلترا ..لم تعجبني اللغة الكاربة بقدر ما أعجبني مضمون الرسالة وهي رسالة كانت كفيلة بتحريك الحجر الأصم فقد قال لصاحبة الجلالة ان الملك جورج الخامس وأثناء عودته من الهند وفي طريقه الى انجلترا غرس بذرة نمت وترعرعت حتى أصبحت شجرة باسقة جذورها ضاربة في أعماق الأرض وأغصانها تتدلى على الأرض تمنح الظل وتقي الجالسين تحتها وطأة الحر وكانت تؤدي دورها تجسيدا لوشائج العلاقة بين الشعبين .ومضى الخطاب الذي هز عرش الملكة يقول ان الشجرة التي رسخت في ذاكرة الناس انهارت وسقطت على ركبتها بعد أن تكالبت عليها عوامل التعرية ..الآن فان منطقة الجبل والساحل كلها تعرضت لموجات كاسحة من الجفاف والتصحر وان الحاجة ماسة لتكرار عمل خيري آخرلاتقاذ الضحايا من أنياب تقلبات الطقس احياء وتخليدا لذكرى شجرة الملك جورج الخامس .
(3)
يبدو ان رسالة أبو هدية لمست أوتارا انساسية حساسة في قلب الملكة فكتبت لوزارة الخارجية تخاطب سفير لندن في الخرطوم وتحثه لتحقيق رغبات أهل المنطقة على حساب الخزينة البريطانية ..في اليوم الثاني كان السفير البريطاني وطاقم السفارة في سنكات يسألون
WHERE IS MR BUDRI ?
وبالبفعل تم اللقاء وأبدت السفارة جاهزيتها لتمويل أي مشروع لمكافحة الجفاف والتصحر في المنطقة ولكن السفير رأي انه لأسباب فنية تستلزم تقديم المشروع لوزارة الزراعة السودانية لدراسته وتقديم المقترحات المطلوبة لتنفيذه ولكن وآه من لكن اذ ان الوزارة لم تبدي اهتماما ولم تحرك ساكنا فانتهت القضية الخيرية في أقرب سلة مهملات ..وهكذا مات مشروع حيوي هام كان يمكن أن ينقذ أرواح الآلالف .
(4)
أما مشروع مد أنبوب من الماء من النيل لبورتسودان كحل نهائي لمحاربة أزمة مياه هذه الولاية وهي أزمة خانقة فهو أمر يفوق كل تصور فكما يعرف الجميع ان حكومة السودان أبرمت وأمام العالم وتحت عدسات التلفزيونات اتفاقية مع الصين لنقل المياه من النيل لبورتسوان ودفعت 10 % من تكلفة المشروع التي قدرت وقتها ب 450 مليون دولار ولكن في غمضة عين واتباهتها ألغى وزير السدود وقتها أسامة عبد الله المشروع (جرة قلم) بحجة صفرية جدواه الاقتصادية ..التفسيرات والتسريبات التي راجت وقتها (تحت تحت) ان مبعث فتوى أسامة التي تبرع بها في الساعة 25 كانت مماحكة ولكمات تحت الحزام سددها للوالي محمد طاهر تصفية لحسابات شخصية قديمة وهكذا أيضا تم قبر مشروع آخر كان بمثابة طوق نجاة لمنطقة غارقة في العطش انعكست سلبياته على كل مناحي الحياة في المدينة الاستراتيجية التي تعتبر رئة يتنفس بها كل السودان ولك أن تتخيل كيف كان أنبوب المياه سينعش الحياه في صحاري الشرق في مناطق مسمار وهيا وسنكات وجبيت وسواكن بتوفير الماء الذي جعل المولى منه كل شيء حي لكل الأنشطة الزراعية والرعوية للسكان .
(5)
لكاتب هذا المقال تجربة حزينة لادخال مدينة سواكن التاريخية في قائمة تراث اليونيسكو وهو مقال تفاعل معه سفير السودان ونائيه وكان رأيهما بداية الاتصال بسفير السودان في باريس حيث المقر الرئيسي لليونيسكو لتحريك الموضوع ولكن لأسباب جوهرية قررت السفارة تحويل المقال بخطاب وتوصية منها الى والي ولاية البحر الأحمر لتبنيه وحث وزارة الثقافة لمخاطبة سفارتنا في باريس ولكن الوالي وربما الوزارة التي تحمل اسم الاعلام والثقافة والسياحة ناما على الموضوع فأنتهى كل شيء الى لا شيء . الذي ذكرته من تجارب تستدعي منح الحكم الفيدرالي للولاية أو اعطاء الخبز لخبازيه هو الجزء البارز من جبل ثلج يسبح فوق ماء المحيط فهناك الكثير من ممارسات التهميش والتجاهل واللامبالاة لا لشيء سوى أن القضايا المصيرية المطروحة لا تتناسب مع مزاج الخرطوم .
(6)
ثالثة الأثافي في بلد الغرائب والعجائب هذا ان مبعث أخطرقضايانا الآن وهي خطابات الكراهية والعنصرية التي تهدد وحدة السودان ووجوده ليست في عقول البسطاء والمسحوقين في أرياف دروديب وسهول القنب والأوليب ولا مناطق كبكاكية ومرتفعات دارفور المسحوقين المنسيين في قاع االتهميش فهؤلاء بسطاء يكافحون شظف العيش وظلم الانسان لأخيه الانسان ولكن هذه السموم معشعشة للأسف في عقول التنفيذيين والمثقفاتية الذين يتزاحمون على شاشات التلفاز .في السبعيتات أجريت حوارا مع الوالي المسؤول وقتها على ثلاثة ولايات هي البحر الأحمر وكسلا والقضارف (كرم الله العوض) ونقلت له معاناة مواطني حي الوحدة في بورتسودان مع الماء وتلقيت ردا لم يكن في الحسبان .
(7)
قال لي غاضبا (ومن هم مواطني الوحدة حتى يشتكوا من ندرة الماء ..العام الماضي كنت في بيروت ووجدت مواطني حي الحمراء يعانون من أزمة مياه الشرب خليك من ناس حي الوحدة ) وهو رد أخرج الاداري الفذ الهاديء عمنا حامد على شاش من طوره وحوله الى بركان من الغضب وكان وقتها وكيلا لوزارة الاسكان حينما زرته في مكتبه صباح نشر المقال حيث طالب بتقديم نواب المنطقة شكوى ضد الوالي في مجلس الشعب ردا للاعتبار ورفضا للاساءات .
(8)
قبل عامين اذا لم تخني الذاكرة كتبت تعليقا على قصة مدير فضائية البحر الاحمر وقتها الاستاذ ابراهيم البزعي مع الاذاعية اللامعة زينب ايرا في قضية تهديده بفصلها من الخدمة اذا ارتدت ثوب (الكربة) وهي لبسة نسائية محتشمة وشائعة في شرق السودان .. الفارق بينها وبين الثوب السوداني ان الثوب يترك مسدلا بينما يربط ثوب الكربة البجاوية في منطقة الخصر ولكن الذي استفزني وحرق أعصابي وأعصاب الكثيرين تعليقات تجاوزت محطات الاستنكار الى محطات الاستهزاء والحقارة من صحفيين تلمع أسمائهم في الميديا رفضا لدخول الذين اسيئت ثقافاتهم الى صالة الفضائية فقد كتبت الكاتبة رشا عوض تقول (من أهم مشاهد الكوميديا السوداء في زوبعة تلفزيون بورتسودان ذلك الشاب الذي بجمل عكازه ويملي أوامره على حكومة الأمر الواقع باقالة البزعي ) وتضيف الكاتبة الكبيرة (اياكم الوقوع في مصيدة ان هذه مشكلة لها علاقة بقيم التنوع الثقافي ) .
(9)
الكاتبة حذرت من مخاوف رأت فيها ان عكاز الشاب الغاضب هو الخطر الساحق الماحق في المشهد وهو تعليق غريب فطير لا يفهم منه الا ان العكاز أكثر فتكا من براميل المتفجرات العشوائية التي تسقطها الطائرات كيفما اتفق وأكثر خطرا من مدفعية آل دقلو العشوائية التي تهد اليوت على رؤوس العزل الأبرياء . الصحفية الثانية نسرين النمر فقد اتهمت الضحية زينب ايرا بالاستعلاء الثقافي بتمييزها لهويتها الثقافية غير المنتجة وهي التي ترتدي نسائها ثوب الكربة ورجالها الصديري و(السربادوب) على حساب ثقافات أخرى منتجة فتأمل !
(10)
لكن الذي قاله الناشط على أحمد فهو يفوق كل تصور فقد علق قائلا (البجا لم يكونوا سوى مواد خام للسخرية والاحتقار والتنكيت البذيء على شاشات التلفزيون تقوم بها فرق هزلية من شاكلة تيراب وهمبريب وعطسة ودعاش وفضيل وسخيل فمنذ متى وجد البجا التقدير الثقافي بل السياسي والإنساني لكي يغضبوا لفقدانه الآن).
هذا الكاتب سقيم الطرح كسيح المنطق اما انه قال ما يؤمن به حقا أو (يحرش) البجا لرفض الاندماج في المجتمع السوداني الذي يذله ويهينه دون سبب لكن الذي يلفت الانتباه هنا ان الكتاب الثلاثة (الرجل والسيدتين) ينتمون لتيارات معارضة لحكومة البرهان يلعنون سنسفيلها صباح مساء ولكنهم لم يحاربوا (المنكر) حتى بأضعف الايمان بالتعاطف مع البجا (المغضوب عليهم) دونما سبب للتعبيرعن ثقافاتهم كما فعل الأديب الشاعر فضيلي جماع .
(11)
خطابات الكراهية والعنصرية ينتجها التهميش وتصنعها غياب التنمية وتردي الخدمات وفشل التنفيذيين وبعضا من عقول المثقفاتية السامة (الرجل والسيدتين تموذجا) وكلها سياسات متعمدة يزيد نيرانها أجيجا حروب عبثية تضرب فيها حكومات المركز المتعاقبة المكونات القبلية في الهوامش المنسية بعضها ببعض للإخضاع وبسط الهيمنة فالبشير وفي اطار نشر مشروعه الحضاري لم يشرد الملايين فحسب بل حرق القرى و قتل 350 الف نسمة منهم..(اعترف هو فقط بقتل 10 آلاف ) والضحايا هنا هم أحفاد على دينار الذي كان يبعث كسوة الكعبة سنويا الى مكة قبل أن يعض بنان الندم على تلك المجازر التي ارتكبها جيشه متسائلا ماذا يقول لرب العالمين الذي يقول (من قتل نفسا بغيرنفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) .
(11)
خلاصة القول أننا نطالب بالفيدرالية لتقصير الظل الاداري في دولة مترامية الأطراف ضعيفة الترابط لتحقيق أهدافنا وأحلامنا في التنمية التي حرمنا منها فلازالت المجاعات تفتك بانسان الشرق ولا زالت النساء تفطم أبنائها بعد ثلاثة أشهر من الرضاعة لانعدام اللبن في الأثداء ولا زالت وفيات الأطفال تتصدر الاحصائيات في السودان ..نريد العدالة في توزيع السلطة والثروة .. نريد أن نعيش سواسية في هذا الوطن ونعلم جيدا احتياجاتنا ونعرف كيف ندير مواردنا هذا هو الرهان ومكة أدرى بشعابها ونعرف جيدا ان مهر النجاح هو اشراك الجميع في الادارة دون تمييز لانتماء اثني فالبجا لا يعرفون الكراهية ولا يؤمنون بالعصبيات وهم دائما في المركز الاول دون منازع في قائمة الأكثر تعايشا والأكثر قبولا للآخر ..ينسحب هذا أيضا على أهلنا الطيبين المنسيين الذين ينتقلون من هامش الى هامش افلاتا بأرواحهم من حروب عبثية تطحنهم طحنا .. تصنعها الحكومات ويدفع ثمنها هؤلاء البؤساء ..
مدخل للخروج
أما شعار(هاش هاشون) فهي مجرد فزاعة دفاعا عن النفس وردا لطغيان واحتكار المركز فهل ترك لنا (الذين طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَاد) خيارا آخر؟

oabuzinap@gmail.com

عن حسن ابوزينب عمر

حسن ابوزينب عمر

شاهد أيضاً

سياحة في عوالم عبد المنعم عبد الحي

بقلم : حسن ابوزينب عمرoabuzinap@gmail.com ربما كان المبدع الوحيد الذي تم تكريمه وعلى غير العادة …