لمن تقرع الأجراس؟
التعليم في السودان… حين يصير المستقبل هو الضحية
دكتور محمد عبدالله
ليس ثمة جرس أحق بأن يُسمع اليوم من جرس المدرسة. فهو لا يعلن بداية يوم دراسي فحسب، بل يكشف أيضاً عن حال أمة: إما أن تستثمر في مستقبلها، أو تفرط فيه. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه السودانيين جميعاً ليس: متى تبدأ الدراسة؟ بل: أي مستقبل ينتظر وطناً يعجز عن حماية حق أطفاله في التعليم؟
لم يعد التعليم في مرحلة الأساس مجرد خدمة تقدمها الدولة، بل أصبح، في معظم دول العالم، حقاً أصيلاً تكفله الدساتير، وتلتزم الحكومات بتوفيره مجاناً وإلزامياً. ولم تأت هذه القناعة من فراغ؛ فقد أثبتت التجارب أن المدرسة ليست مكاناً لتعليم القراءة والكتابة فحسب، بل هي المؤسسة التي تصنع المواطن، وتحد من الفقر والعنف والتطرف، وتؤسس للاقتصاد قبل أن تؤسس للثقافة. ولهذا لم يكن غريباً أن تجعل دول كثيرة، بما فيها دول محدودة الموارد، التعليم الأساسي أولوية وطنية، لأنها تدرك أن ما يُنفق على الطفل اليوم يعود أضعافاً في صورة استقرار وتنمية وإنتاج.
أما السودان، فقد عرف زمناً كانت المدرسة الحكومية فيه عنواناً لهيبة الدولة وعدالتها الاجتماعية. لم تكن المدارس مترفة، لكنها كانت قادرة على أداء رسالتها. كانت الكهرباء والمياه جزءاً من الخدمة العامة، ولم يكن مدير المدرسة مضطراً إلى التفكير في كيفية سداد فاتورة الكهرباء أو توفير مياه الشرب. وكان الكتاب المدرسي، على تواضعه، يصل إلى كل تلميذ، وتُجرى الامتحانات باعتبارها مسؤولية الدولة، لا مسؤولية الأسر. ولم يكن ولي الأمر يحمل في بداية العام الدراسي قائمة طويلة من الاحتياجات التي يفترض أن توفرها وزارة التربية.
ثم جاءت سنوات حكم الإسلاميين، فبدأ التعليم يفقد مكانته تدريجياً، حتى انتهى إلى ما يشبه الانهيار. ولم يكن ذلك نتيجة الحرب وحدها أو الأزمة الاقتصادية وحدها، بل نتيجة سياسة انسحبت فيها الدولة، عاماً بعد عام، من مسؤولياتها الأساسية تجاه التعليم.
انتهت عملياً مجانية الكهرباء والمياه في المدارس، بعد أن ظلتا، منذ الاستقلال، جزءاً من التزام الدولة تجاه التعليم العام. ثم أصبح من المألوف أن يُطلب من التلاميذ شراء المكانس لتنظيف الفصول، وأن يتولى أولياء الأمور توفير الطباشير. وفي السنوات الأخيرة، أضيف إلى ذلك إلزام الأسر بدفع رسوم لإعداد الامتحانات وطباعتها، وهي مهمة تقع في صميم مسؤولية الدولة.
وفي المقابل، ماذا بقي من التزامها؟
مبانٍ متهالكة أنهكتها سنوات الإهمال ثم جاءت الحرب لتزيدها خراباً، وفصول مكتظة، ومعلمون يعملون في ظروف بالغة الصعوبة، وكتاب مدرسي واحد يتداوله ثلاثة تلاميذ، بينما تعصف بالأسر أزمات الفقر والجوع والمرض.
إنها ليست مجرد صورة لمدرسة فقيرة، بل صورة لوطن يدفع ثمن التفريط في أهم استثماراته.
فالطفل الذي يذهب إلى المدرسة جائعاً، ويجلس في فصل يفتقر إلى الحد الأدنى من البيئة التعليمية، ويتقاسم كتاباً مع اثنين من زملائه، لا يمكن أن ينافس أقرانه في عالم أصبحت المعرفة فيه رأس المال الحقيقي. وليس من الإنصاف أن يُلام هذا الطفل أو أسرته، وهم يواجهون يومياً الثالوث اللعين: الفقر والجوع والمرض. فهذا الثالوث لا يحاصر البيوت وحدها، بل يحاصر المدرسة أيضاً، ويقيد قدرتها على أداء رسالتها.
والأخطر من ذلك أن تدهور التعليم لا يبقى محصوراً داخل أسوار المدارس. فعندما تضعف المدرسة، يضعف المجتمع كله. تتسع دائرة الأمية، وتتراجع فرص العمل، ويزداد الاحتقان الاجتماعي، وتصبح الأجيال الجديدة أكثر عرضة للعنف واليأس والهجرة. ولهذا فإن الاستقرار لا يبدأ من القصور الرئاسية ولا من قاعات المؤتمرات، بل يبدأ من الفصل الدراسي.
إن إعادة بناء السودان بعد هذه الحرب لن تتحقق بالإسمنت وحده، بل بإعادة بناء الإنسان. ولا سبيل إلى ذلك إلا بإعادة الاعتبار للتعليم الأساسي، باعتباره المشروع الوطني الأهم، لا بنداً هامشياً في الموازنة العامة. وإذا كانت الدولة عاجزة عن أن توفر لطفل كتاباً، أو مقعداً صالحاً، أو امتحاناً من دون رسوم، فإنها لا تستطيع أن تطلب منه، بعد سنوات، أن يحمل مسؤولية وطن أثقلته الأخطاء.
وقد صدق الشاعر حين قال:
بالعلم والمال يبني الناس ملكهمُ
لم يُبنَ ملكٌ على جهلٍ وإقلالِ
فليست هذه مجرد حكمة شعرية، وإنما خلاصة تجربة إنسانية طويلة. فالأمم لا تُقاس بعدد الخطب التي تُلقى، بل بعدد الأطفال الذين يجدون في مدارسهم فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم.
لهذا، فإن أجراس المدارس في السودان لا تقرع إيذاناً ببدء الحصص وحدها، بل تقرع في ضمير الدولة والمجتمع معاً. والسؤال الذي يظل معلقاً هو: هل نجد من يستجيب قبل أن يخسر السودان جيلاً آخر، أم أن الأجراس ستظل تقرع ، ولا أحد يجيب؟.
muhammedbabiker@aol.co.uk
