ما بين دكان ود البصير وحاج مذّكر .. هناك دكان الدعيتر

قبل أسابيع قليلة، كنت في حديث عابر مع الأديب الكبير أ. فضيلي جمّاع، وأثناء التطرق لرواية “هذه الضفاف تعرفني” والتي ترجمت مؤخراً إلى اللغة الإنجليزية، قال لي أن المترجم قال له “أنّ لهجة أهلنا البقارة حنيّة” وهى أحدى الأسباب التي جعلت هذه الرواية تستحق الترجمة إلى لغات عالمية، هذه الإفادة، قادتنا إلى الإشادة من جابنا بمجهودات الفنان الكبير والمبدع الدرامي مختار بخيت الذي عُرف فيناً بالدعيتر، ومرة أخرى قبل أيام قلائل، في منبر ثقافي عامر بالرواد، تتطرفنا بصورة عفوية عابرة، إلى المساهمات المقدرة لأعمال الأستاذ مختار بخيت الفنية، في تسويق عامية غرب السودان، والذي فارق دنيانا الفانية، بصورة مفاجئة مؤخراً. عليه شآبيب الرحمة والمغفرة، والعتق من النار. مما يؤكد أن الراحل، دخل وجدان الشعب السوداني، لتمتعه بعدة سجايا حميدة، ومقدرات فنية إستثنائية.

المتابع عن كثب، وبعين ناقدة، للتوجه الثقافي والإعلامي للدولة المركزية، منذ الاستقلال، سيما في مجال العمل الدرامي، لن يخطئ التوقف حول المحاولات المستميتة للأجهزة الرسمية، والشعبية الموازية، في سبيل فرض ثقافة أحادية، تتمحور حول الثقافة الأمدرمانية، وثقافة الوسط، توالت هذه المحاولات، وبلغت ذروتها في مسلسلي “دكان ود البصير” وحاج مذّكر، الإذاعيين، إلى أن أشرقت شمس ثورة تكنولوجية المعلومات، وتمكن وسائط السوشيال ميديا، من القضاء على احتكار أجهزة ووسائل البث التقليدية التي كانت تسيطر عليها الجهات الرسمية.

ويعتبر مسلسل الدهباية الإذاعي، أولى محاولات كسر الشمولية أو الأحادية الثقافية، والذي بث خلال فترة الديمقراطية الثالثة فيما نظن، منتصف ثمانيات القرن الماضي، ثم ظهر الممثل مختار بخيت (الدعيتر) والممثلة نايرة إسماعيل، وفرضا وجوديهما على الساحة الدرامية، بإصرار، ومثابرة على إستخدام لهجة أهلنا البقارة الممزوجة بعامية غرب السودان بكثافة، في معظم ما اسند إليهما من أدوار تقريباً. وقد نجح الثنائي في جعل المستمع والمشاهد السوداني، يفهم لهجة غرب السودان ويتقبلها كأمر واقع.

وليس من شك، أن هذه المسألة ليست سهلة، ولم تكلل بالنجاح لو لا قوة شخصية الأستاذ/ مختار بخيت. الذي اختتم مشواره الفني بدكان الدعيتر.

في مشهد معبرّ للغاية، للدعيتر مع الممثلة القديرة الأستاذة إخلاص نوردين، إنتقلت الأخيرة لحي طرفي، وأرادت أن تفرض شروطها، وتبسط سيطرتها على المجتمع من حولها باسم بازوكة، ذهبت بريش منفوش، إلى دكان الدعيتر الذي أصبح أيقونة إجتماعية، وملتقى ثقافي عامر، وقالت لها بحزم وغطرسة: “أسمع هنا دا، يا الاسمك الدعيتر، الدكان دا لازم توفر فيه أي حاجة، ما نجي نلقى حاجة ناقصة، وعايزنك تتكم لنا، كلام الله الرسول، ما تقعد تقول لينا أنطيطني وأنطيطك! رد عليها الدعيتر: “ها مرا، انت مرا مطرطشة ولا شنو؟ كلامكي دي كِكِيف!”

رغم عفوية، وحسن نوايا، الأستاذة إخلاص نورالدين، في هذا المشهد، هي قد تقمصت دور الدولة المركزية، أحادية التوجه الثقافي، ومارست دور ال Dog – Watch لتحمي أسوار أو السياج الثقافي المرسوم عبر الحقب، ومن وجهة نظرها، أن كلام الدعيتير، من جنس “أنطيطني وأنطيطك” كلام أهلنا البقارة الممزوجة بعامية غرب السودان، ليس كلام الله والرسول!!

هذا الاستنتاج من زاوية نقدية، وبلا شك أن أستاذة إخلاص، لم تقلها مع سبق الإصرار والترصد، وإنما بعفوية، متسقة مع تربيتها ومزاجها الثقافي. وبالطبع يمكن إدراج طلب بازوقة “كلام الله والرسول” من الدعيتر، محاولة تنمر ثقافي، أفشلتها صلابة شخصية الدعيتر، صاحب الدكان الصاحي والراكز.

في هذا المشهد، وصل الممثل الدعيتر، عتبة، الخطوط الحمراء ثفافياً، وتلقى إنذار ناعم، من “حماة الحدق” هذه شهادة معتبرة، تبرهن أنه نجح في رسالته، المتمثلة في فك الإحتكار الثقافي، وإحداث إختراق في جدران الأحادية الثقافية بامتياز.

في مشهد رمزي آخر، مع الممثلة القديرة، إلطاف بابكر، المعروفة فنياً بحنان جوطة، إيام العزل أو التباعد الإجتماعي، بسبب جائحة الكورنا، حضرت حنان جوطة، وهو تجوط كالعادة، ولم تنتبه للإجراءات الجديدة، التي تقتضي دخول الرجاء والنساء من مداخل مختلفة، قال لها الدعتير” هاي حنان جوطة، انتِ ما شايفة عملنا باب للرجال، وباب للأيين؟ (النساء) كالعادة تحدث معها الدعيتر وكأنه في بادية المسيرية، وليس في أحياء الخرطوم الراقية.

أرادت حنان جوطة، أن تتمرد تستعرض ثقافتها، وتحرج الدعتير، قائلةً: “الدعيتر، هل سمعت جيمس براون قال شنو؟ قال ما بين الرجال والنساء، هناك آخرون، أنا آخرون، جايطة وسطهم ومعاهم كدا”

ومن هذا العبارة، استوحينا عنوان مقالنا هذا ” ما بين دكان ود البصير وحاج مذّكر هناك دكان الدعيتر”

رد عليها الدعيتر قائلاً: “لو أنتِ آخرون، فأنا هاورن!!”

ومعروف أن هارون أخو موسى، أفصح منه لساناً، وأقوى منه حجةً ومنطقا، أي أن الدعتير، عليه شآبيب الرحمة، أعاد الحوار لمحورية المفردة، وأن الغلبة لمنطقه، منطق هارون، وليست لفلسفة جيمس براون.

للراحل مختار بخيت (الدعيتر) مهارات فنية عديدة، قد يشترك فيها معه زملاء آخرين، إلاّ أنّ ما تميز به، إصراره على مخاطبة الناس، مهما كانوا، وأينما كانوا، بلهجة أهله البقارة الممزوجة بعامية غرب السودان، فيما في دكانه، وفرض عليهم، أن يفهموه، بحكم محورية دكانه، “دكان الدعيتر، لمة حبان” الذي لم يكن ملتقى فني واجتماعي لزملائه من الوسط الدرامي فحسب، بل أصبحت “لمة حبان” دوحة للمطربين والشعراء والمخرجين والموسيقيين، ناهيك عن رموز المجتمع. أي أن دكان الدعتير، أصبح أكبر من مجرد كنتين في حي عاصمي، وهنا وجه الشبه بينه وبين دكان ود البصير.

حسب علمنا، أنّ الأستاذ الراحل المقيم مختار بخيت، والذي غادر دنيانا الفانية بمدينة خميس مشيط بالمملكة العربية السعودية، أثر علة مفاجئة، إن لم يكن مولوداً بالعاصمة، فهو بالتأكيد نشأن وتربى فيها، بيد أنه بلا شك ظل على تواصل مستمر ببيئته الثقافية، رافضاً الذوبان الثقافي قسرياً بفهم، وليست “قوة راس” أو عصبية عمياء، وإنما هو صاحب رسالة، ضرورية للسلام الإجتماعي، والتوازن المجتمعي.

وعلى نهج الدعيتر ونايرة إسماعيل، أخيراً ظهر الممثل خالد نيالا، وفرقة الأجاويد (جماعة كُدنقار) وكذلك بليل والتُنة، في مسلسل زنقة الكرتوني، يتحدثان بلهجة أهلنا الشوايقة. بالإضافة إلى مسلسلي “دماء على البحر”، و”عشم”، التي استخدمت فيهما لهجة أهلنا الهدندوة وعامية شرق السودان بصورة رئيسية.

نعتقد أنّ فشل محاولات الدولة المركزية الكئيبة والمتداعية، في فرض ثقافة أحادية، رحمة بالوسط الفني والثقافي، وبالجميع السوداني بأسره، فقد اتضحت أكذوبة وخديعة، أنّ إمدرمان، هي السودان المصّغر، وعلى الجميع أن يكونوا “أمدرمانيين” إذ أننا لا نستطع تبرئة الحرب الحالية، من تبعات ذلك التوجه غير الرشيد بصورة أو بأخرى.

على مختار بخيت الرحمة والمغفرة والعتق من النار، اللّهم أحسن إليه، كما أحسن على المجمتع السوداني، فقد نثر المحبة، ورسّخ التسامح، وكان قدوة حسنة لتقبل الآخر، الله أعلى مكانته عندك، فقد كان متواضعا، وبشوشاً، وملتزماً بالقيم والمثل في أعماله، قدم رسالته الفنية بمسئولية، بعيداً على الإبتذال، وكان حريصاً ألاّ يجرح المشاعر العامة، أو يخدش الذوق المجتمعي العام. لا نزكيه على الله، ولكن هذا ما وجب علينا أن نشهد به، حسب متابعتنا لأعماله الفنية. اللّهم صبّر أهله، وبارك في ذريته

//إبراهيم سليمان//

أقلام متحّدة

ebraheemsu@gmail.com

عن إبراهيم سليمان

شاهد أيضاً

المليشي كيكل .. يطلق النار على ساقيه

بقلم: إبراهيم سليمانebraheemsu@gmail.com سيسجل التاريخ السوداني على صفحاته السوداء، أن من يدعى أبو عاقلة كيكل، …