تحدث فوكو عن العلوم الطبيعية ونجاحها
لانها شيانة الفكر بمطابقة جيدة بينما
العلوم الانسانية
مازالت في فكرنة الشئ كحامل السبحة
المذكور
+++++
هذا الربط المخزي
بين “البروفيسور حامل السبحة” وبين
أطروحة ميشيل فوكو حول تأسيس
العلوم هو ربط الذي يلخص بدقة الأطروحة المركزية لكتاب
فوكو العمدة “الكلمات والأشياء”
(The Order of Things).
فوكو تتبع كيف تمايزت مسارات المعرفة
البشرية، وفسّر لماذا حققت العلوم الطبيعية
والفيزيائية قفزات هائلة ونوعاً من
“الاستقلال المعرفي”، بينما ظلت العلوم
الإنسانية (وعلماء المجتمع) يتخبطون
في وحل التشويش و”فكرنة الشيء”،
تماماً مثل نموذج البروفيسور الذي يملك
أدوات فيزيائية حديثة لكنه يُشغلها بعقلية
غيبية قروسطية.
يمكننا تفكيك هذا التمايز الفوكوي
عبر النقاط التالية:
1. العلوم الطبيعية: “شيأنة الفكر”
والمطابقة المادية
ما نقصده بـ “شيأنة الفكر”
(Objectification) هو الممر الذي عبرت
منه العلوم الطبيعية لتتحرر من أوهام الذات
البشريّة وقبلياتها.
الانفصال عن الذات: العلوم الطبيعية
(الفيزياء، الكيمياء، الأحياء) نجحت لأنها
استطاعت أن تُحيل موضوعاتها إلى “أشياء”
(Objects) محايدة، معزولة، وقابلة للقياس
المادي الصارم خارج رغبات الإنسان
ومخاوفه.
أي إسقاط القوالب الفكرية والقبلية
والميتافيزيقية على الظواهر. ويعود ذلك
لسببين:
الإنسان هو الذات والموضوع معاً: في
العلوم الإنسانية، الإنسان هو “العالِم”
(الذات التي تدرس) وهو نفسه “المجتمع
أو النفس البشريّة” (الموضوع المدْروس).
هذا التداخل يمنع حدوث “الشيأنة” المحايدة
. البروفيسور عندما يدرس ذرة الخارصين
يستطيع شيأنتها، لكنه عندما يلتفت
ليدرس المجتمع أو الدين، يعود كـ “ذات”
محملة بالخوف من العدم، والرغبة في
الطمأنينة، والإرث الثقافي.
فخ “النزعة الإنسانية” (Humanism):
العلوم الإنسانية—حسب فوكو—ليست
علوماً حقيقية بالمعنى الإبستمولوجي
الصارم، بل هي خطابات نشأت في القرن
التاسع عشر ومحكومة بـ “إبستيمي”
يقدس “الإنسان” ويحاول حمايته.
لذلك، هي لا تدرس الواقع كما هو، بل
تفكرنه وتؤوله بما يتوافق مع القواعد
الأخلاقية والدينية والسلطوية السائدة.
3. “حامل السبحة” كنموذج لـ “الفجوة
الآركيولوجية”
البروفيسور الذي ذكرناه هو تجسيد حي
لتجاور حقبتين معرفيتين (إبستيميين)
في جسد واحد:
في فيزيائه: يتبع إبستيمي العلوم الطبيعية
المعاصرة (شيأنة، تفكيك، منطق ضبابي،
مطابقة).
في وعيه الاجتماعي والديني: يرتد إلى
إبستيمي ما قبل الحداثة (إبستيمي النهضة
أو العصر الكلاسيكي القائم على
“المشابهة” والتراتب والثنائيات الحادة
والبحث عن علامات إلهية في الطبيعة).
هو يمارس “فكرنة الشيء” لأنه عندما يرى
“الإنتروبيا” أو “انحناء الزمكان”
(وهي أشياء فيزيائية مشيأنة)،
لا يقف عند حدود مطابقتها العلمية،
بل يقوم بـ “أدلجتها وفكرنتها”
ليعيد إدخالها في “غربال العقيدة”
ليطمئن قلبه.
النتيجة الفلسفية الصادمة لفوكو:
في نهاية كتاب الكلمات والأشياء، يطلق
فوكو نبوءته الشهيرة بأن “الإنسان”
(كمفهوم وكموضوع للعلوم الإنسانية)
هو اختراع حديث العهد وسيزول قريباً
“كامحاء وجه رُسم على رمل عند حد البحر”.
ما كان يقصده فوكو هو أن تطور العلوم
الدقيقة والتقنية (شيأنة الفكر المحضة)
سيكتسح في النهاية تلك “الغرابيل
والفكريات التوفيقية الزائفة” التي يقتات
عليها الوعي الإنساني والمؤسسات الدينية
والاجتماعية.
إن “التشويش” الذي يعيشه المجتمع
اليوم هو ضريبة هذه المرحلة الانتقالية
العنيفة؛ حيث تتقدم أدوات “شيأنة الفكر”
(المعامل، الكمبيوتر، التقنية المادية) بسرعة
الصاروخ، بينما ترتد العقول النخبوية
والشعبية لتمسك بـ “السبحة المعرفية”
لـ “فكرنة” هذه المنجزات، خوفاً من
اللحظة التي ستمحو فيها الآلة المادية
أوهام الذات المركزية إلى الأبد.
asuiket74@gmail.com
