باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 25 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
هيثم الفضل عرض كل المقالات

ما هكذا تُورَد الإبل يا الحارث

اخر تحديث: 25 أغسطس, 2026 10:29 صباحًا
شارك

في جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 24 أغسطس 2026م وهي الجلسة رقم 10211 المخصصة للسودان قدّم مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس دفاعاً عن الوضع السياسي الذي أعقب الفترة الانتقالية نافياً أن تكون القوات المسلحة قد وصلت إلى السلطة عبر انقلاب عسكري ومشيراً إلى أن الحكومة المدنية قدمت استقالتها طواعية وأن القوات المسلحة وجدت نفسها أمام فراغ لم يكن ممكناً أن تنسحب وتترك الدولة فيه بلا قيادة.
الجلسة نفسها مثبتة في السجل المرئي الرسمي للأمم المتحدة كما نُقلت هذه العبارات عن مداخلة المندوب السوداني في التغطيات اللاحقة لها.
وللسفير بطبيعة الحال أن يدافع عن حكومته وعن القوات المسلحة السودانية وأن يجادل في توصيف الأحداث وفي مسؤوليات القوى المدنية والعسكرية عن انهيار الانتقال. لكن الدفاع السياسي شيء وإعادة ترتيب الوقائع التاريخية والقانونية شيء آخر.
المشكلة في رواية «استقال المدنيون فملأ الجيش الفراغ» أنها لا تقدم قراءة مختلفة للواقعة فحسب بل تحذف من السلسلة السببية واقعة 25 أكتوبر 2021 نفسها ثم تأخذ نتيجة لاحقة لها (استقالة د. عبدالله حمدوك في 2 يناير 2022 ) وتعيد وضعها زمنياً قبلها لتصبح سبباً لها.
ولهذا فالمسألة لا تحتاج في بدايتها إلى موقف سياسي من الجيش أو من قوى الحرية والتغيير وإنما إلى سؤال أكثر بساطة:ماذا حدث أولاً؟
في 25 أكتوبر لم تكن هناك حكومة مستقيلة:-
في صباح 25 أكتوبر 2021م كان د. عبدالله حمدوك لا يزال رئيساً للوزراء وكان مجلس الوزراء قائماً وكانت الوثيقة الدستورية هي الإطار القانوني المنظم للسلطة الانتقالية.
لم يقدم حمدوك استقالته في ذلك اليوم.
ولم يحل مجلس الوزراء نفسه.
ولم تعلن القوى المدنية انتهاء الحكومة وتسليم السلطة إلى القوات المسلحة.
الذي وقع هو أن حمدوك ومسؤولين ووزراء وسياسيين اعتقلوا ثم أعلن الفريق أول عبدالفتاح البرهان حالة الطوارئ وحل مجلس السيادة ومجلس الوزراء وعلق العمل بعدد من مواد الوثيقة الدستورية.
وقد أُعلنت هذه القرارات صراحة في خطاب البرهان في ذلك اليوم.
وفي اليوم نفسه وصف الأمين العام للأمم المتحدة ما يجري بأنه (انقلاب عسكري) وطالب بإعادة ترتيبات الحكم التي نصت عليها الوثيقة الدستورية واعتبر احتجاز رئيس الوزراء والمسؤولين الحكوميين مخالفاً للوثيقة الدستورية.
كما أدانت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الانقلاب وإعلان حالة الطوارئ وتعليق مواد أساسية من الوثيقة والهيئات الحاكمة.
إذن قبل أي نقاش في النوايا أو المبررات لدينا واقعة زمنية غير قابلة للتدليس:
الاستيلاء العسكري على السلطة وقع في 25 أكتوبر 2021م أما استقالة حمدوك فحدثت في 2 يناير 2022.
وبين التاريخين أكثر من شهرين.
فلنترك التوصيفات السياسية جانباً ونفتح الوثيقة الدستورية
إذا أراد المرء أن يعرف هل ما حدث كان «ملء فراغ» مشروعاً أم خروجاً على النظام الدستوري فليس عليه أن يبدأ بمواقف الأحزاب ولا ببيانات القوى المدنية وإنما بالنص الذي كان يحكم البلاد آنذاك وهو الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019 كما نشرت في الجريدة الرسمية لجمهورية السودان العدد 1895 المؤرخ 3 أكتوبر 2019 مع تعديلها اللاحق في 2020.
والبداية من المادة الثالثة.
فالوثيقة قررت أن الوثيقة الدستورية هي القانون الأعلى في البلاد وأن أحكامها تسود على القوانين.
هذه القاعدة ليست تفصيلاً قانونياً.
معناها أن مجلس السيادة يستمد سلطته من الوثيقة ومجلس الوزراء يستمد سلطته منها والقوات النظامية تتحرك داخل النظام الدستوري الذي تحدده فلا توجد مؤسسة منشأة بموجب الوثيقة أو خاضعة لها تستطيع أن تتحول من تلقاء نفسها إلى سلطة فوق الوثيقة.
فالسلطة التي ينشئها الدستور لا تستطيع أن تمنح نفسها سلطة تأسيسية عليه لم يمنحها إياها.
ومن كان يملك السلطة التنفيذية؟
النص هنا أكثر وضوحاً.
المادة 10 من الوثيقة الدستورية حددت أجهزة الحكم الانتقالي ووصفت:
مجلس السيادة بأنه رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها
ومجلس الوزراء بأنه السلطة التنفيذية العليا للدولة
والمجلس التشريعي الانتقالي بأنه سلطة التشريع والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي.
إذن لم تكن البلاد في 25 أكتوبر بلا سلطة تنفيذية.
كانت هناك سلطة تنفيذية قائمة اسمها مجلس الوزراء وكان على رأسها د. عبدالله حمدوك.
قد تكون تلك الحكومة حاضنتها السياسية منقسمة وقد يكون أداؤها موضع نقد شديد.
لكن الضعف السياسي لا يساوي الخلو الدستوري..
وانخفاض الشعبية لا يساوي زوال السلطة ..
والنزاع بين شركاء الانتقال لا ينقل الاختصاصات تلقائياً إلى المؤسسة العسكرية.
وهذه التفرقة هي أصل المسألة كلها.
وهل كون مجلس السيادة قائداً أعلى للقوات المسلحة يمنحه حق الاستيلاء على السلطة؟
هنا أيضاً ينبغي قراءة النص الدستوري..
تنص المادة 11 على أن مجلس السيادة هو رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى.
لكن عبارة «القائد الأعلى» لا تعني السلطة الأعلى على الدستور.
فأولاً النص أسند هذه الصفة إلى مجلس السيادة بوصفه مؤسسة دستورية لا إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها مصدراً مستقلاً للسلطة السياسية.
وثانياً اختصاص القيادة العليا للقوات المسلحة هو اختصاص ناشئ عن الوثيقة نفسها ولا يجوز منطقياً وقانونياً تحويل اختصاص منحه الدستور إلى أداة لتعطيل الدستور الذي منحه.
وثالثاً عندما عددت الوثيقة سلطات مجلس السيادة لم تمنحه سلطة مطلقة في حل مجلس الوزراء من جانب واحد ولا سلطة إلغاء النظام الانتقالي أو إنشاء نظام دستوري جديد بإرادة منفردة.
بل إن المادة 74 أزالت قدراً كبيراً من أي التباس محتمل فنصت على أنه ــ باستثناء السلطات الممنوحة صراحة لمجلس السيادة ــ تؤول سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية ذات الطبيعة التنفيذية إلى رئيس مجلس الوزراء.
وهذه قاعدة شديدة الدلالة أن الوثيقة لم تجعل رئيس مجلس السيادة رئيساً تنفيذياً للجمهورية يملك ولاية عامة على الحكومة بل جعلت مركز الولاية التنفيذية في رئيس الوزراء ومجلس الوزراء مع اختصاصات محددة لمجلس السيادة.
والطوارئ نفسها لم تكن تفويضاً بالانقلاب على الحكومة
ربما تكون المادة 40 هي النص الأكثر مباشرة في تفكيك الحجة فالوثيقة الدستورية نظمت حالة الطوارئ بالفعل.
لكنها لم تقل إن رئيس مجلس السيادة يستطيع عندما يرى أن البلاد في أزمة إعلان الطوارئ وحل الحكومة وتولي السلطة.
بل نصت المادة 40 على أن إعلان الطوارئ بواسطة مجلس السيادة يكون بطلب من مجلس الوزراء ثم يعرض الإعلان على المجلس التشريعي الانتقالي خلال خمسة عشر يوماً للتصديق عليه.
أي أن الحكومة التي حُلّت في 25 أكتوبر لم تكن عقبة أمام آلية الطوارئ بل كانت ــ وفق النص ــ جزءاً من الآلية الدستورية اللازمة لبدئها.
وهنا تظهر المفارقة القانونية بوضوح..
كيف يمكن الاستناد إلى حالة الضرورة لتبرير إبعاد المؤسسة التي اشترط الدستور طلبها أصلاً لإعلان حالة الطوارئ؟
ثم تأتي المادة 41 لتزيد الأمر وضوحاً..
ففي حالة الطوارئ جعلت الوثيقة مجلس الوزراء هو الجهة التي تتخذ التدابير الاستثنائية وحتى عندما تبلغ الحالة درجة قصوى تسمح بتعليق جزء من وثيقة الحقوق فإن ذلك يتم بواسطة مجلس الوزراء بالتشاور مع مجلس السيادة مع بقاء حقوق أساسية لا يجوز المساس بها.
أي أن الوثيقة صممت الطوارئ باعتبارها استثناءً داخل الدستور لا باباً للخروج من الدستور.

والأهم: حتى لو استقال حمدوك أين هو «الفراغ»؟
لنذهب أبعد من الوقائع ونفترض جدلاً صحة المقدمة التي بنى عليها الحارث إدريس حجته.
لنفترض أن عبدالله حمدوك كان قد استقال بالفعل.
هل كانت استقالته تمنح القوات المسلحة حق تولي السلطة؟
الوثيقة الدستورية تجيب مباشرة: لا.
فالمادة 18 لم تترك مسألة خلو منصب رئيس الوزراء بلا معالجة بل نصت على أنه إذا خلا المنصب يسمي المجلس التشريعي الانتقالي رئيساً جديداً للوزراء ويعتمد مجلس السيادة تعيينه.
وإذا حدث الخلو قبل تشكيل المجلس التشريعي يعين رئيس الوزراء بالطريقة التي عُيّن بها رئيس الوزراء ابتداءً.
وهنا تنهار نظرية «ملء الفراغ» حتى لو سلمنا ــ خلافاً للوقائع ــ بحصول الاستقالة قبل 25 أكتوبر.
لأن الدستور نفسه كان يعرف احتمال خلو منصب رئيس الوزراء ووضع له آلية خلافة.
الخلو الدستوري للمنصب لا يعني خلو الدولة من الدستور.
والاستقالة لا تحول المؤسسة المسلحة تلقائياً إلى وريث للسلطة التنفيذية.
هذه نقطة قانونية مركزية..
عندما يحدد الدستور كيفية ملء منصب شاغر لا يجوز استبدال تلك الآلية بقاعدة غير مكتوبة تقول إن حامل السلاح الأقوى يتولى الحكم.
فلو كان مجرد خلو منصب رئيس الوزراء يسمح للقوات المسلحة بملء الفراغ لما كانت هناك حاجة أصلاً إلى المادة 18.
لكن حمدوك لم يستقل أصلاً إلا بعد إعادته
والواقع التاريخي يجعل الحجة أضعف من ذلك.
بعد إجراءات 25 أكتوبر دخل السودان في أزمة سياسية ودستورية واسعة.
وفي 21 نوفمبر 2021 وقع عبدالفتاح البرهان وعبدالله حمدوك اتفاقاً سياسياً أعيد بموجبه حمدوك إلى رئاسة الوزراء..
بعثة الأمم المتحدة في السودان وصفت الاتفاق يومها بأنه محاولة للوصول إلى توافق لحل الأزمة الدستورية والسياسية وطالبت بحماية النظام الدستوري وإطلاق سراح المعتقلين منذ 25 أكتوبر واستعادة المسار الانتقالي.
كما يسجل تقرير رسمي للأمم المتحدة أن اتفاق 21 نوفمبر نص على استمرار الوثيقة الدستورية لسنة 2019 كأساس للفترة الانتقالية وعلى إطلاق المعتقلين وتشكيل حكومة تكنوقراط.
وهنا يظهر سؤال يصعب تجاوزه وهو إذا كان حمدوك قد استقال قبل أن يتدخل الجيش فإلى أي منصب أعاده اتفاق 21 نوفمبر؟
إعادة حمدوك إلى رئاسة الوزراء لا يمكن تفسيرها إلا إذا كان قد أُبعد عنها قبل ذلك.
ثم بعد فشل الاتفاق في استعادة الاستقرار السياسي واستمرار الاحتجاجات والانقسام أعلن حمدوك استقالته في خطاب تلفزيوني يوم 2 يناير 2022. وهذا التاريخ مثبت في تقارير الأمم المتحدة نفسها.
إذن الترتيب الزمني ليس موضع اجتهاد:
25 أكتوبر 2021: اعتقال حمدوك حل مجلسي السيادة والوزراء إعلان الطوارئ وتعليق مواد من الوثيقة.
21 نوفمبر 2021: إعادة حمدوك عبر اتفاق مع البرهان.
2 يناير 2022: استقالة حمدوك.
لا توجد طريقة تاريخية سليمة تجعل الحدث الثالث سبباً للحدث الأول.
الاتفاق مع حمدوك لا يصحح 25 أكتوبر بأثر رجعي
قد يقال إن اتفاق 21 نوفمبر أنشأ واقعاً سياسياً جديداً ثم استقال حمدوك فأصبحت السلطة بعد استقالته في وضع مختلف.
هذا صحيح جزئياً من حيث الواقع السياسي اللاحق لكنه لا يغير التكييف القانوني لما وقع في 25 أكتوبر.
فالتسوية التي تعقب خرقاً دستورياً قد تنظم الخروج من الأزمة لكنها لا تستطيع أن تجعل الفعل السابق متوافقاً مع الدستور لحظة وقوعه.
والأمم المتحدة نفسها لم تتعامل مع اتفاق 21 نوفمبر باعتباره إعلاناً بأن 25 أكتوبر كان مشروعاً؛ ففي جلسة مجلس الأمن اللاحقة وصف الممثل الخاص للأمين العام ما وقع في 25 أكتوبر بأنه استيلاء عسكري وقال إن الاتفاق جاء بعد أسابيع من الجهود لإيجاد مخرج من الأزمة وطالب بالتراجع عن القرارات الأحادية المخالفة للإعلان الدستوري. كما أدان أعضاء في المجلس صراحة انقلاب 25 أكتوبر.
التسوية السياسية شيء والتصحيح التاريخي بأثر رجعي شيء آخر.
وإذا كان هناك خلاف بين المدنيين والعسكريين فمن كان يفصل فيه؟
هذه نقطة أخرى أهملتها رواية اضطررنا للتدخل..
فالوثيقة الدستورية لم تفترض أن العلاقة بين المكونين ستظل بلا خلاف.
بل وضعت آلية صريحة للنزاع بين السلطتين.
تنص المادة 75 على أنه إذا نشأ نزاع بين السلطة ذات الطبيعة السيادية والسلطة التنفيذية فإن المحكمة الدستورية هي المختصة بالبت في ذلك النزاع.
صحيح أن المحكمة الدستورية لم تكن قد شُكّلت وهذا واحد من أكبر إخفاقات الفترة الانتقالية.
لكن عدم إنشاء المؤسسة التي يفترض أن تفصل في النزاع لا ينشئ من العدم اختصاصاً بديلاً للقوات المسلحة كي تفصل فيه بالقوة.
غياب القاضي لا يجعل أحد الخصمين قاضياً.
هذه قاعدة بسيطة لكنها جوهرية.
بل إن عدم تشكيل المحكمة الدستورية والمجلس التشريعي يستحق نقداً سياسياً وقانونياً قاسياً للقوى التي أدارت الانتقال لكنه يفسر هشاشة النظام ولا يمنح أحد أطرافه حق إسقاطه.
وحتى تعديل الوثيقة لم يكن قراراً فردياً
ثم هناك المادة 78.
فهي تنص على أنه لا يجوز تعديل أو إلغاء الوثيقة الدستورية إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي.
ويمكن أن يثار هنا جدل قانوني مشروع بسبب عدم تشكيل المجلس التشريعي وبسبب انتقال سلطاته بصورة مؤقتة إلى مجلسي السيادة والوزراء مجتمعين.
لكن حتى بأوسع قراءة ممكنة لذلك الاستثناء فإن السلطة المؤقتة كانت سلطة مؤسسية مشتركة بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء لا سلطة منفردة لرئيس مجلس السيادة ولا للقوات المسلحة.
وبالتالي لا يمكن استخراج حق في تعليق البنية الدستورية وحل أحد طرفيها من نص يشترط أصلاً عملاً مؤسسياً جماعياً لتغييرها.
وماذا عن حجة أن حكومة حمدوك لم تكن منتخبة؟
هذه حجة صحيحة في مقدمتها خاطئة في نتيجتها.
نعم حكومة حمدوك لم تأتِ عبر انتخابات عامة.
لكن السودان كان في فترة انتقالية ولم يدّع أحد أن الحكومة حكومة منتخبة.
والسؤال في الفترات الانتقالية ليس: هل حصلت الحكومة على تفويض انتخابي لم يكن مقرراً أصلاً في تلك المرحلة؟ بل هل تشكلت وفق الإطار الدستوري الانتقالي الذي يحكم البلاد؟
والأهم أن المكون العسكري في مجلس السيادة لم يكن منتخباً هو الآخر.
فالوثيقة نفسها هي التي أنشأت مجلس السيادة وحددت تركيبه واختصاصاته وهي نفسها التي أنشأت مجلس الوزراء.
وبالتالي لا يمكن منطقياً أن نقول إن عدم انتخاب المدنيين يسقط مشروعية وجودهم بينما لا يؤثر عدم انتخاب العسكريين في مشروعية وجودهم.
كان الطرفان يستمدان صفتهما الدستورية من الوثيقة ذاتها.
ومن ثم لا يستطيع أحدهما أن يستند إلى الوثيقة لإثبات حقه في الجلوس في السلطة ثم يتجاوزها عندما تصبح قيودها غير ملائمة له.
هنا يقع التدليس الحقيقي: قلب علاقة السبب بالنتيجة
المشكلة في رواية الحارث إدريس ليست فقط إسقاط تاريخ من الذاكرة.
إنها قلب للسببية التاريخية.
الرواية الصحيحة تقول:
حدث 25 أكتوبر وأُبعد حمدوك وحُلّت الحكومة ثم أُعيد حمدوك في محاولة لمعالجة الأزمة ثم استقال بعد فشل التسوية.
أما الرواية المقدمة في مجلس الأمن فتحولها إلى:
استقال المدنيون فنشأ الفراغ فتدخل الجيش.
وبذلك تُحذف الواقعة التي تحتاج أصلاً إلى تبرير.
فالاستقالة التي كانت من نتائج الأزمة التي أعقبت 25 أكتوبر تتحول إلى سبب سابق له.
وهذا ليس مجرد خلاف في زاوية النظر؛ لأن السبب والنتيجة لا يمكن تبديل موقعيهما دون تغيير معنى التاريخ كله.
لماذا تصبح هذه الرواية مهمة الآن؟
لأن المسألة لا تتعلق بالماضي فقط.
إذا جرى توصيف 25 أكتوبر باعتباره انقلاباً على ترتيب دستوري قائم فإن السلطة التي ترتبت عليه تواجه سؤالاً عن مشروعية الوصول وعن الأساس الدستوري الذي استندت إليه.
أما إذا نجحت رواية «ملء الفراغ» فإن الصورة تنقلب:
لا يعود العسكري هو الطرف الذي عطل النظام الدستوري بل يصبح حارس الدولة الذي اضطر إلى التدخل بعد تخلي المدنيين عنها.
وهنا تنتقل القضية من التاريخ إلى الشرعية.
فإعادة كتابة 25 أكتوبر هي محاولة لإعادة بناء السند السياسي لما جاء بعده.
ولهذا ينبغي أن يكون النقاش دقيقاً.
لسنا مضطرين إلى تمجيد حكومة حمدوك كي نقول إن إسقاطها بالقوة كان خروجاً على آلية الوثيقة.
ولسنا مضطرين إلى إنكار أخطاء القوى المدنية لكي نرفض أن تصبح أخطاؤها مصدراً لاختصاص عسكري لم ينص عليه الدستور.
يمكن أن يكون المدنيون قد فشلوا وأن يكون انقلاب 25 أكتوبر انقلاباً في الوقت نفسه.
لا تعارض بين الحكمين.
الجيش مؤسسة في الدولة لكنه ليس مصدراً للدستور
وهنا أيضاً يجب تجنب الخلط.
القوات المسلحة السودانية مؤسسة وطنية من مؤسسات الدولة ووجودها ومشروعيتها المؤسسية لا يتوقفان على رأي حزب أو حكومة.
لكن شرعية وجود الجيش شيء ومشروعية تولي قيادته السلطة السياسية شيء آخر.
كون المؤسسة العسكرية مسؤولة عن الدفاع عن البلاد لا يمنحها حق تحديد من يحكم البلاد.
وكون مجلس السيادة كان قائداً أعلى للقوات المسلحة لا يحول القوات المسلحة إلى سلطة تأسيسية تعلو على الوثيقة.
فالجيش في الدولة الدستورية يستمد صلاحياته من الدولة؛ ولا تستمد الدولة شرعيتها من الجيش.
والسلاح يمنح المؤسسة قدرة على الدفاع عن النظام الدستوري لكنه لا يمنحها حق إعادة تعريف النظام الدستوري متى اختلفت مع بقية مؤسساته.
ما هكذا تُورَد الإبل يا الحارث
يمكن للسفير الحارث إدريس أن يدافع عن القوات المسلحة في مجلس الأمن.
ويمكنه أن ينتقد تجربة الحرية والتغيير وحكومة حمدوك وأن يتحدث عن الانقسامات المدنية والقصور الاقتصادي وتعطل المؤسسات والأخطاء التي ارتكبت خلال الانتقال.
كل ذلك مجال مشروع للاختلاف السياسي.
لكن لا يجوز أن تتحول استقالة وقعت في 2 يناير 2022 إلى سبب لحدث وقع في 25 أكتوبر 2021.
ولا يجوز أن يسمى حل حكومة قائمة «ملء فراغ» لم يكن موجوداً.
ولا أن تصبح القيادة العليا للقوات المسلحة وهي اختصاص أنشأته الوثيقة مصدراً لسلطة فوق الوثيقة.
ولا أن يُقال إن استقالة رئيس الوزراء ــ حتى لو وقعت ــ كانت تترك الدولة بلا مسار دستوري بينما المادة 18 نفسها تحدد كيفية تعيين خلفه.
السؤال في النهاية ليس هل كانت حكومة حمدوك جيدة أم سيئة.
وليس هل كانت القوى المدنية موحدة أم متنازعة.
وليس حتى هل كانت الوثيقة الدستورية نموذجاً جيداً للحكم الانتقالي أم وثيقة مليئة بالعيوب.
السؤال أكثر تحديداً:
هل منحت الوثيقة الدستورية القوات المسلحة أو رئيس مجلس السيادة سلطة حل الحكومة وتعليق مواد الوثيقة وتجاوز آليات الخلاف والخلافة الدستورية ثم تولي السلطة منفرداً؟
والنصوص التي كان يحكم بها السودان يومها لا تقدم مثل هذا التفويض.
أما الوقائع فهي أكثر عنادا..
كان رئيس الوزراء في منصبه يوم 25 أكتوبر فاعتُقل.
وكان مجلس الوزراء قائماً فحُل.
وكانت الوثيقة الدستورية نافذة فعُلقت مواد منها.
ثم أعيد حمدوك إلى منصبه في 21 نوفمبر.
ثم استقال في 2 يناير.
وبين هذه التواريخ يا سعادة السفير لا توجد مساحة يستطيع فيها التاريخ أن يبدّل السبب بالنتيجة.
فالدفاع عن الدولة لا يحتاج إلى حذف صفحات من تاريخها والدفاع عن القوات المسلحة لا يستوجب منحها اختصاصات لم يمنحها لها الدستور.
وما هكذا تُورَد الإبل يا الحارث.
Email: haytham.compre@gmail.com

Author

هيثم الفضل

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
متى يستفيق المدعو/عبدالحى يوسف من نومه العميق؟ .. بقلم: موسى بشرى محمود على
الأخبار
إثيوبيا تعلق على موقف مصر والسودان من إنشاء “مفوضية دائمة لحوض النيل”
د. نيازي عزالدين محمد
وطني العزيز: لهفي عليك ,سيناريو الانهيار الكبير في عام جديد .. بقلم: د.نيازي عزالدين محمد
منبر الرأي
بعد جلسة مجلس الأمن- ماذا بقي أمام حكومة السودان؟
منبر الرأي
هل أصبح العالم على شفا حرب باردة جديدة؟. .. بقلم: بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

منصور خالد: حاضرآ يوم مقتل الشهيد الشفيع تحت أحذية ابوالقاسم وجنوده .. وجالساً في مجلس عزاء فاطمة، ارملة الشهيد؟! .. بقلم: عبدالرحمن أحمد بركات

طارق الجزولي
منبر الرأي

انقلاب تركيا وخوف نظام الانقاذ و”الكيزان” من الواتس-اب .. بقلم: بشير عبدالقادر

بشير عبدالقادر
منبر الرأي

ما بشموها تاني قدحة! .. بقلم: مجدي الجزولي

د. مجدي الجزولي
منبر الرأي

المؤتمر الوطني يتطاولُ فى البنيان والمنكوبين من السيول والأمطار يفترشون الأرضَ.بقلم: د. يوسف الطيب

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss